الدلائل كلها، كما يبدو، من سير الأحداث وتصريحات مسؤولي الحكومة تدل على أن الحكومة سترضخ، كما توقعنا في مقال سابق لـ «طرارة التجار» التي تحوّلت إلى «ابتزاز» بدأته بعض الشركات بتسريح بعض موظفيها الكويتيين! كل شيء قابل للنقاش والتفاوض و«المكاسر» إلا صندوق التجار والشركات الاستثمارية، فهو الوحيد القابل للزيادة، فمن 300 مليون دينار إلى مليار ونصف المليار دينار، ثم أربعة مليارات، حسب خطة الجمعية الاقتصادية، إلى أن وصل إلى حدود الخمسة مليارات دينار، و«الخير بقبال»، كما يقولون، ولن ينتهي هذا الجشع الرأسمالي إلا بعد أن يعادل رأسمال هذا الصندوق قيمة الفائض المالي المتراكم لدى حكومة الرئيس ناصر المحمد!
الأسئلة التي يجب أن يجاوب عنها خبراؤنا الاقتصاديون ونوابنا الأكارم، ممن تبنوا حملة «أنقذ تاجراً مفلساً»، هي عن الخسائر التي ستعود على الاقتصاد الوطني، إذا ما أفلست هذه الشركات؟ وكم عدد المواطنين الذين يعملون «فعلياً» في هذه الشركات؟ وما هي كم تكلفة رواتب هؤلاء الموظفين مجتمعين لمدة عام أو عامين مقارنة بتكلفة هذا الصندوق؟ وما هي الإضافة الحقيقية التي كانت تقدمها هذه الشركات الورقية وشبه الورقية إلى الاقتصاد الوطني؟ وكم مصنعاً سيُغلق لو أفلست هذه الشركات؟ وكم عاطلاً عن العمل سوف يضاف إلى سوق العمل لو أغلقت هذه الشركات أبوابها اليوم؟ بالكويتي بالبسيط «خير يا طير إذا أفلست؟».
من يضرب الأمثلة على تدخل الحكومات الأوروبية والغربية لدعم الشركات المتعثرة في تلك الدول، فهو كمن يقارن البرتقال بالتفاح، كما يقول المثل الأميركي الشهير، فالشركات في تلك الدول شركات منتجة فعلياً وذات قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني هناك، تدفع الضرائب للحكومة، ويعمل فيها عدد غير قليل من مواطني تلك الدول الذين يدفعون، بالتالي، ضرائب على دخولهم وعلى غيرها من الخدمات التي تقدمها الحكومة، وإفلاس أي من تلك الشركات ستترتب عليه نتائج اقتصادية واجتماعية وأمنية خطيرة على تلك الدول، لذلك فدعم مثل هذه الشركات أمر حتمي وقرار سياسي واقتصادي واجتماعي صحيح وفي محله! لم يكن تدخل هذه الحكومات يوماً من أجل تحمل خسائر المستثمرين، خصوصاً إذا ما علمنا أن إفلاس الشركات في سوق الأوراق المالية هناك هو أمر اعتيادي ويحدث حتى في الظروف الاقتصادية العادية!
أما هنا، فهم يعملون من أجل أن يتحمل المال العام خسائر المستثمرين، كبيرهم قبل صغيرهم، فالدولة، في نظرهم، ملزمة برعاية التاجر من المهد إلى اللحد، أو بمعنى أدق وأصح، من البنك إلى البنك، حتى وإن تكبد خسائر نتيجة سوء إدارته! والحكومة في هذا البلد معنية بأجيال أصحاب الشركات المقبلة أكثر من عنايتها بأجيال بقية أبناء الشعب الآخرين، وهكذا هي دائماً «حكومات التجار»، ولا عزاء مرة أخرى للمواطن البسيط الذي انتخب نواباً لكي يخدموا غيره!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]