المختار... وظيفة ووجاهة


«مختار المخاتير»... حكاية لا تحتاج إلى «شرح كثير»

«الراي» جالت على أحياء بيروت و«نقّبت» في ذاكرتها عن «شيخ الصلح»
تتحوّل بيروت على بُعد أيام من الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري إلى «معرض صور».

على أعمدة النور صورٌ لمرشحين من مختلف التوجهات والاتجاهات، وبين المباني ترتفع لافتات تدعو لانتخاب «حبيب الناس» هذا المرشح أو ذاك.

وإذا كان الترشيح لعضوية ورئاسة المجلس البلدي الخاص بالعاصمة «عامٌ» لكل أحيائها، فإن الاستحقاق الاختياري أكثر خصوصية، حيث تختار محلات المدينة وأحياؤها مخاتيرها لسنوات ست.

ورغم أن الرياح السياسية غالباً ما تتحكم باتجاه «سفن» الأوراق الانتخابية في إبحارها نحو صناديق الاقتراع الخاصة بالبلدية، إلا أن المعرفة الشخصية التي تربط بين المختار وناخبيه في الأحياء البيروتية تظلّ أساس اختياره دون سواه. هذه المعرفة التي تتوثق في «سرّاء الأحياء وضرّائها»، تكرّس في كثير من الأحيان المختار مختاراً من قبل ناخبيه لدورات انتخابية متتالية، حتى انها تورث منصبه واللقب إلى ورثته من أبناء وأقارب، لتُكتب حكاية «مختار المخاتير» الذي ارتبط في الذاكرة الشعبية بـ «شيخ الصلح» وغالباً ما حضر على المسارح كما الشاشة، فترتسم له صورة اجتماعية تكاد ان تطغى على دوره الإداري الأساسي.

«الراي» جالت على أحياء بيروت التي لم يشغلها الحدث الانتخابي عن «روتين» أيامها والتقت عدداً من المخاتير الذين تحولت غالبية مكاتبهم إلى خلية عمل لماكيناتهم الانتخابية في رحلة ترشيح أخرى للحفاظ على العضوية «الاختيارية».

في الأشرفية، يتابع المختار أحمد سعيد بيضون مهامه كمختار للمحلّة. يستقبل بابتسامته المعهودة المواطنين، وينجز ما يطلبونه من طلبات إخراج القيد وأوراق جوازات السفر وتصديق الصور الشمسية. وفي موازاة ذلك يتابع الاستعدادات للانتخابات التي يجريها شقيقه التوأم، في ملئه لأسماء المندوبين في المراكز وعند صناديق الاقتراع.

ككثر من مخاتير بيروت، فإن بيضون مختار أباً عن جدّ، وقد مارس مهمات المختار بالوكالة منذ العام 1969 وحتى العام 1980، ليعيّن في ذاك العام مختاراً للأشرفية بموجب مرسوم، ثم يتم انتخابه بدءاً من العام 1998 وفي مختلف الدورات الانتخابية المتتالية مختاراً للمحلة.

يفاخر بيضون عند الحديث عن الانتخابات، فيعرض لـ «الراي» أرشيف الجداول التي تبيّن عدد الأصوات التي حاز عليها. فيقول مهلّلاً: «أحصد المرتبة الأولى في كل مرة، ومَن ينتخبونني هم من مختلف الطوائف في الأشرفية».

لا يحتاج بيضون الى دعاية انتخابية، فهو «أشهر من نار على علم» في الأشرفية عموماً وحي آل بيضون خصوصاً. وإذا كان العُرف أن يزور المرشح ناخبيه في منازلهم لكسب تأييدهم، فإن مكتب المختار بيضون يستقبل طوال الوقت المحبين الذين يحضرون لإلقاء التحية وإعلان تشجعيهم ودعمهم للمختار الأحبّ إليهم. فبيضون لا يقصّر مع «أهله وناسه»، وهو يشاركهم في أفراحهم وأتراحهم. ويروي في هذا الإطار حادثة لا ينساها حين تزامن عرس أحد أبناء المنطقة مع وفاة جاره، فذهب شقيقه التوأم إلى حفل الزفاف، وبقي هو إلى جانب جيرانه يواسيهم، حيث شارك بذلك في المناسبتين دون أن ينتبه أحد إلى أن مَن يقوم بواجب التهنئة شقيقه خالد وليس هو.

في المصيطبة، يجلس المختار محمد علي عانوتي في مكتبه القريب من منزل رئيس الحكومة تمام سلام، والذي ورثه كما المنصب «أباً عن جد»، ليمارس مهماته اليومية. هو مختار المحلّة، منذ ما يفوق توليه المنصب، فمرافقته لوالده منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره في موضوع «المخترة» علّمته صلاحياتها الإدارية ومتطلباتها الأخلاقية وأصولها الاجتماعية، فوالده كان في ذلك الحين شيخ الحارة و«المصلح» بين الناس، يحتكمون إليه في خلافاتهم ليصلح بينهم برجاحة العقل وطيّب الكلام، وهو يتابع على النهج نفسه، وأهالي المصيطبة يحترمون مكانته وينصتون إلى رأيه إذا دخل في «صلحة»، لذا يختارونه في كل دورة انتخابية مختاراً عن المحلة.

ويقول عانوتي الذي يزدحم مكتبه بأهالي المصيطبة خلال حديثه لـ «الراي»: «كما تعلمين، أنا مرشح للانتخابات، لكنني فائز بما يشبه التزكية»، ثم ينصرف إلى لائحته ليشير إلى «أنها تضم مرشحين من جميع الطوائف والأطياف السياسية والحزبية والدينية».

في الخارج يمرّ شباب وشيب يلقون التحية فيردّ عانوتي بصوت عالٍ محبب «حبيبي، حبيبي، أبو علي». وبيروت وإن كانت تضخمت لتصبح مقراً ومستقراً لأهالي القرى والمدن الأخرى، إلا أن المختار عانوتي يعرف أهالي المصيطبة جميعهم وهم يعرفونه جيداً. فيتساءل ممازحاً: «مين ما بيعرفني»؟ مستذكراً علاقته الطيبة مع البيارتة في هذه المحلة بالقول: «بيتي لا يخلو من الناس، لدرجة أننا ننزعج إن كان خالياً من الزوار»، مضيفاً بفرح: «في طريقي من المنزل حتى مكتبي أتبادل التحية مع مئات الأشخاص. وإذا سافرت ألتقي على الطائرة أناساً يعرفونني».

ويضيف: «علاوة على ذلك، أنا كمختار قديم، مرجعية لكل الأمور الصعبة، لقوى الأمن الداخلي ومخابرات الجيش وأمن الدولة فهم دائماً يسألونني».

بالنسبة للمصيطبة، فإن المختار عانوتي، الذي يعاونه ابن اخته المرشح بدوره للمخترة ويدير حملة اللائحة الانتخابية على «فايسبوك»، هو ذاكرة المنطقة. فهو يخبر عن أحداثها ورجالاتها وعاداتها، ويرجع إليه كل سائل عن تاريخ بيروت ككل والمصيطبة تحديداً.

أما في الطريق الجديدة فإن كل سائل عن مختار، يُرشده المارّة وأصحاب المحال التجارية إلى مكتب ناصر أحمد العرب ـ مختار محلة المزرعة. فالرجل الخمسيني ابن المنطقة، والجميع يعرفونه ويحبونه، والدليل على ذلك لافتة ضخمة ترتفع في الشارع داعمةً له في حملته الانتخابية.

العرب ورث منصبه عن عمه، بعدما أكسبته مرافقته له «خبرة» في أداء مهمات المخترة. وهو يفتح بيته لكل الناس ويقوم بدوره كمساعد قضائي وصلة وصل بين المواطنين والإدارات العامة. غير أن العرب يعتبر أن الدور الاجتماعي للمختار زال مع الوقت في مختلف المدن، فباتت مهمته كمصلح بين الناس محصورة بالقرى التي ما زالت تلجأ إلى المختار لحلّ المشاكل والخلافات.

ما تَقدّم لا ينفي أن المختار يعرف ناخبيه، وان ناخبيه يعرفونه. وتشهد على ذلك عشرات التحيات التي تلقى عليه من خارج المكتب، فيردّ عليها بصوت عالٍ «أهلاً أهلاً، كيف الحال»؟ وفي رأي العرب ان العلاقة مستمرة مع الناخبين وعمر التواصل فاق 22 عاماً، لذا فإن «ولايته» الاختيارية «ستطول ما دام الناس يحبونه ويحترمونه ويقبلون به مختاراً للمنطقة».

غير أن العرب لا يزمع توريث منصبه لأحد من أبنائه «فلهم حرية اختيار ما يشاؤون من تخصصات جامعية وأعمال، اللهم إلا أن أراد أحدهم أن يصبح مختاراً، فحينها سيلقى الدعم والتشجيع».

من وقت الحوار معه يستقطع المختار العرب وقتاً لتلبية طلبات الناس الذين يطلبون تارة إخراج قيد إفرادي وتارة أخرى إفادة سكن، فالأحاديث الصحافية بإمكانها الانتظار أما طلبات الناس فهي حق لهم وتلبيتها واجب على المختار.

بدوره يستقطع المختار محمود محمد البرجاوي وقتاً للرد على المتصلين. فالمواطنون يهاتفونه ويحضرون إلى مكتبه كما في كل يوم. وهو يستقبلهم بمحبة ويخدمهم بتفانٍ.

البرجاوي لم يرث لقب المختار عن أحد من عائلته، فهو لاعب سابق في نادي النجمة ومنتخب لبنان لكرة القدم، ومدرّب سابق لنادي الأنصار الرياضي، وهو يوزّع على جدران مكتبه صوراً لتاريخه في النادي ومقابلات صحافية أجرتها معه الصفحات الرياضية في الجرائد المحلية.

عن سبب دخوله «نادي» المخاتير، يلفت إلى أن شعبيته ومحبة الناس له كرياضي محترف كانتا سبباً أساسياً لذلك في العام 1998 بتشجيع من الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهذه المحبة هي التي تشجعه عند كل استحقاق على الترشح، كما في هذه الدورة حيث سيخوض المعركة الانتخابية للمرة الرابعة بعد أيام.

صحيح أن البرجاوي لم يكتسب خبرة سابقة للعمل الاختياري ولا سيما في النواحي الاجتماعية، إلا أن محبة الناس له مكّنته من لعب دوره كمصلح بين المتخاصمين وكـ «حلّال» للمشاكل بين أهالي منطقته لا سيما في الطريق الجديدة وتحديداً بين الفاكهاني وحي البرجاوي. ومكتبه وإن كان في منطقة الحمرا إلا أنه على تواصل دائم مع المواطنين في كل أنحاء المزرعة لا في بيروت فحسب، بل في أماكن إقامتهم خارج العاصمة في المدن والقرى.

وبلهجته البيروتية المحببة يتحدث البرجاوي (أبو طالب) عن أن ناخبيه من مختلف الطوائف، لافتاً إلى أنه «يخبر كل مَن يزوره في مكتبه عن تاريخه المرتبط بجانب منه بتاريخ بيروت بفريقيهْا العريقين لكرة القدم النجمة والأنصار».

في ختام حديثه يأبى المختار البرجاوي الكشف عن اسم مَن سيورثه المنصب، ويقول: «هناك من سأدعمه في حملته الانتخابية ليكون مختاراً من بعدي فأنا أزمع التقاعد بعد نهاية الولاية المقبلة، وهو سيكون من القريبين مني».

أما سمير الزعني، مختار المصيطبة، فيوزّع سيرته الذاتية على مَن يزوره في مكتبه بالقرب من مصرف لبنان المركزي. فهو يرى أن دعايته الانتخابية «منّي وفيّ»، رافعاً شعار «معاً... نحو الأفضل».

بلغة بيضاء أقرب إلى الفصحى يتحدث المختار الملقب بـ «الزعني الصغير» مع «الراي»، فهو المؤتمن على تراث عمر الزعني الشاعر اللبناني الشعبي. وهو بدوره كاتب وأديب وشاعر ومؤلف أغانٍ وقصص وله عدة مؤلفات وعضو في اتحاد الكتاب اللبناني.

يقول الزعني رداً على سؤالنا عن سبب اختياره ممارسة العمل الاختياري إلى جانب العمل الأدبي والثقافي: «وجدتُ أنهما لا ينفصلان عن بعضهما البعض، ولا سيما أن الشأن العام متجذر في عائلتنا»، معتبراً أن «العمل الاختياري فقد روحه ومعناه بعدما أخذ النائب دور المختار، وأخذ المختار دور السمسار».

وإذ يلفت إلى أنه ورث عمله الاختياري عن جدّه الأكبر الشيخ محمد الزعني الذي كان يُلقب في نهايات القرن التاسع عشر بـ «شيخ الحارة»، يؤكد «أننا دعاة ولسنا جباة»، مشيراً إلى أنه عاد في العام 1995 إلى «المخترة بعد انقطاع العائلة عن لعب هذا الدور لإكمال خطى جده».

ووسط انهماكه بممارسة مهماته كمختار، وانشغاله بالاستعداد للانتخابات التي باتت وشيكة، يتابع الزعني عمله الأدبي فيستقطع وقتاً كلما جاءه «الإلهام» بكلمات قصيدة ليكتب أبياتها، فلا تَضارُب في رأيه في المهمات بين كونه مختاراً وكاتباً.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا