لأن الحكومة لم تلجأ إلى القانون 21 /1979 في شأن الدفاع المدني واكتفت بقرارات وزارية

دستورياً... إجراءات الحظر في الكويت باطلة

فواز الجدعي:

الإجراءات لا تسعفها نصوص قوانين الأوبئة وكان لا بد من إعلان الأحكام العرفية

- عوامل جديدة غيرت من فكرة منحنى الخطر وعلى الحكومة إلغاء القيود

خالد الحربي:

المشكلة العملية  عدم وجود قضاء إداري مستعجل لنظر طلب وقف الحظر

- هناك طريق للمتضررين من الحظر بتبني القضاء الإداري نظرية المسؤولية دون خطأ لتعويضهم

محمد التميمي:

حظر الحقوق الدستورية يجب أن يتصف بالتأقيت ولا يُعلّق على مقولة «حتى إشعار آخر»

- استمرار الحظر والإغلاق الجزئي لبعض الأنشطة لم يعد يتمتع بشرعية

هشام الصالح:

القانون لا يعطي وزير الصحة حقّ فرض الحظر الجزئي على جميع المناطق

- كان يمكن للحكومة تطبيق قانون الدفاع المدني لوجود نص صريح بحظر التجول

رأى قانونيون أن قرار فرض حظر التجول الذي ما زال سارياً جزئياً، يعتبر باطلاً، لأنه يخالف المبدأ الدستوري الذي كفل للمواطن حرية التنقل، وفق المادتين 30 و31 من الدستور، وحق الاجتماع في نص المادة 44 منه، حيث عمدت الحكومة إلى إصدار قرارات وزارية لتطبيق الحظر، ولم تعمد إلى الطريق السليم في فرض تقييد الحركة، باللجوء إلى القانون 21 /‏‏‏1979 في شأن الدفاع المدني الذي يتضمن نصاً صريحاً لإمكانية تطبيق حظر التجول الجزئي.
وأكد محامون أن حظر الحقوق الدستورية يجب أن يتصف بالتأقيت ولا يعلق على مقولة «حتى إشعار آخر»، وأن استمرار الحظر والإغلاق الجزئي لبعض الأنشطة لم يعد يتمتع بشرعية توافرت في بداية أزمة جائحة كورونا، لا سيما أننا اليوم أمام عوامل جديدة غيرت من فكرة منحنى الخطر، مطالبين الحكومة بإلغاء القيود في أسرع وقت.
ورأوا أن القانون لا يعطي وزير الصحة حقّ فرض الحظر الجزئي على جميع مناطق الكويت، وكان يمكن للحكومة تطبيق قانون الدفاع المدني.
وتطرقوا إلى ما يمكن أن يلجأ إليه بعض المواطنين المتضررين، واعتبروا أن المشكلة العملية في الكويت تتمثل بعدم وجود قضاء إداري مستعجل لنظر طلب وقف الحظر، وإنما يجب رفع دعوى إلغاء أصلية متضمنة طلباً مستعجلاً بإيقاف القرار لحين الفصل في الدعوى.

القرارات والمشروعية
بداية، قال أستاذ القانون الاداري بجامعة الكويت الدكتور خالد الحربي ان القرارات الادارية تخضع لمبدأ المشروعية التي يحميها القضاء الإداري، مستدركاً بأن «المشكلة العملية أننا في الكويت ليس لدينا قضاء إداري مستعجل، ما ترتب عليه أن طالب إلغاء الحظر يتوجب عليه أن يرفع دعوى إلغاء أصلية متضمنة طلبه المستعجل بإيقاف القرار لحين الفصل في الدعوى، وأن المتضررين من الحظر الجزئي والمحال التجارية الموقوفة بقرار إداري، ليس لديهم وسيلة تمكنهم من التقاضي بشكل سريع إلا عن طريق دعوى الإلغاء، والتي تأخذ وقتاً طويلاً للفصل فيها، ولا يتبقى للمتضررين سوى رفع دعوى التعويض عما أصابهم من أضرار».
وأضاف الحربي أنه «في القوانين المقارنة، وفي فرنسا على وجه التحديد يقيم القانون هناك مسؤولية الدولة دون خطأ، فلو تم الاعتراف بحق الدولة بإصدار تلك القرارات التي رتبت أضراراً معينة، فإن الدولة تكون ملزمة بتعويض المتضرر حتى وإن لم تخطئ»، مشيراً إلى أن «هناك اتجاهين لحل المسألة، إما أن يبدأ القضاء الإداري الكويتي بتبني نظرية المسؤولية دون خطأ، وهذا سيكون اتجاهاً سليماً ومنفذاً للمتضررين أن يتقاضوا تعويضات من الدولة، ويندرج هذا كله تحت نظرية الاثراء بلا سبب، وهو ان الدولة أثرت من ناحية الحفاظ على شعبها وكيانها وهذا كله على حساب أصحاب المشاريع التي تضررت أعمالهم وتقلصت حريتهم بسبب تلك القرارات».

صلاحيات الوزير
من جانبه، قال أستاذ القانون العام بكلية القانون العالمية الدكتور هشام الصالح إن الحكومة ممثلة في وزارة الصحة، قررت اعلان الحظر الجزئي بموجب القرار الوزاري 65 /‏‏‏2020 المذيل بتوقيع وزير الصحة، والذي تم تعديل ساعاته ولا يزال سارياً حالياً من الساعة 9 مساء حتى 3 صباحا. واستند وزير الصحة الى البند 2 من المادة (15) والتي تخول وزير الصحة منع التجول في بعض المناطق للمدة اللازمة لإجراء التطعيم الإجباري العام للسكان أو غير ذلك من الإجراءات.
وقال الصالح «نعتقد أن النص السابق لا يعطي الحق لوزير الصحة بفرض الحظر الجزئي على جميع المناطق في الكويت ويرجع ذلك الى أن النص تحدث عّن (بعض ) وليس (كل المناطق) اما الحظر القائم حالياً فهو على جميع اقليم الكويت». وأضاف «قد يرى البعض ان التأسيس صحيح استنادا الى نفس القانون في فقرته (أو غير ذلك من الإجراءات) وهو قول على غير ذي سند سليم او صحيح، اذ انه خلاف صريح للنص ولو شاء المشرع امكانية اقامة الحظر الجزئي ليشمل جميع الكويت لنص عليه صراحة، ولكن المشرع وتحقيقاً للضمانات التي قدرها نص على بعض المناطق، والمشرع منزه عّن اللغو، كما ان ربط الحظر لغاية التطعيم فقط كما هو يقرر النص ذاته ولو شاء النص ليقرر امكانية قيام الوزير بحظر جزئي على جميع اقليم الكويت لنص على ذلك، عوضاً عّن تحديده لبعض المناطق وعن ربطه بغاية معينة».
وأضاف الصالح أنه «على ذلك كان على الحكومة أن تلجأ إلى المرسوم بالقانون 21 /‏‏‏1979 في شأن الدفاع المدني لوجود نص صريح لإمكانية تطبيق حظر التجول الجزئي، وعليه فإن إجراءات الحظر الحالية باطلة دستورياً، وانه يمكن تطبيق الحظر الجزئي في حالة تفعيل قانون الأحكام العرفية او قانون الدفاع المدني، وحينها تصدر قرارات من قائد الاحكام العرفية او من وزير الداخلية كل حسب الاحوال وفق الاجراءات وحيث ان قرارات الحظر الجزئي صادرة من وزير الصحة استناداً الى قانون 8 لسنة 1969 الخاص بالأمراض السارية فهو إجراء غير قانوني ومخالف للدستور».

الضرورة والملاءمة
بدوره، قال استاذ القانون الجزائي بجامعة الكويت الدكتور محمد التميمي ان «الإجراءات المتخذة تتنازعها خلال جائحة كورونا نوازع كثيرة على مستوى المبادئ الدستورية، فمن ناحية يعتبر الحق في التجول من الحقوق الدستورية السامية وفق نصوص المواد 30 و31 من الدستور، كما هو الحال في حق الاجتماع وفق نص المادة 44 من الدستور، وعلى صعيد آخر يقع على الدولة التزام دستوري في الوقاية من الأمراض والأوبئة وفق نص المادة 15 من الدستور، وهو ما تمت ترجمته من خلال تبني السلطة التنفيذية لسلسلة من الإجراءات الوقائية والاحترازية لمجابهة هذه الأزمة الصحية العالمية ذات الخطورة العالية، كإجراءات حظر التجول والتجمعات وإغلاق الكثير من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والدينية».
وأضاف التميمي «الحقيقة أن اتخاذ تلك الإجراءات يجب أن تتوافر بها شروط الضرورة والملاءمة والتناسب مع حجم الأزمة أو الكارثة، وهو فعلاً ما توافر في أزمة جائحة كورونا في بدايتها على المستوى الدولي، إلا أنه مع ظل غياب واضح لنهاية الأزمة، تبدأ تلك الإجراءات تأخذ بعداً آخر أكثر تشدداً في القبول، بحيث لا يمكن تعليق حظر تلك الحقوق الدستورية بحجة جهلنا بميعاد انتهاء الأزمة. فحظر الحقوق الدستورية كالحق في التنقل أو العمل أو ممارسة النشاط الاقتصادي، يجب أن يتصف بالتأقيت وألا يعلق على مقولة (حتى إشعار آخر) فالأزمة الصحية لم تعد مجهلة الحدود والملامح كما هو الحال في بدايتها».
ورأى التميمي أن «استمرار حظر التجول والإغلاق الجزئي والكامل لبعض الأنشطة لم يعد يتمتع بتلك الشرعية التي توافرت في بداية الأزمة الصحية وذلك لافتقارها لشروط الضرورة والملاءمة والتناسب في ظل سماح الدولة بالتواجد والتجول في كثير من المرافق العامة مع الالتزام بالاشتراطات الصحية. ولما كانت بعض الأنشطة المغلقة والمحظورة لا تقل أو تزيد خطورة عن بعض الأنشطة المجازة في الوقت الراهن، كما في التجول في الأسواق أو أداء العبادات في دور العبادة، لذلك نرى ان هذا الاستمرار في الإغلاق فاقد لمبدأ التناسب والملاءمة، علاوة على أن غياب الأفق الزمني المنهي لإجراءات الحظر الذي تمثل بعدم الالتزام بخطة المراحل الخمس المعلنة سابقاً يصم الموقف بعدم المشروعية».

الإلغاء دعوى مستحقة
من جهته، قال استاذ القانون الدستوري الدكتور فواز الجدعي إن «الاجراءات التي نعيشها الآن لا تسعفها نصوص قوانين الأوبئة، وقانون الدفاع المدني يجيز للحكومة إصدار قرارات تقيد حرية الناس بالتنقل أو فرض حظر جزئي أو كلي، وكان لابد من إعلان الأحكام العرفية»، مشيراً إلى أنه «قد يدعي البعض أن الاحكام العرفية فيها قيود أكثر من الوضع الراهن، ولكن هذا الادعاء على خلاف الحقيقة وهو أن الاحكام العرفية يجيزها البرلمان وتخضع لرقابة البرلمان كل ثلاثة أشهر».
وأضاف الجدعي أن «دعوى إلغاء القرار الخاصة بالحظر هي دعوى مستحقة، خصوصا أنها صادرة من مجلس الوزراء على خلاف السند الوارد في قانوني الاوبئة والدفاع المدني التي تخول وزيري الصحة والداخلية فقط إصدار قرارات من هذا النوع، وهذا من باب الجدل الموضوعي من اختلافنا وعدم تسليمنا بصحة تلك القرارات من ناحية المبدأ، وهو عدم وجود نص يسعف الحكومة لإصدار تلك القرارات. ومن الواجب أن يتبنى القضاء الإداري مبادئ خلاقة منها مسؤولية الدولة بلا خطأ والتي يتبناها القضاء الفرنسي، خصوصا أن الناس يعانون من أزمة حقيقية بدأت بوادرها بالظهور من خلال إغلاق العديد من المشاريع الصغيرة وتسريح العاملين في كثير من القطاعات الخاصة».
وذكر أن «جميع الإجراءات الحكومية كانت مبنية على تخفيض منحنى الخطر، كي لا تنشل المؤسسة الصحية بسيل الإصابات، وما تبين من أننا تجاوزنا هذه الفكرة، وأصبحنا اليوم أمام مشهد دولي جديد يحتم على الجهات الحكومية تغيير نمط التعامل مع الوباء، لأن الفكرة الأساسية التي بنيت عليها تلك القيود على الحريات باتت منتفية. وخلال الفترة الماضية زاد معدل الوعي والمسؤولية لدى الناس فمجرد إحساس أحدهم بالأعراض، فإنه يعزل نفسه تلقائياً ويبلغ عن ذلك. وعليه فإننا اليوم أمام عوامل جديدة غيرت من فكرة منحنى الخطر ويجب أن تبادر السلطات بإلغاء تلك القيود بأسرع وقت ممكن».
وختم الجدعي أنه يجب المبادرة برفع دعوى إلغاء أمام القضاء الإداري خصوصاً وأن القرارات المتعلقة بحظر التجول صادرة من مجلس الوزراء على خلاف قواعد الاختصاص التي تكون لوزيري الداخلية والصحة حسب الأحوال خصوصاً وأن قانون الأوبئة لا يخول وزير الصحة إصدار قرار بالحظر وإنما تحدث القانون عن عزل للمناطق الموبوءة عن المحيطات المتاخمة وشتان بين الأمرين.

إضاءات

«كورونا» أثبت أهمية  السلطة التشريعية

أفاد الدكتور خالد الحربي أن دراسة قانونية في شأن الجائحة بيّنت أهمية أن تقوم السلطة التشريعية بمسؤولياتها، وأن الحاصل تقييد جلسات المجلس خلال الفترة الماضية على عكس البرلمانات الأخرى في ايطاليا وفرنسا التي أجلت كل مشاريعها، واكتفت بجلسات خاصة لمواجهة جائحة كورونا، الأمر الذي يؤكد أن العمل النيابي وقت الأزمات ذو أهمية قصوى بالمقارنة من الأوقات العادية، وذلك لأن الكوارث والمحن تتطلب تصدياً تشريعاً. وأضاف «لا يكفي أن يُصدر البرلمان ثلاثة قوانين متعلقة بالجائحة، بل ان هناك قوانين أخرى يجب أن تُقر، وأهمها قانون تحمل الأعباء العامة في الكوارث والمحن، والذي يجب أن يترجم النص الدستوري إلى نصوص تطبيقية يتبناها المشرع، مثل ما حصل سابقاً عندما أصدر البرلمان قانوناً لتعويض أصحاب المزارع عن حالة الصقيع التي أدت لتلف المحاصيل الزراعية في العبدلي، وبالتالي أن المتضررين الذين يعانون من آثار الجائحة يجب أن يتبنى البرلمان قانوناً لتعويضهم».

حق التنقّل مكفول دستورياً

قال الدكتور هشام الصالح إن المشِّرع الدستوري كفل حرية التنقل صراحة في المادة (31) من الدستور التي تنص على أنه «لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون»، وبالتالي لا يجوز إهدار تلك الحرية إلا بنص صريح، حيث إن الدستور منح الإنسان الحق المطلق في الانتقال إلا في الأحوال التي ينص فيها القانون على ذلك، مثل منع التجول في ساعات معينة في ظل الأحكام العرفية لوجود نص صريح بذلك، أو لأسباب أمنية أو في حال وجود عمليات حربية أو غيرها، وفقا لقانون الدفاع المدني لوجود نص صريح يجيز مثل هذا الحظر في هذين القانونين فقط.

فرنسا نموذج للموازنة  بين الحرية والحظر

رأى الدكتور محمد التميمي أن «مجلس الدولة الفرنسي الذي أجاز الكثير من إجراءات الحظر والإغلاق في بداية الأزمة، عاد ووازن بين الحريات العامة التي تمثل الأساس والأصل وبين الحظر الذي يمثل الاستثناء، فبدأ مع شهر مايو بالسماح بعودة التجمعات الدينية والحق في التظاهر على سبيل المثال، عندما بدأت الأزمة تأخذ مساراً واضحاً في المعرفة والعلم ومحو التجهيل حولها من ناحية، ومن ناحية أخرى مع الإحاطة علما بإجراءات وطرق الوقاية الصحية والحيطة».

طبيعة الحياة لا توقفها الأوبئة

بيّن الدكتور فواز الجدعي أن «الإجراءات المستمرة من قبل الحكومة مبالغ فيها، وهي كل ما تملكه على الناس إلزامهم بالاشتراطات الصحية، وبالنهاية هذه طبيعة الحياة. ففي تاريخ الأوبئة في العالم لم تتوقف حركة الحياة من موانئ ومرافق وحركة تجارية مستمرة، وبالتالي فإن إيقاف قطاعات دون أخرى فيه تعدّ على الحريات، وذلك لأن عجلة الاقتصاد كل لا يتجزأ ويجب ألا توقف قطاعات وتُمنع أخرى ما يدخل القرارات الحكومية في دائرة التخبط وعدم الصحة».