محمد غني حكمت


ضوء / محمد غني حكمت ... تعيد الحياة إلى ساحات بغداد

بعد أشهر من رحيل «شيخ النحاتين» العرب منحوتات
  • 24 يناير 2012 12:00 ص
  •  36
| بغداد- من ميادة داوود |

ما ان أنهى النحات العراقي الاشهر محمد غني حكمت، صب أعماله البرونزية وتجهيزها معلنا بداية مرحلة تجهيزها للعرض في ساحات بغداد، **حتى داهمه المرض كما لم يفعل من قبل، ليرحل عن عالمنا قبل أربعة شهور خلت، تاركا خلفه ابداعا قل نظيره في العالم العربي.

لم يكن حكمت الذي ولد العام 1929 في بغداد، من عائلة مهتمة بالنحت والرسم، الا انه كان يقول «من المحتمل ان اكون نسخة اخرى لروح نحات سومري او بابلي او آشوري او عباسي كان يحب بلده».

بعد تخرجه في معهد الفنون الجميلة عام 1953، توجه الى روما التي اثرت بشكل كبير على عمله، كانت أوروبا حينها خارجة من الحرب العالمية الثانية مهدمة، ولا يسكنها الا اهلها، ويقول حكمت انه تعلم هناك «احترام الوقت واحترام الطين» وهما المادتان المهمتان في العمل الفني.

وفي الثمانينات استعانت به روما لنحت ثلاث بوابات خشبية لكنيسة تيستا دي ليبرا ليكون أول نحات عربي مسلم ينحت أبواب كنائس في العالم، كما أنجز احدى بوابات منظمة اليونسيف، وحين عصفت في العراق العام 2003 رياح السلب والنهب توجه الى الاردن بعد تلقيه دعوة للعمل على مشاريع لصالح امانة عمان.

لكن بغداد لم تفارق محمد غني حكمت الملقب بـ«شيخ النحاتين العرب» ليعود اليها بدعوة من امانة العاصمة التي تعاقدت معه بشكل استثنائي اواخر العام 2010 لتنفيذ أربعة تماثيل، وبمبلغ قارب الأربعة مليارات دينار عراقي.

ويقول الناطق باسم امانة بغداد حكيم عبد الزهرة لـ«الراي» في تعليقه على النشاط الدؤوب للفنان الراحل، إن «حركة محمد غني حكمت وفريقه كانت دؤوبة لانجاز العمل بالفترة المحددة، تنقل خلالها بين الموصل وعمان وبيروت».

النصب الأول الذي انتهى العمل به وتم تدشينه اواخر العام الماضي، أمام مبنى المسرح الوطني «وسط» بغداد، كان الفانوس السحري الذي لعب دورا اساسيا بقصص الف ليلة وليلة، ويضم نافورة مائية ونقوشا قديمة وحديثة، اما بقية الاعمال فستجد طريقها الى الساحات تباعا.

على رأس هذه الاعمال تمثال بغداد الذي يجري العمل على نصبه في ساحة الأندلس القريبة من مكان النصب الاول، اجاد النحات من خلاله تمثيل بغداد بفتاة جميلة شامخة تجلس على كرسي بالزي العربي القديم، فوق قاعدة يتجاوز طولها العشرة امتار نحت عليها كل الأشعار التي تمجد عاصمة بلاد الرافدين.

ويمثل النصب الثالث تمثالا لختم اسطواني على غرار الختم البابلي وكأنه يسقط، وهناك خمسة أياد بسواعدها تمسك بالختم وتحاول إسناده كي لا يقع، وهي رسالة نحتية اراد حكمت ان يوصلها لاي عراقي بأن ذراعك هو أحد هذه الأذرع التي تمسك بالختم رمز الحضارة لتحميه من السقوط، كما يقول المتحدث باسم امانة العاصمة.

فيما يمثل الرقم خمسة، تعددية الواقع القومي والديني في العراق، وقد كتب على الختم عبارة «من هنا بدأت الكتابة».

اما النصب الرابع والاخير«أشعار بغداد» فيمثل شكلا كرويا من الحروف العربية الاسلامية يتضمن بيتا شعريا معروفا عن بغداد للشاعر العراقي الراحل مصطفى جمال الدين وهو «بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ إلا ذوت و وريق عمرك اخضرُ»، وهو يطفو وسط نافورة مياه قرب مقهى البيروتي بجانب الكرخ الذي يمثل الطرف الشمالي لبغداد.

حكمت الذي فارق الحياة بعد اكثر من ستين عاما من عطاء تشهد عليه ساحات عمان والمنامة وروما وباريس وغيرها الكثير من العواصم، أنجز اعمالا شهيرة ببغداد في عهود سابقة، سلمت جميعها من الاذى خلال اعمال السلب والنهب التي رافقت دخول القوات المحتلة في مارس 2003، ومن اشهر اعماله في بغداد تماثيل الثنائي شهريار وشهرزاد والمتنبي وكهرمانة.

وفي لقاء سابق جمع «الراي» مع النحات الراحل، أكد ان سبب نجاة اعماله من النهب او الانتقام كان حياديتها، فلم يعمد يوما الى استخدام فنه لخدمة أغراض سياسية معينة او لتكريس حالة ما.

اللقاء الذي تم في مشغله بالعاصمة الاردنية عمان قبل سنوات، بدا فيه حكمت كرجل كهل يحمل روح شاب تعشق العمل وترفض الاستسلام للمرض، وحين سئل عن العمل الذي عجز عن انجازه، اجاب بحسرة انه «السندباد البحري».

كان الفنان الراحل يعتبر ان هناك هالة من سوء الحظ تحيط بتمثال السندباد البحري، فمنذ السبعينات وضع مشروعه، وكل مرة توافق الحكومة على انشائه، يحصل ما يعرقله، سواء كان حربا او اجتياحا او احتلال.

اما سبب عدم انجازه فكان حكمت يعتقد انه يعود الى قصة السندباد نفسه، فمثلما كانت لديه سبع رحلات في البحر، فقد قدر لتمثاله سبع رحلات حتى يستقر بالطريقة التي فكر بها النحات ووضع مخططها.

فالتمثال، كما خطط له الفنان البغدادي ينتصب وسط نهر دجلة بين المياه التي لطالما ابحر اليها السندباد وخاض مغامراته فيها، إذ قال الفنان التشكيلي «من شدة حبي لهذا المشروع اعتبره تحديا، وعندي ايمان قوي اني سأنجزه يوما ما».

لكن محمد غني حكمت الذي أغنى الحركة التشكيلة العراقية والنحت بشكل خاص بعطائه وفنه كرائد واستاذ وفنان مبدع رحل في سبتمبر2011، ومن دون ان يقدر له انجاز اصعب احلامه، عن عمر تجاوز الـ80 ابداعا، وحياة تجاوزت حدود احلام طفل فقير كانت هوايته اللعب بالطين على ضفاف دجلة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا