عساف متحدثاً للزميل طارق ضاهر


روجيه عساف لـ«الراي»: بقاء الإسلام حياً في المجتمع ليس بفضل الحكومات والأحزاب التي تدّعيه !

المخرج اللبناني «منقذ» سليمان البسام في «ودار الفلك» يتحدث عن المستفيدين من الثورات لتسلم مراكز القرار والمصالح
  • 16 مايو 2012 12:00 ص
  •  22
| حوار - طارق ضاهر |

بخطوات أثقلها نصف قرن من التنقل فوق خشبات العالم، نزل المخرج المسرحي اللبناني روجيه عساف أحد سلالم خشبة «الشامية» منهياً «بروفة صغيرة»** - كانت تدور في الكواليس استعداداً لعرض اليوم الأخير من مسرحية «ودار الفلك» للمخرج سليمان البسام - ليبدأ مع «الراي» حواراً تخطى حدود المسرح، لكنه سلك دربه.

رأى لاعب دور «المنقذ» في المسرحية التي يشارك فيها، والخارجة من رحم الثورات العربية، أن من المبكر رؤية انعكاسات «الربيع العربي» على الحياة الفكرية والثقافية والفنية - وإن كانت حتمية - «لأننا ما زلنا في البداية». ولفت إلى أن لا وجود للهدف حالياً في الثورات، بل هناك اتجاه وسبيل، لأن الهدف «ليس في أيدينا وليس لنا».

وأكد المخرج، الذي اعتنق الدين الإسلامي منذ سنوات طويلة، أن طرح الهوية العربية عاد مع بداية «الربيع العربي»، مذكّراً بأن فلسطين لعبت هذا الدور سابقاً لفترة طويلة وعبرها صارت هناك هوية عربية مطروحة ومحتملة. وأشار إلى أن هناك طرحاً آخر أوجدته الحركات الثورية داخل البلدان العربية، وهو موقع الدين الإسلامي في تاريخنا، معتبراً أنه سؤال كبير لا يمكن تجاهله والقول «أنا ضد أو مع»، وأساسي من تكوين المجتمع العربي، إذ إن الهوية العربية من دون إسلام غير موجودة.

وأشار في موضوع المسرح إلى أن المنعطف الحقيقي له ولغيره من المسرحيين كان بعد نكسة 1967 ونشوء المقاومة الفلسطينية وقيام حركات الثورة العالمية في العام 1968، لكن مرحلة من «الإحباط» أصابته بعد انتهاء الحرب الميدانية في لبنان خلال التسعينات. وفي ما يلي نص حوار عساف مع «الراي»:



• وجودك في الكويت يأتي من أجل المشاركة مع المخرج سليمان البسام في مسرحية «ودار الفلك»، ماذا تخبرنا عن هذه التجربة؟

- التعاون موجود في الأساس، لأنني أعرف الأستاذ سليمان منذ زمن، إذ سبق له زيارة لبنان وقدم عرضاً وحين قدمت إلى الكويت للمشاركة في مهرجان المسرح الكويتي توطدت علاقتنا.

• لعبت دور المنقذ في هذا العمل!

- صحيح، إذ لمشاركتي في هذه المسرحية قصة حين استضفنا العمل داخل مسرحنا «دوار الشمس» في بيروت بعد عرضه في الكويت، إذ كان المخرج سليمان بحاجة إلى مكان ليبدأ ورشة ويعيد النظر في تفاصيل المسرحية. وبالصدفة حصلت مناسبة حزينة لأحد الزملاء الذي اضطر إلى مغادرة بيروت متوجهاً إلى الكويت قبل يوم واحد من بدء العرض، ما ولّد مشكلة كبيرة. وبما انني كنت متواجداً كوني مشرفاً على المسرح، تولّد الاقتراح أن آخذ دور الأستاذ سليمان، فيما يتولى هو مهمة لعب دور الزميل الغائب حتى ننقذ العرض.

• ألم يشكّل ذلك نوعاً من الإرباك؟

- بالطبع حدث ذلك، وظهر الارتجال، لكنّني كنت ممسكاً بالأوراق ونجحت اللُحمة وعبرنا إلى برّ الأمان.

• وما سبب استمرارك في العرض هنا في الكويت؟

- أحبّ الأستاذ سليمان أن نكمل الطريق سوياً، خصوصاً في البلدان العربية. لكن الأمر بالتأكيد لم يكن بالصدفة، بل العلاقة أعمق قليلاً مع سليمان كونه مخرجاً مميزاً ولديه توجه بالنسبة إلى العمل المسرحي يلتقي في بعض النقاط مع توجهي ومسرحي. وهو من الجيل الجديد الصاعد الذي يقترح بشكل فعلي إمكانية تطوير المسرح العربي الذي يعتبر جامدا - مع بعض الاستثناءات - ويعاني استقراراً مع نوع من التراجع نسبة إلى الستينات والسبعينات من القرن الماضي. إذ في تلك المرحلة شهدنا نهوضاً للمسرح العربي، قبل أن يعود ويتراجع في التسعينات وما بعدها ويتوقف الإبداع أو بمعنى أصح «راوح مكانك».

• في فترة الستينات والسبعينات التي تحدثت عنها، وقبلها الخمسينات، شهدت المنطقة العربية الكثير من التطورات السياسية تراوحت بين الحروب والانقلابات. وفي العامين الاخيرين نشهد نوعاً من الحراك الشعبي العربي، فهل يمكن أن يساهم ذلك بشكل أو بآخر في إعادة نهضة المسرح العربي؟

- لا نستطيع قول ذلك فعلياً لأننا ما زلنا في البداية. لكن من المؤكد أنه سيكون هناك تأثير كبير، ليس على المسرح فحسب، بل على طريقة التفكير والتعبير والعلاقة مع الثقافة والفكر والفنون. من هنا لا يمكن أن نتنبّأ في أي اتجاه سيحدث ذلك، إذ من المبكر أن نرى انعكاسات الربيع العربي على الحياة الفكرية والثقافية والفنية وإن كانت حتمية. لكن من الممكن أن تستند المرحلة الجديدة إلى بعض التجارب الحديثة في المسرح العربي، والتي تحدث في مصر والمغرب والمشرق العربي، وتجربة سليمان إحدى التجارب التي يمكن أن تشكل منطلقاً للتطوير وإعادة التفكير بالمسرح ككل، لأنها أولاً تجربة عربية بكل معنى الكلمة وليست إقليمية. وعربيتها ناتجة عن تكوين المجموعات التي تعمل هذه المسرحيات وأيضاً في طريقة صقل كل هذه التجارب المختلفة في قالب له علاقة بالقضية والأفكار العربية الجديدة والتساؤلات.

• ما أسباب «الخمول» الذي يعانيه المسرح؟

- هذا سؤال يستدعي مني تقديم أطروحة، لكن بالمختصر المفيد هي موجة تشهد تصاعداً ومن ثم تراجع.

• حسناً، إذا عكسنا السؤال واستفسرنا عن مرحلة الازدهار التي عاشها في الستينات والسبعينات؟

- قبل العام 1968، ظهرت الموجة البريشتية في المسرح العربي التي صنعت تجديداً في المسرح ومن ثم استقرت. بعدها حدث تراجع، قبل أن تعود النهضة في السبعينات مع التجارب الثورية الجديدة من خلال الـ Living Theatre ومسرح «الشمس». الحياة والمسرح هكذا. لكن لا يمكننا نسيان أن المسرح يواجه منذ أكثر من مئة سنة صعوبة للبقاء، مع بروز السينما والتلفزيون والكمبيوتر والانترنت وكل الوسائل الحديثة. فكل هذه التقنيات الجديدة تسحب مجالات كبيرة من تحت بساط المسرح، والتي كانت تعتبر من الحياة اليومية في المجتمع.

• هل على المسرح أن يبقى مستسلماً؟

- في المقابل يحاول أن يجد طريقه خارج المسرح الاتباعي المعتاد. فالمسرح الذي كان وسيلة التسلية الجماعية الوحيدة في المدن والعواصم قبل القرن التاسع عشر بدأ يضمحل، وقضية تصويره الحياة والواقع لا يمكن أن ينافس بها طريقة تصويرهما في السينما والتلفزيون. لذلك، لا بد أن أبحث عن درب جديد، علماً أن هناك دروباً، أولها أن يستفيد من كونه فناً يعيش اللحظة بشكل مباشر، أي لا يُسجل. وهذا الأمر لا يمكن أن يعيش إلا إذا كان متجذراً في الحياة اليومية فعلياً. وثانيا، لم يعد الممثل مؤدياً لدور مكتوب، إذ للتعبير المسرحي مكونات داخل الممثل الذي يعيش أمامنا اليوم. هناك شيء من الإنسان الذي يقف خلف الممثل عليه أن يعطي للتعبير المسرحي شيئاً جديداً، وهذا لم يكن موجوداً في المسرح.

• هل ما زال جمهور المسرح كما هو؟

- بالتأكيد لا، وهناك تراجع... ولكن تلك مشكلة ليست خاصة بالمسرح، بل لها علاقة بكل التراجع الحاصل في الحياة الثقافية الذي يؤدي إلى ابتعاد الفرد في المجتمع عن الكتاب والتاريخ والفلسفة والأدب والمسرح وكل ما يتطلب مجهوداً. إذ بات المتلقي يتلقف كل شيء عبر الكمبيوتر والسينما والتلفزيون من دون أن يجتهد ويذهب إلى المسرح ويلتقي مع الآخرين.

أضف إلى ذلك عملية تقسيم المجتمع إلى ملل وفئات وأحزاب التي أدت إلى انعدام اجتذاب الناس إلى الأماكن التي تجمعهم وتولّد النقاش في المدن باستثناء العامين الاخيرين اللذين تحدثت عنهما، واللذين شكلا عنصراً جديداً كلياً وسننتظر نتائجه في السنوات المقبلة.

• من يخدم الآخر أكثر، المسرح أو التاريخ؟

- المسرح عنصر من حيوية المجتمع. فالمجتمع قد يكون خاملاً ويحمل هموماً أخرى، والحيوية لم تكن موجودة دائماً في التاريخ... وتاريخ المسرح ما هو إلا محطات في أماكن وفترات معينة وليس فناً موجوداً دائماً في كل الأزمنة والأمكنة. وهذه المحطات تتجمع فيها شروط فكرية، اجتماعية، فنية وسياسية تجعل الناس بحاجة إلى تعبير جماعي ويحتكون بالحكايات والقصص والتشخيص ليروا أنفسهم ويطرحون الأسئلة الجماعية بشكل حاد. هذه الشروط ليست موجودة دائماً. لماذا يقولون مثلاً عن العصر العثماني إنه عصر الانحطاط؟ لأنه لم يعد هناك دور للفئات الشعبية في الفكر أو السياسة أو الأدب، وبات كل شيء متراجعاً وعلاقتها بالحيوية الفكرية خفّت. فالمسرح سيتأثر أكثر من غيره من الفنون. إذ يمكن للفرد أن يكون شاعراً أو موسيقياً أو رساماً، لكن المسرحي يجب أن يكون في إطار مجموعة ستلتقي بالجمهور.

• كونك عدت إلى الحديث عما يحصل في العامين الأخيرين، فقد اضطررت أنت خلالهما إلى إصدار ما يشبه البيان أوضحت فيه رأيك عما يحصل في سورية واستنكارك لما يحدث بحق الشعب السوري، كون التصنيف طاولك.

- الإجابات ليست موجودة حالياً، إذ نحن في زمن الأسئلة لأن الأمور لم تختمر بعد وما زالت طازجة. علينا ألا نتقبل الأحداث من دون أن نسأل لماذا يحدث ذلك. ثانياً، علينا إيجاد الشروط العملية كي يوصل طرح الأسئلة إلى مواقف عملية. ولهذا السبب ستكون المبادرة الأولى لدينا عبارة عن تنظيم ملتقى متواضع في مسرح «دوار الشمس» في أكتوبر ندعو إليه أناساً قاموا بمحاولات جنينية في الثورات العربية من مصر وتونس وفلسطين وسورية ولبنان ليلتقوا ويعيشون مع بعضهم البعض لمدة أسبوع. ومن يستطع أن يعرض شيئاً خلال هذه الفترة فليفعل، ومن لا يستطيع فليعرض وثائق ويخبر. وفي كل يوم ستكون هناك جلسات وندوات ونقاشات أو عروض. ونتيجة ما أسميناه «منصة المسرح العربي»، سنقيم ندوة عنوانها سيوضع من خلال الملتقى لتقديم اقتراحات عملية متواضعة لاستمرارية التبادل بين الأقطار العربية التي تعيش فترة مهمة جداً.

• نحن نقترب من نصف قرن من العطاء الإخراجي المسرحي (أولى التجارب الإخراجية كانت في العام 1964) وعاصرت خلال هذه الفترة ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها وما بينهما. كيف تختصر هذه المرحلة؟

- المنعطف لم يكن خلال الحرب اللبنانية، فهناك حروب دارت بدءاً منذ العام 1914. لكن المنعطف الحقيقي كان حين حصلت النكسة في العام 1967 وما حدث في العام 1968. فهناك ثلاثة أمور اجتمعت خلال هذين العامين وغيّرت علاقتي كلياً بالمسرح كما غيري، أولها النكسة التي أتت بمثابة صدمة كبيرة للمثقفين العرب كونها لم تكن منتظرة، وثانيها قيام المقاومة الفلسطينية في العام 1968 وبروز حالة جديدة في مجتمعنا جذبت كل اهتمامنا ونشاطنا. أما الثالثة، فكانت ثورة العام 1968 في العالم من أفكار جديدة مروراً بغيفارا وغيرهما. هذه العناصر الثلاثة اجتمعت في مرحلة ضيقة من الزمن لتغير كلياً بالنسبة إلينا الفلك الفكري والثقافي ومن هنا بدأت التجارب منها مسرح «الحكواتي» الذي لم ينشأ بين ليلة وضحاها، بل نتيجة تراكم تجارب ميدانية سياسية وتجارب مسرحية وإعادة نظر بالأفكار. لذلك، ليس صحيحاً أن الحرب اللبنانية كانت الفتيل الذي أشعل المسرح. فشخص مثل زياد الرحباني بدأ قبل الحرب وأنا أيضاً كنت في مرحلة محترف «بيت المسرح» ومن ثم مرحلة التجارب الجديدة داخل المخيمات الفلسطينية وداخل القرى في جنوب لبنان. ثم أتت الحرب وسمحت لهذه التجارب أن تكبر وتتوسع لأن مع الحرب الأهلية تولّد نوع من الفراغ نتيجة جلوس الموظف من دون عمل وانقطاع الأطفال عن المدارس وبات الناس يتقبلون التجارب بسهولة، بل أكثر من ذلك كانت تحفّز الفنان ليعمل.

• أين كانت مرحلة الإحباط؟

- في مرحلة التسعينات.

• لكن الحرب الأهلية انتهت في التسعينات!

- لم تنته الحرب، لكن لنقل بعد «اتفاق الطائف» ووقف المعارك الميدانية في لبنان. الحرب لم تنته، والدليل أنه ثلث البلد كان محتلاً في التسعينات من قبل إسرائيل ولم تتحرر الأراضي إلا في العام 2000. لماذا يغشون الناس بهكذا شعارات تتحدث عن انتهاء الحرب وأن بإمكاننا جمع الأموال لنشغّل البنوك؟ حتى بعد التحرير لم تنته الحرب، إذ استمرت الخلافات بين الطوائف والأحزاب، إضافة إلى الخلافات بالنسبة إلى فلسطين وسورية وأميركا والسعودية وإيران. فالحرب ليست بالسلاح فقط والسلام ليس بالمفاوضات. وأقول دائماً إنني أثناء ما يسمونها الحرب كنت أعيش بسلام. كنت في سلام مع نفسي أولاً ومع الآخرين.

• لأنك كنت تعرف أنها كانت حرباً معلنة وواضحة المعالم؟

- حين كنا نعمل، اكتشفنا أن الحرب موجودة على الأقل منذ العام 1914. وإذا درسنا التاريخ وذاكرة الناس، لن تجد عشر سنوات من تاريخنا من دون حروب ومن دون أحداث عنيفة... في العشرينات والثلاثينات والأربعينات وبعد الاستقلال ومن ثم ثورة العام 1958 وقبلها ما حدث من ثورات داخل مصر وسورية والعراق، وتلتها المقاومة الفلسطينية في الستينات والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي في العامين 1978 و1982 ومن بعدها اتفاق الطائف وتحرير الجنوب. وبعد ذلك اغتيال الحريري وانشقاق المجتمع. أطول فترة شهدت هدنة وليس سلاماً كانت بين العامين 1958 و1967، أي تسع سنوات ولم تصل إلى العشر.

• هل أنت مع مقولة إن ما يحدث من ثورات في العالم العربي «حدث معلّب»؟

- دعك من كلام التلفزيون والصحف. فلننظر أولاً إلى ما يحدث كعدد، ثانياً كامتداد زمني، لا يمكن أن تختلق أحداثاً على مدى سنة وأكثر. وثالثاً، كتعبيرات من يتكلم وبأي طريقة ولغة. لكن هذا لا يعني عدم وجود أشياء مدبرة، ولكن داخل إطار يتجاوز كل التدخلات.

• وما رأيك بمن امتطوا الثورات و«قطفوها» كما يقال بالعامية؟

- كل تاريخ البشرية كذلك وفي كل الثورات والحروب حدث ذلك. فبعد الحدث تأتي دائماً طبقة لتستفيد من الثورة أو الحرب لكي تتسلم مراكز القرار والمصالح.

• هل لغياب القائد دور في ذلك؟

- أحياناً القائد هو من يقوم بذلك. التاريخ ليس بسيطاً، فدائماً في الحرب هناك سلام والعكس صحيح. وفي الظلم هناك العدل ويوجد أناس ينشئون مكاناً معنوياً مستقلاً، فالشر موجود دائماً وفي كل مكان. أحياناً، السائد هو الظلم، وفي أحيان أخرى السائد العدل والتحرير ولكنه أمر نسبي. كل واحد يختار موقعه واتجاهه.

• هل ترى صورة النهاية واضحة أمامك؟

- نحن مازلنا في البداية.

• المقصود بالنهاية هنا الهدف...؟

- لا يمكنني أن أضع هدفاً، بل اتجاهاً وسبيلاً، فالهدف ليس في أيدينا وليس لنا. أنا لا هدف لي، بل أملك النية لأستمر في اتجاه معيّن وهو اكتشاف الإنسان في أجمل قيمه وعناصره، هذه الصورة للإنسان ليست ثابتة وعليّ أن أسير خلفها مهما كانت الظروف. فالبحث لا يتوقف في حال كانت هناك حرب أو لا. ما يحدث الآن، أن هناك معطيات جديدة بكل ما للكلمة من معنى. فأولاً، كلمة الهوية العربية عادت لتُطرح مجدداً بشكل جدي صحيح بعدما اختفت. هي ليست موجودة صحيح، لكنها تُطرح. فلسطين لعبت هذا الدور سابقاً لفترة طويلة وعبرها صارت هناك هوية عربية مطروحة ومحتملة. وما حصل في مصر وتونس وليبيا وسورية الآن هو إعادة للطرح المحتمل الذي قد لا نصل من خلاله إلى نتيجة متكاملة ومتماسكة. لكن هذه الحركة لن تتوقف، وكي نفهم هذا الشيء علينا أن نعود إلى التاريخ والثورة الفرنسية خير دليل. إذ انطلقت عن طريق تحرك شعبي بلا هدف وبشكل عفوي من قاعدة «طفح الكيل»، والنتيجة لم تأتِ إلا بعد تسعين عاماً حين عاد الملك والإمبراطور وعادت البرجوازية لتستلم الحكم. وفي كل مرة، يعود الشعب ليثور كل عشر سنوات لأنه تعلّم أنه يستطيع أن يتكلم وأن ينزل إلى الشارع من دون أن يأخذ شعاراته من الحزب. وهذا أمر جديد سيستمر ولن تستطيع أن تسحبه من الناس لأنهم اكتسبوه.

• هل هذا هو الطرح الوحيد الذي شهدته الثورات العربية؟

- بل هناك طرح مهم جداً، وهو موقع الدين الإسلامي في تاريخنا، وهو سؤال كبير لا يمكن أن تتجاهله وتقول أنا ضد أو مع، لأنه سؤال كبير وأساسي من تكوين المجتمع العربي، إذ الهوية العربية من دون إسلام غير موجودة. فكما حدث في الثورة الفرنسية، حاولوا أن يوجدوا هوية عقلانية وأسسوا نظاماً عقلانياً وغيروا أسماء الأشهُر، لكنها لم تنجح، لأنك لا تستطيع أن تقتلع بشكل مصطنع ثقافة ولغة ومعاني وقيماً لأنها موجودة. ومن هنا لا يمكنك أن تفعل ذلك في الحضارة العربية الإسلامية التي عليك أن تكتشفها وتحارب من يشوهوها.

هناك تشويه كما حصل تشويه للماركسية والدين المسيحي. وهذا شيء يجب أن نتفاعل معه من داخله وليس من خارجه.

• المعروف عنك أنك كنت مسيحياً واعتنقت الدين الإسلامي. وخلال مشاركتك في الفيلم الوثائقي «سحر الغائب» الذي بثته قناة «العربية»، تحدثت عن اختلاف طرأ على الدين الإسلامي... فما هو هذا الاختلاف؟

- ذاكرة المجتمع تبقى. كنت مسيحياً نعم، لكنني لم أكن طائفياً يوماً. ومازلت أذكر ما معنى تعبير «إنسان متدين» في خيال الناس، فهو الإنسان الذي يكون «كله طيبة قلب ومنفتحا وعادلا ولا يؤذي أحداً لأنه يخاف الله». إنها صورة جميلة. ولكن من حافظ على الدين الإسلامي وجعله باقياً وحياً في مجتمعنا؟ ليست القيادات ولا الحكومات التي تدّعي الإسلام ولا حتى الأحزاب. كم حاول ستالين أن يحارب الدين؟ لم يستطيع. المؤسسات الدينية تختلف عن الدين، هذا المعطى الشعبي العميق. هذا المعطى الذي يختلف عن السياسة في الطوائف الدينية، وعن خطابات المشايخ.

• هل تشكلت رؤية ثانية للدين عن الذي تعرفت عليه ودفعك إلى اعتناقه؟

- الدين موجود من مئات السنين ولم يطلب من أحد أن ينظمه و«يعيشه» لأنه عاش لوحده وبالفطرة. ألا يقولون إن الإسلام دين الفطرة؟ أين هي الفطرة؟ الدين هو العامل الذي يلغي كل الحواجز بين الإنسان والطبيعة والحيوان، وحتى بين الإنسان وذاته. إنه انفتاح على كل شيء.

هناك في الحضارة العربية الإسلامية مرحلة قوية وجميلة وتمنحك قوة، هي المرحلة الصوفية التي كان فيها الفكر حديثاً جداً وعصرياً ويلتقي فيها مع العلوم والفلسفة الحديثة. من هنا، فإن أكبر علة ونقص في مجتمعنا هي الثقافة ومنها الثقافة الدينية.

• وكيف ترى التجربة الإيرانية؟

- لا يمكنني الحديث عنها كثيراً، لكنها مثل كل شيء، بها أشياء عظيمة جداً، منها كيف استطاع الشعب أن يجد القوة من دون سلاح ليطيح بنظام كان من أقوى الأنظمة في العالم. وأتذكر انني كنت أقرأ مقالات قبل الثورة في الستينات، تظهر أن الغرب كانوا يعتبرون النظام الإيراني من الأقوى في العالم ويستندون إليها لتكون مثل إسرائيل موقع قوة للغرب. الثورة أعطت الشعب الإيراني أشياء كثيرة ومهمة، فتحرر وأرى أن المرأة الإيرانية تقدمت وتحررت من خلال الثورة الإسلامية. لكن ذلك لا يمنع أن نقول من جهة أخرى إن كل التعبيرات التي تستخدم القوة بالسلاح وبالسلطة حتى وإن كانت للخير فهي خطأ. فالظلم يأتي من اعتبار القوة المادية كعنصر أساسي في استقرار النظام الأخلاقي والنظام الديني. هذا أكبر خطأ في كل الثورات، أي أننا وصلنا إلى مكاسب للناس ويجب أن نحمي هذه المكاسب بالقوة... وحين نلجأ إلى تعبير «بالقوة» بالسلاح أو المال أو السلطة، فهذا يعني أننا عملنا ضد الثورة الحقيقية وضد إفساح المجال لتواصل الفكر مع القيم.

• وهل يُعتبر امتداد هذه القوى إلى خارج حدود البلاد «ضد»؟

- في الدين لا توجد حدود، فالمجتمع البشري عائلة واحدة. من حق الإنسان أن يتجاوز الحدود ليفعل الخير... لكن هل هو خير؟ هنا القصة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا