فرانك لويد رايت


المعماريون الشعراء... رسامون وفنانون تشكيليون أحياناً

يشتركون بالحرص على العناية الفائقة بإطلالة مظهرهم الخارجي
  • 24 أغسطس 2017 12:00 ص
  • الكاتب:| بدر أبو رقبة العتيبي* |
  •  11
لمعت أسماء عربية سامقة... جمعت وبنجاح لافت بين هاتين الوظيفتين الإبداعيتين

تبدو القصيدة بنظر الكثيرين مثل بيتٍ فسيح بحاجة لتصميم معماري شعري محكم من خلال مطلعها ووسطها ونهايتها

كان لسطوع نجم مايكل أنجلو بمواهبه المتعددة في فترة سابقة دوره في تأصيل مثل هذه الظاهرة المزخرفة بالإبداع

للشاعر والمعماري السوري المقيم بالكويت جوزيف بشارة إسهامات شعرية بارزة
في البدء يقول الشاعر والمعماري الأميركي الراحل فرانك لويد رايت (1867م - 1959م):

- كل معماري عظيم... هو حتماً شاعر عظيم!

ثمة علاقة وطيدة تربط بجمالية دون شك بين فني الشعر والعمارة، وتعتمد بالمقام الأول على التصاقهما بالرسم والمنظور والتخيل الموسيقي اللحني وغيرها من مشتركات إبداعية أخرى، وفي التجارب الإنسانية الغابرة شواهد عديدة تدل على حضورٍ بهي لمثل هذه الظاهرة في حياتنا، وأقدمها ما رُسخ قديماً في ذاكرتنا الثقافية العربية الإسلامية كفسيفساء خاصة ما أطلق عليه لاحقاً بالشعر المعماري والمتمثل بتلك النقوش الموجودة على مداخل القصور الملكية والمباني الحكومية في مدينة غرناطة بالعصر الأندلسي، كما ذاع هناك صيت هاتين الموهبتين في شخص المعماري والشاعر أبي إسحاق الساحلي (1290م - 1346م) والمعروف بالطويجن واللتين أهلتاه بحظوة التقرب من إمبراطور مالي منسي موسى، والذي عهد إليه مهمة تصميم المساجد في بلاده آنذاك.

وكان لسطوع نجم الفنان الإيطالي مايكل أنجلو (1475 - 1564) بمواهبه المتعددة في فترةٍ سابقة دوره بتأصيل مثل هذه الظاهرة المزخرفة بالإبداع، والتي أضاف عليها مهارتي النحت والرسم، مثلما عُرفت بريطانيا بشاعريها المعماريين الآيرلندي بادريك غريغوري (1886م - 1962م) والويلزي جون جونز (1810 - 1869) والمعروف بلقبه تالهايارن نسبة إلى مدينته لانفير تالهايارن في مقاطعة ويلز في المملكة المتحدة حيث ولد.

ويحتل الشاعر والمعماري التركي جنكيز بكتاش المولود عام 1934 مكانته الفنية المتقدمة في بلاده والتي تعتمد بمجملها على صيغة المزاوجة الإبداعية بين الشعر والعمارة.

كما يكتب الشاعر والمعماري الهندي سيد محمود خوندميري (1938 - 2011) والمشهور باسمه المستعار طالب قصائده باللغة الأوردية.

ولمعت في الساحة الثقافية العربية أسماء سامقة... برزت كموزاييك جمالي في كونها جمعت وبنجاح لافت بين هاتين الوظيفتين الإبداعيتين وما تتطلبانه من حرفية ومهنية متسلحين بمهارات بارعة في تكوين واجهات المناظير الشعرية ومالئين الفراغات الأدبية بقصائد كن كتصاميم أيقونية شكلت بعضها ملامح الخطوط الخارجية لهذا الموضوع.

وتبدو القصيدة في نظر الكثيرين مثل بيتٍ فسيح بحاجة إلى تصميم معماري شعري محكم من خلال مطلعها ووسطها ونهايتها كما ورد بتراثنا الأدبي، وفي هذا السياق - يحضرني هنا - قول الشاعر نصير الدين الحمَّامي:

أبيات شعرك كالقصور

ولا قصور بها يعوق

ومـن العجائب لـفظـها

حــرٌ ومعناها رقيـق

ولك أن تعرف - عزيزي القارئ - حقيقة هنا، بأن المصريين ومن باب المديح يُسبغون لقب شاعر العمارة على أهم مهندس معماري في تاريخ بلادهم الحديث وهو الراحل حسن فتحي (1900 - 1989)، رغم أنه لم يكتب الشعر طوال مسيرة حياته اعترافاً بدوره الكبير كعرابٍ لهذا الفن الجميل. وتظل بصماته الإبداعية في هذا المجال خير شاهد على سر ديمومة الاحتفاء به منذ زمنٍ طويل، ولعل من أشهرها قرية (القرنة) والمعروفة بكونها وجهة سياحية مهمة في محافظة الأقصر.

مصر

وفي مصر أيضاً، عٌرِف المبدع الراحل علي محمود طه (1902 - 1949) بكونه شاعر ومعماري في آنٍ واحد، ولقد تخرج من كلية الفنون والصناعات التطبيقية عام 1924 كمساعد مهندسي معماري ليعمل في هندسة المباني بالقطاع الحكومي في المنصورة، مدينته التي ولد بها، وأُشتهر بلقب شاعر الجندول نسبة إلى ذيوع صيت قصيدته التي تحمل هذا الاسم، والتي غناها ولحنها الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب عام 1941. كما أصدر - من باب التدليل على طغيان التأثر بالبيئة المعمارية في كتاباته لا من باب حصر أعماله الشعرية - ديوان (غرب وشرق)، وله قصيدة تُسمى «غرفة الشاعر».

ولطالما تفننت الشاعرة فاطمة ناعوت والمولودة في القاهرة عام 1964، مراراً وتكراراً باستخدام المصطلحات المعمارية في بعض قصائدها من أجل إظهار زينتها الشعرية، والتي توجتها كعناوين بارزة لمجموعة من دواوينها مثل ديوانها الأول (نقرة إصبع) الصادر عام 2002، والتي تحاكي به أُسلوب استخدام برنامج الأوتوكاد الحاسوبي الشهير، والمُستخدم بالرسم الهندسي على نطاقٍ واسع عالمياً، والمعروف بأهميته القصوى للمعماريين والعاملين في حقول الهندسة المختلفة في كافة أرجاء المعمورة، مثلما طرقت الشاعرة ناعوت بإسهاب الأبعاد والأشكال الفنية الهندسية المعمارية في عنواني ديوانيها «على بعد سنتيمترٍ واحد من الأرض» و»قطاع طولي في الذاكرة» الصادرين في العام 2003، ويعزو هذا التأثير الواضح لحضور مثل هذه العناوين إلى كونها مهندسة معمارية بالدرجة الأولى، فلقد تخرجت من كلية الهندسة المعمارية بجامعة عين شمس في القاهرة عام 1987.

مثلما أصدر الشاعر عمر غراب وهو من مواليد عام 1951 في محافظة الجيزة خمسة دواوين، وشارك بنشر قصائده في صحف ومجلات ودوريات محلية وعربية.

العراق

وفي العراق، يبرز في دهاليز الذاكرة اسم الشاعر والمعماري الدكتور قحطان المدفعي والمولود في بغداد عام 1927، كواحدٍ من أهم الأسماء العربية الرائدة اليوم في حقلي الشعر والعمارة، وقد تخرج من كلية الهندسة المعمارية في ويلز البريطانية عام 1952، ثم تبعها بحصوله على شهادة الدكتوراة بذات التخصص ومن البلد نفسه هناك عام 1984، وله أربعة دواوين منشورة، كما ألف كتاب «فكر أبي نواس» الصادر عام 2015، والذي يقدم فيه قراءة جديدة لشعر أبي نواس محللاً قصائده بدراسة تسبر أغوار شخصيته المثيرة للجدل دوماً في تاريخ الأدب العربي، كما تميز المدفعي برسومات لوحاته القديمة والتي لم يسدل الستار عنها إلا أخيراً كفنان تشكيلي لاقت.

وعٌرِف الشاعر والمعماري الكردي خسرو الجاف والمولود بمحافظة السليمانية عام 1945 في إقليم كُردستان العراق، بنشاطاته الأدبية المتعددة الأخرى كروائي ورسام وفنان تشكيلي وباحث متخصص في الدراسات الشعرية التاريخية، وهو يعتمد على لغته الأم الكردية بالنشر، وحيث قدم كتابين مطبوعين عن الشاعرين عمر الخيام وجلال الدين الرومي، بالإضافة إلى كتاب عن الشاعر الكردي (وه لي ديوانه) الصادر عام 2011، ويشغل الجاف موقعه كسياسي اليوم بكونه عضوا في البرلمان العراقي هناك متميزاً بالحرص على إطلالة مظهره الأنيق دوماً.

اليمن

كان الشاعر والمعماري الراحل عبداللطيف الربيع وهو من مواليد محافظة إب اليمنية في 1946، قد حصل على بكالوريوس الهندسة في العمارة من إحدى الجامعات المجرية، كما أصدر ديوانيين شعريين في فترة سابقة قبل وفاته في 1993، وكان يمارس هوايته بالرسم أيضاً كفنان تشكيلي.

مثلما تعلم المهندس المعماري المقيم في الولايات المتحدة عبدالكريم نعمان والمولود في محافظة عدن عام 1958، الشعر على يدي والده الشاعر والوزير الراحل عبدالله عبدالوهاب نعمان الملقب بالفضول مؤلف النشيد الوطني اليمني، وهو - أي الشاعر الابن - كان قد أتم دراسته الأكاديمية في دولة الكويت حيث تخرج من كلية الهندسة في جامعتها عام 1981، وينشط حالياً وبشكلٍ ملحوظ بنشر قصائده في صحف ومجلات ودوريات عربية كما يشارك بأمسيات شعرية.

ويحرص الشاعر والمهندس المعماري محمود قحطان وهو من مواليد المملكة العربية السعودية عام 1977، على التواجد الدائم في قناته التلفزيونية الخاصة بموقع «اليوتيوب» والتي يقوم من خلالها بتعريف المختصين بالتصميم والإظهار المعماري ضمن سلسلة حلقات دراسية مستفيداً من خبرته العملية في المكاتب الاستشارية الهندسية في السعودية والتي ما زال يقيم بها منذ تخرجه من كلية الهندسة المعمارية من جامعة صنعاء عام 2003. وقد شارك في فترةٍ سابقة بالظهور متسابقاً في برنامج أمير الشعراء بدورته الأولى في قناة أبو ظبي الفضائية عام 2007، كما أن في جعبته الشعرية ثلاثة دواوين.

سورية

وفي السعودية أيضاً، يقيم الشاعر والمهندس المعماري السوري رضوان مسلماني، وينشر قصائده في صحف ومجلات ودوريات عربية.

كما أصدر الشاعر والمهندس المعماري السوري بسيم السباعي ديواناً شعرياً، وهو رسام وفنان تشكيلي من مواليد مدينة حمص 1959م في بلاده سورية.

وللشاعر والمعماري السوري المقيم في الكويت جوزيف بشارة والمولود في محافظة السويداء عام 1950، إسهامات شعرية بارزة ويكتب القصائد بين الفينة والأخرى ويحفظ بموسوعية الكثير من الشعر العربي القديم، وقد تخرج من قسم العمارة في كلية الهندسة - جامعة دمشق عام 1973.

فلسطين

مثلما يمارس وزير الثقاقة في حكومة الوفاق الفلسطينية الحالية الدكتور إيهاب ياسر بسيسو، وهو من مواليد مدينة غزة عام 1978 حرفته الأدبية بشغف والمتمثلة بكتابته للقصيدة، وهو بالمناسبة مهندس معماري تخرج من كلية متخصصة بالعمارة من إحدى جامعات بريطانيا المتخصصة بالعمارة التي درس بها، ثم اضطرلاستكمال دراسته العليا فيها بعد حين ليغير مسار تعليمه حاملاً شهادة الدكتوراة في الإعلام، وقد صدرت له حتى الآن خمسة دواوين شعرية.

السودان

يطفو على السطح اسم الشاعر والمعماري علي الضو محمد تاور الذي زاوج بين مهنتي الشعر والعمارة، ولقد كتب القصيدة وشارك بأمسيات شعرية منذ تخرجه كشاب يافع من قسم العمارة بإحدى كليات الهندسة في واحدة من جامعات السودان.

سلطنة عُمان

وفي سلطنة عمان، أصدر رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء الشاعر والمهندس المعماري سعيد الصقلاوي وهو من مواليد 1956، خمسة دواوين. وكان حصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية في جامعة الأزهر عام 1980.

كما خسر الشعر والعمارة معاً أخيراً واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، وهو الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل (1912 - 2014)، والذي كان جُل حلم حياته أن يكون مهندساً معمارياً يوماً ما، ولظروفٍ خاصة حالت دون تحقيق تلك الأمنية الغالية، ولذلك كان التأثير المعماري بما يحمله من أبعاد فنية طاغياً بلا شك في هندسة قصائده وشاعريتها طوال مسيرته الإبداعية الخالدة.

* كاتب كويتي

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا