غلاف الكتاب


كتاب / «البدو» للمستشرق الألماني أوبينهايم ... مغامرة موسوعية عن الشرق

نتاج بحوث استغرقت أربعين عاماً
  • 16 يونيو 2014 12:00 ص
  •  27
يعتبر كتاب «البدو» للمستشرق الالماني ماكس فرايهير فون اوبنهايم في مجلداته الخمسة، الذي صدرت ترجمته الى العربية، نتاج بحوث ودراسات معمقة استغرقت اربعين عاما قضاها المؤلف في الشرق الاوسط. إبراهيم الحيدري يعرفنا بهذا العمل الضخم.

درس المستشرق الألماني فون أوبنهايم خلال فترة إقامته الاوضاع الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية لسكان الصحراء العربية، خصوصا العشائر العربية في الجزيرة العربية من حيث انماط حياتها واساليب انتاجها وترحالها وديارها، وعشائر العراق وسوريا وشمال الجزيرة العربية ووسطها والاردن والحجاز وفلسطين وسيناء وشط العرب.

وشارك اوبنهايم في انجاز موسوعته ارش بروينلش وفيرنر كاسل وصدرت تباعا باللغة الالمانية في خمسة مجلدات ظهرالجزء الاول منها في لايبزغ سنة 1939، والثاني في 1943، والثالث في 1952، والرابع في 1967 والخامس في 1968.

وكان اوبنهايم اخذ في الاعتبار جميع ما كتب ونشر (ولم ينشر) من مؤلفات ومخطوطات وإحصاءات ووثائق وخرائط ومواد اثنوغرافية حول العشائر البدوية ونمط البداوة والترحال. ولذلك جاء الكتاب دائرة معارف شاملة حول جميع العشائر العربية في الجزيرة العربية: من جنوب الاناضول شمالا، حتى جنوب الحجاز، ومن الجنوب الشرقي لايران شرقا حتى سواحل البحر الابيض المتوسط والاحمر غربا. الى جانب العشائر ذات الاصول غير العربية التي تعيش في منطقة الشرق الاوسط، وكذلك العشائر الكردية والتركمانية واليزيدية والجركسية وغيرها.

كتب هذه الموسوعة بأسلوب علمي ومنهجي وبأسلوب سهل الفهم عموما، ولهذا فهي ليست للمتخصصين فحسب، بل لكل من له اهتمام بموضوع العشائر العربية وفروعها وانسابها وديارها ومناطق ترحالها وثقافتها المادية والمعنوية، وكذلك عن الرحالة والمستشرقين الاوروبيين خصوصا الالمان منهم، الذين رحلوا الى الجزيرة العربية واطرافها وكتبوا عن اقامتهم بين العشائر البدوية، وعن الصراعات والغزوات في ما بينهم من جهة ومع الدول والحكومات من جهة اخرى.

لقد احب اوبنهايم حياة الصحراء في بساطتها ونقاوتها وكذلك في حريتها وخشونتها، مثلما احب البدو وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم وشجاعتهم. وبحسب قول اوبنهايم، فالبدوي شجاع وكريم ومحب للحرية ومحارب ومضياف في الوقت نفسه.

وقبيل رحلته الى وسط الجزيرة العربية طلب مدير البنك الالماني جورج فون سيمنس ان يترأس بعثة استطلاعية يمولها البنك لوضع مخطط لمشروع بناء خط قطار بغداد برلين. وقد استطاع اوبنهايم تحقيق رغبة رئيس البنك الالماني في وضع دراسة خاصة حول افضل الطرق لمد خط قطار بغداد- الموصل- حلب.

وخلال عمله في تلك المنطقة التي اطلق عليها «برستد» اسم « الهلال الخصيب»، والتي تعتبر منطقة نشأت فيها في عقود سابقة دول وامارات مزدهرة، ومركز لدولة عريبة قديمة ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد وسيطرت على القسم العربي في الشرق الاوسط وكانت عاصمتها «تل حلف» عند رأس العين. وقرب وادي حلف قامت ايضا دولة «مثياني» وهي امارة عربية تعود الى الالف الثاني قبل الميلاد وعاصمتها «واشلوكاني» وقد اسعف الحظ اوبنهايم باكتشافه منبع نهر الخابور عند رأس العين، وهو النهر الوحيد الذي يصب في نهر الفرات.

ويمثل اكتشاف اوبنهايم لآثار تل حلف مدخلا واسعا لمعرفة الشرق الاوسط وحضارته، ما يشكل تعميقا لمعارف اوبنهايم حول مجتمع البدو والبداوة الذي عاش فيه وعايش افراده. كما ان هذا الاكتشاف جعله يحصل على امتياز من الحكومة التركية للقيام بالحفريات اللازمة هناك.

غير ان التزامه بوظيفته حال دون الشروع في الحفريات والتقنيات الآثرية، الا بعد مرور عشر سنوات اذ ترك وظيفته الديبلوماسية ليتفرغ للحفريات والتقنيات اللازمة التي استمرت بين عامي 1911- 1913 وبين عامي 1927- 1929. وقد تم العثور على آثار فريدة لحضارة وادي تل حلف، وهي معروضة في متحف تل حلف في برلين.

كما نشر اوبنهايم كتابا حول «حضارة جديدة في وادي الرافدين» في لايبزغ عام 1931، وكذلك اصدر دليلا لمتحف تل حلف في برلين عام 1934. وخلال اقامته في وادي تل حلف لتنفيذ الحفريات والتقنيات الاثرية اقام علاقات وطيدة مع العشائر البدوية هناك، وزار شيوخ العشائر.

وكان اوبنهايم خلال تلك الفترة يوجه اهتمامه الى دراسة الدين عند البدو ايضا وكذلك القصص والاساطير والخرافات التي يتداولونها. كما حصل على معلومات حول الطرق الصوفية وكذلك الغزوات والحوادث المهمة في حياتهم. وقد اخذ للبدو وشيوخهم صورا فوتوغرافية عدة بنفسه. ونشر هذه الصور وصورا لبعض مساعديه في كتاب « العشائر البدوية» وكذلك في كتابه «حياة وحضارة البدو».

ومن انجازاته العلمية وضع جداول دقيقة ثبت فيها اسماء العشائر وفروعها بحسب ديارهم ومناطق ترحالهم في الصيف والشتاء وكذلك عدد خيامهم. كما كتب تاريخ كل عشيرة وتاريخ مشايخها بحسب المناطق الجغرافية التي يتجولون فيها، وقسمها الى عشائر سورية وفلسطين وبين النهرين والعراق والجزيرة العربية وغيرها.

وكان يستخدم في جمع المواد الاثنوغرافية والاحصائية الطريقة التقليدية القديمة، كما كان عليه جمع مواد مستعملة من اثاث وادوات ولوازم وان يسجل بدقة الاسماء وما ترمز اليه وتعبر عنه.

وسجل ملاحظات عن حياة البدو وعن انسابهم وكذلك المأثورات الشعبية والقصص والاساطير وكل ما يرتبط بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للعشيرة، الى جانب سلطة الشيوخ وما يتعلق بالحقوق والواجبات ونظام الزواج والخيانة الزوجية والرقيق، الذي كان في طريقه الى الزوال، وما يتعلق بالخيول والجمال والصيد والترحال والغزوات وقيم الضيافة واللجوء والثأر والاتحادات العشائرية.

وكان لأوبنهايم ولع شديد باقتناء الكتب والمراجع العلمية والمخطوطات وكتب الرحالة والرحلات وجميع ما كتب عن العشائر العربية في العربية والالمانية وغير ذلك. كما اقتنى اهم كتب المستشرقين وجميع ما كتب في الصحف والمجلات التي صدرت في الشرق حينذاك مثل جريدة « ام القرى» وغيرها. ووصل مجموع ما جمعه اوبنهايم حول البدو والبداوة الى اربعين الف مجلد كونت مكتبة عامرة اوقفها باسم «معهد الشرق للدراسات» في برلين.

ان ما جمعه من معلومات ومواد اثنوغرافية إضافة الى دراساته ورحلاته ومعايشته وملاحظاته المباشرة في العالم العربي، وكذلك حبه ومشاركته الودية للعشائر البدوية في حياتهم في الصحراء، ساعدته في انجاز ما الف من كتب، اضافة الى مساعدة اصدقائه العرب وعلاقاته الاجتماعية والسياسية الواسعة مع عدد كبير من الافراد والشيوخ والعلماء والادباء والسياسيين والمستشرقين الذين عملوا معه بجد واخلاص.

مصدر النص: http://ar.qantara.de

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا