قانون العنف الأسري انتصار إنساني ... لا نسوي

No Image
تصغير
تكبير

يروي لي أحد الأصدقاء أنه في إحدى زياراته لدولة أوروبية، شاهد أسرة كويتية في مكان ما، فتفاجأ بموقف أثار استغرابه، وهو أن رب تلك الأسرة أمسك بذراع أحد أبنائه وراح يصرخ في وجهه بصوت عالٍ، فما كان من سيدة أوروبية إلّا أن تدخلت ونهته عن ذلك، وقالت: إن لم تتوقف فسوف أتصل بالشرطة، فرد عليها: إنه ابني وأنا حر، فقالت: قد تكون حراً في بلدك، ولكنك لست كذلك في أوروبا!
كثيراً ما نشهد في أماكننا العامة مثل تلك التصرفات، إلّا أننا لا نتدخل في أغلب الأحيان، وذلك إما أن يكون درءاً لشر المعتدي، أو لاعتبار الأمر من الأمور الخاصة بالأسرة التي يربأ كل شخص بنفسه التدخل في أمورهم الخاصة، ونادراً ما يتدخل الناس لحماية المعتدى عليه من العنف الأسري، مثل ذلك الرجل الشهم الذي استوقف أحد المعتدين الذي وضع ابنته في «دبة» السيارة كعقوبة لها، وانتشر هذا المقطع وحقق نمواً فائقا في الوعي الاجتماعي في مسألة وقف العنف الأسري. ثم تطوّر هذا الشعور المجتمعي حتى تبنى الموضوع مجاميع من المهتمين بحقوق الإنسان مشروعاً بقانون الحماية من العنف الأسري، لم يكن هذا الإنجاز إنجازاً نسوياً مثلما يصوره البعض ويعيبه البعض الآخر، باعتبار أن الفئة المستهدفة في العنف غالباً ما تكون من الفتيات والنساء، بل كان انتصاراً حقوقياً شاملاً لقيم الإنسانية العليا وللقيم القانونية التي تقوم عليها الدول المتحضرة، ومن أهمها ألّا تدير الدولة ظهرها للفئات الضعيفة مثلما كان يحصل في السابق، بعد أن تحوّلت مخافر الشرطة في أغلب الأحيان لعائق في طريق تسجيل قضايا العنف الأسري بحجة الحفاظ على كيان الأسرة، حتى أصبح اللجوء للمخفر وكأنه صك غفران للمعتدي وزجراً للشاكي المعتدى عليه، فكانت جذور المشاكل الأسرية لا تصل للسلطات العامة لاعتبارات واهية منها أنها أسرة ويجب الحفاظ على كيانها وظلت المشاكل الأسرية التي يتخللها - قسوة واعتداء حبيسة الجدران لا تصل في الغالب للسلطات وإن وصلت فإن السلطة تستبسطها إلى حد الإهمال حتى صارت قضايا القتل الأسري أكثر أنواع جرائم القتل انتشاراً بين الأزواج وبين الأبناء والآباء، ففي تلك الحالات كانت تنمو الشخصية العنيفة دون أن يكون لها رادع في جرائمها قليلة الخطورة حتى يصل الأمر لأن نفجع في الصباح بقضية قتل جديدة كنا نحن السبب فيها لأننا سكتنا حتى تمادى المتمادي وحلت الكارثة بأسر كثيرة.
لم يكن هناك إحصائيات دقيقة عن حالات العنف الأسري المسجلة لكن المجتمع تلمسها في أكثر من موضع منها جرائم القتل بين الأقارب والأزواج والصيحات التي استمرت فترة طويلة في وسائل التواصل الاجتماعي حيث إن الوضع وصل إلى حد يصعب معه التعامل بلا قانون خاص يوفّر أرضية صلبة لدعم المعنفين ومنها ما ابتكره القانون الجديد من إنشاء دور لإيواء المعنفين و(طلب الحماية) وهو مثل دعوى عدم التعرض وقد شرعها القانون وجعل لها صفة الاستعجال لنظرها أمام قاضي الأمور المستعجلة وأضفى الحماية الجزائية بعقوبات الحبس والغرامة.


لم يكن في القانون من عيب - حسب نظرنا المتواضع - سوى ما نصت عليه المادة التاسعة من القانون والتي جاء فيها: تحرك الدعوى الجزائية في جرائم العنف الأسري بناء على بلاغ من أي شخص أو جهة، ومع ذلك يجوز للمعتدى عليه أن يوقف سير الإجراءات في الدعوى في أي حالة كانت عليها قبل صدور الحكم. ولما كان المشرع قد استخدم مصطلح وقف سير الإجراءات في الدعوى وهو ذاته المستخدم في المادة 197 من قانون الجزاء والمعنية بجريمة الزنا، وكان من الأولى على المشرع ألّا يستخدم مصطلحاً كهذا لأنه في كل الأحوال مصطلح إجرائي ويتعارض مع ولاية القاضي على الدعوى حيث إن الإجراءات في الدعوى الجزائية تبدأ بانعقاد الخصومة القضائية بتوقيع تقرير الاتهام وينتهي بالحكم الذي يصدر من المحكمة المختصة ولا يعرف القانون آلية رفع الدعوى أو وقفها نهائياً دون أن يستنفذ القاضي ولايته في الدعوى وهو مسلك تشريعي كان يجب أن يستعاض بتطبيق التنازل وإعمال أثر البراءة، كما أن الوقف الذي يعرفه النظام القضائي الكويتي هو وقف موقت، وبالتالي إن القضاء بوقف السير بالدعوى الجزائية لا يستنفذ ولاية القاضي وعليه يجوز - من ناحية نظرية - طلب إعادة نظر الدعوى والرجوع عن وقفها وهذا ما لا يستحب في المسائل الجزائية خاصة في ما يخص استقرار المعاملات والأحكام وهي الغاية من كل قانون ومن كل قضاء.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي