من الأمور النادرة أن أختلف مع الزميل محمد الوشيحي في الرأي، فعندما أقرأ لهذا الساخر الرائع أجده قد كتب ما يجول في خاطري وبطريقة ساخرة تكفينا، نحن ثقلاء الدم والطينة، عناء الكتابة، ولكني وجدت نفسي أختلف معه كثيراً وكثيراً جداً في مقاله الأخير الذي عنونه بـ«شيوخنا... آهين»، فبعد أن استعرض الزميل مصير الكويت ومصيرنا كشعب في ما لو أسندت رئاسة الحكومة إلى أي من التيارات السياسية الفاعلة على الساحة المحلية، ثم انتهى إلى رأي، يشاركه فيه كثيرون من دون شك، إلى أن «شيوخنا... أهون»، وهي النسخة الحديثة والمطورة من المقولة القديمة والشهيرة، «شيوخنا... أبخص»! ومثل هذا الطرح كان من الممكن تقبله من «شيبان» يتبادلون الحديث والنقاش السطحي عن مانشيت صحيفة صفراء وكأنه حقيقة مسلم بها في جلسة «عصير»! ولكن أن يخرج مثل هذا الرأي من شخص أعلم بشكل كبير مدى ثقافته وسعة أفقه واطلاعه على تجارب الآخرين، مثل أبو سلمان، فهنا يجب أن يضاء لون الإنذار الأحمر ونحدد الأسباب التي تقود بعض مثقفينا إلى اليأس من تياراتنا السياسية، والعودة إلى أدبيات عقودٍ مضت وانتهت!
الحديث عن أن شيوخنا أهون من الآخرين، أو أنهم أبخص من غيرهم، يجب أن يكون دائماً مبنياً على تاريخ من الإنجازات التي برع فيها هؤلاء الشيوخ دون غيرهم، حتى يمكن أن نتقبل مثل هذا الحديث اليوم، فتجاربنا الحديثة كلها مع الحكومات والوزارات والهيئات والإدارات التي تسلم زمام أمورها أبناء الأسرة تقودنا إلى حقيقة محزنة تقول بأن أداءهم على المستويين المهني والإداري لا يختلف عن أداء غيرهم، بل إنه وصل في بعض الوزارات والهيئات إلى ما هو أسوأ من أداء غيرهم من بقية أبناء الشعب الكويتي!
منذ التحرير وحتى اليوم، ووزارات السيادة تتزايد وتتوالد حتى أصبح وزراء السيادة أكثر من وزراء الشعب، والبلد لا يزال في تردٍ على جميع المستويات، بينما في الدول التي تحترم نفسها وتثق في قدرات أبنائها، يتم تطوير هذه القدرات والدفع بأبناء الشعب إلى الصفوف الأمامية لتسلم زمام الأمور!
شيوخنا، يا أبا سلمان، تسلموا الدفاع والداخلية والصحة والنفط والإعلام والرياضة والاقتصاد والبنك المركزي والمالية والشؤون والخارجية والتخطيط والمواصلات وغيرها من الجهات الحكومية، فأين وصلت هذه الوزارات؟ ولو لم نكن في وسط احتفالات الأعياد الوطنية والجميع فرح بذكرى الاستقلال والتحرير، لسطرت لك من الإخفاقات الكارثية ما يكفينا جميعاً عناء السؤال عن المتسبب في هذه الإخفاقات، ولكنها فرحة عيد ولا نريد نكء الجراح! وانظر اليوم إلى ما يمارسه أهل النفاق، في بعض وسائل الإعلام التي تقتات على المال العام أو أحد مستخرجاته وأشكاله التحويلية، من تصرفات تجعل النفس السوية تشمئز تحت مرأى ومسمع وتشجيع ودعم «بعض» شيوخنا، فهل هذا هو الأهون؟ وهل هؤلاء هم الأبخص؟ لا أعتقد.
الديموقراطية، يا أبا سلمان، خيار الأمم الحرة، ولا يمكن أن نستفيد من هذه الديموقراطية ما لم تكن دائرة الاختيار أوسع، وحصر اختيار الوزراء ورئيسهم في مجموعة صغيرة من الأفراد، لا يعني إلا أن يتم اختيار أفضل الأسوأ، بينما القاعدة العريضة تضم ما تضم من الخيارات الأفضل! وفي الديموقراطية الحقة أيضاً يكون الشعب هو الفيصل في ما بين الأحزاب المتنافسة من خلال صناديق الانتخاب وتتنافس الأحزاب على نيل رضى الناخب وكسب ثقته ليسلمها زمام الأمور التنفيذية والتشريعية في البلد، كما أنه ليس من الضروري أن يكون المسؤول منتمياً إلى تيار سياسي، وليس بالضرورة كذلك أن يكون المسؤول المنتمي إلى التيار السياسي سيئاً، فالمهم هو كيفية تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية والتنفيذية، والأهم من ذلك كله هو الرقابة الشعبية التي يتحكم فيها الشعب المرجع الأول والأخير! ولكن كيف يتسنى لنا ذلك، ونحن ننادي بتحديد المسؤوليات، حسب تفاصيل الحمض النووي والجينات الوراثية للشخص، ضاربين بالسيرة الذاتية والكفاءة الشخصية عرض الحائط؟
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]