السياسة الجزائية وليدة ستينيات القرن الماضي ولم تواكب تطور الأنظمة المقارنة التي هجرت سياسة المشرع المحلي

إعادة النظر في اقتصاديات القانون الجزائي الكويتي

u0645u062du0645u062f u0646u0627u0635u0631 u0627u0644u062au0645u064au0645u064a
محمد ناصر التميمي
تصغير
تكبير

نظريات القرن 21 ارتكزت على اقتصاديات العقوبة بنظام جزائي ناجز وفعال يحقق أغراض الردع العام والخاص

اقتصاد العقوبة يأخذ بالاعتبار عاملين أساسيين: تقليل التكلفة المالية على الدولة وإعادة دمج الجاني في المجتمع

تبنى المشرع الكويتي سياسة جزائية صارمة وحدية عكست قدمها وعدم فاعليتها

عقوبة الحبس الأصلية لبعض الجناة في الجرائم البسيطة والمتوسطة تعزز حالات العودة إليها

السياسة الجزائية للمشرع الكويتي ترهق ميزانية الدولة لارتفاع تكلفتها بالمبالغة في سن العقوبات السالبة للحرية

إعادة بناء اقتصاديات السياسة الجزائية تتطلب التخلي عن النفس الثأري في معالجة الانحرافات السلوكية

ضرورة التحرر من حصر الردع في عقوبات السجن والانطلاق من مبدأ تحقيق أعلى ربح بأقل خسارة 

السجين الواحد يكلّف نحو 200 دينار شهرياً ما يرفع الكلفة السنوية على الدولة إلى 9 ملايين

 

لا يقتصر مبدأ «تحقيق أكبر ربح بأقل الخسائر» على الجانب الاقتصادي، حيث إنه ليس حكراً على البيئة الاستثمارية، بل يجد دوره المحوري في السياسة الجزائية للمشرع الوطني في تبني سياسته العقابية في قانون الجزاء أو القوانين ذات الصلة.
وإسقاطاً لذلك المبدأ على النطاق الجزائي فإن الأرباح تتمثل في تحقيق أقصى فائدة تجنى من العقوبة الجزائية، وهو ما تترجمه الفلسفة التقليدية للعقوبة بالردع العام والردع الخاص، وهو ما يتبناه المشرع الكويتي في فلسفته التقليدية لأغراض العقوبة. إلا أن تلك السياسة الجزائية وليدة ستينات القرن الماضي، ولم تواكب التطور الكبير الذي تبنته الأنظمة الجزائية المقارنة والتي هجرت معظم السياسة التي يتبناها المشرع الكويتي إيماناً منها بعدم جدواها الاجتماعي والاقتصادي على حدٍ سواء واستعاضت بأفكار ونظريات القرن الواحد والعشرين والتي ارتكزت على اعتبارات عديدة منها اقتصاديات العقوبة عبر إيجاد نظام جزائي ناجز وفعال يحقق ما للعقوبة من أغراض كالردع العام والخاص كما يأخذ بالاعتبار عاملين أساسيين: تقليل التكلفة المالية على الدولة من خلال تطبيق تلك العقوبات والعمل على إعادة دمج الجاني في المجتمع.

رثاثة السياسة الجزائية العامة
للمشرع الكويتي:
منذ إصدار قانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960 وقانون 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكامه بالإضافة للتعديلات اللاحقة عليه سواء في قواعده العامة أم الخاصة تبنى المشرع الكويتي سياسة جزائية صارمة وحدية تشكل في مجملها قدم تلك السياسة وعدم فاعليتها وهو ما يستجلي على الأوجه التالية:
1- فيما يتعلق بالعقوبات لا يعترف القانون الجزائي الكويتي إلا بالعقوبات التقليدية (إعدام – حبس – غرامة) وفق الباب الثالث من الكتاب الأول من قانون الجزاء في قواعده العامة، وكذلك الحال بالنسبة للقوانين الجزائية الخاصة ذات الصلة بشكل عام. ولم يستحدث المشرع الكويتي – حتى مع حداثة التشريعات المقارنة – عقوباته الأصلية عبر إيجاد طائفة من العقوبات المستحدثة كالخدمة الاجتماعية أو المصادرة كعقوبة أصلية أو حظر الارتياد أو الاقتراب أو حظر ممارسة بعض الأنشطة أو الخضوع للدورات والعلاجات التأهيلية أو إصلاح الأضرار كعقوبة وليس كتعويض مدني أو الخضوع لنظام الرقابة القضائية.
2- على النقيض من النقطة السابقة تبنى المشرع الكويتي أنظمة الامتناع عن النطق بالعقاب ووقف تنفيذ العقوبة متى ما استبان للقاضي من أخلاق المتهم أو ماضيه أو سنه أو من تفاهة الجريمة أنه لن يعود للإجرام وهو ما يشكل أيضا معالجة حدية هي الأخرى بحيث يكون المشرع الكويتي قد قدم معالجات متطرفة إما بالعقوبة بالإعدام والحبس والغرامة أو بالإعفاء من تنفيذها كليةً دون إيجاد مناطق وسطى يأخذ معها القاضي أريحيته في تحقيق أقصى منفعة للمجتمع مع الأخذ بالاعتبار حسن إعادة دمج الجاني في المجتمع ذاته.
3- انخفاض نصاب الجنايات: حيث يعتبر قانون الجزاء الكويتي أن العقوبات التي تزيد مدتها على ثلاث سنوات هي في عداد الجنايات وهو نصاب منخفض نسبيا، بالنظر إلى كمية الجرائم التي يعاقب عليها القانون بأكثر من ثلاث سنوات والتي تعتبر مرتفعة نسبيا سواء في بعض الجرائم الواقعة على الأفراد أو الجرائم الجنسية أو جرائم المخدرات أو الأموال العامة أو غسل الأموال أو الجرائم الماسة بالوحدة الوطنية والتزوير والتزييف وغيرها. وتكمن إشكالية انخفاض نصاب الجنايات في العقوبات التبعية والتكميلية التي تطبق على المحكوم عليه بعد استيفاء محكوميته وهو ما يشكل الوجه الآخر من سوء المعالجة العقابية على رأسها الحرمان من تولي الوظائف العامة.
4- تشدد المشرع الكويتي في مدد رد الاعتبار والذي يعتبر في حقيقته عقوبة أخرى تضاف للمحكوم عليه، تبدأ بمجرد انتهاء تنفيذ عقوبته الأصلية والتي يترتب عليها حرمان المحكوم عليه من جملة حقوق أساسية، كالحق في تولي الوظيفة العامة أو العمل كمتعهد أو كملتزم لحساب الدولة أو ممارسة مهنة أو حرفة، وهو ما أوقع الدولة في تناقضات من شأنها تحقيق الإفقار كما سنبين لاحقا.
5- نظام استبدال العمل لمصلحة الحكومة بالحبس الوارد في نص المادة 235 لا يشكل مخرجا سليما للسياسة الجزائية العامة، وذلك لأنها مسألة لاحقة على صدور الحكم بالحبس، كما أنه محدود بنصاب متدنٍ جدا للعقوبة المنطوق بها وهي الحبس البسيط الذي لا يجاوز ستة أشهر.

إشكالية الاقتصاديات
الأثر السلبي للسياسة الجزائية للمشرع الكويتي: يتصف المشرع الجزائي الكويتي بالهوس في سن العقوبات المقيدة للحرية وهو ما جبل عليه حتى مع التشريعات الحديثة وفي الجرائم ذات الجسامة المتدنية إلى المتوسطة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جرائم تقنية المعلومات والسب والقذف وجرائم الاعتداءات البسيطة وبعض جرائم الأموال ذات الجسامة المتدنية وجرائم التحريض إلخ. إلا أنه يغفل عن المشرع الكويتي أن مفاهيم العقوبة وأغراضها قد شهدت تطورا كبيرا في الفقه الجزائي والأنظمة المقارنة، وأخصها تحديد العقوبة وفق أهداف إعادة تأهيل الجناة وإدماجهم في المجتمع، لأن الجاني – بخلاف المحكوم عليه بالإعدام – مصيره العودة لأحضان المجتمع عاجلا أم آجلا. وبناء عليه فإن الأثر السلبي للمعالجة العقابية للمشرع الكويتي تكمن في زاويتين:
الأثر الاجتماعي: إن تقرير عقوبة الحبس باعتبارها العقوبة الأصلية لانحراف بعض الجناة في الجرائم البسيطة إلى المتوسطة من شأنه أن يعزز حالات العود – وهي حالة ارتكاب المحكوم عليه بعد تنفيذ عقوبته لجريمة أخرى – حيث إن المؤسسات العقابية تعد أفضل بيئة لتبادل الخبرات الإجرامية حتى مع تطبيق سياسة الفرز والعزل في السجون، وذلك لتواجد قنوات اتصال مشتركة ولو جزئيا بين السجناء طوال فترة محكوميتهم من شأنها تعزيز تبادل الخبرات الإجرامية والتي يستغلها المحكوم عليه للاستفادة من أخطاء غيره من الجناة فيتجاوزها في حالة العود عبر ارتكاب جرائم أكثر جسامة ودقة من سابقاتها.
يضاف إلى ذلك جسامة أثر العقوبات التبعية والتكميلية المتعلقة بالحرمان من تولي الوظيفة العامة أو الحق في مزاولة بعض المهن والحرف، من شأنه تضخيم الخطورة الإجرامية للمحكوم عليه بعد استيفاء محكوميته، وذلك بسبب حرمانه أو على الأقل تعقيد حصوله على العمل وبناء حياته من جديد.
الأثر الاقتصادي: ترهق السياسة الجزائية للمشرع الكويتي ميزانية الدولة العامة وذلك لارتفاع تكلفتها حيث إن المبالغة في سن العقوبات السالبة للحرية من شأنها زيادة الأعباء على ميزانية الدولة في توفير المؤسسات العقابية الملائمة لعدد المحكوم عليهم من جهة، ومن جهة أخرى تكفل الدولة بالسجين طوال فترة محكوميته من غذاء وتطبب وكساء وبقية المستلزمات الضرورية وهو ما يضيف لأعباء الدولة القدر الجسيم من التكاليف. علاوة على ما تشكله السجون من بيئة مناسبة وسلسة لانتقال الأمراض والأوبئة. ويقدر متوسط تكلفة السجين الواحد بين 100 و200 دينار كويتي شهريا على أقل تقدير، ويحتوي السجن المركزي على ما يقارب 4000 سجين وهو ما يكلف الدولة ما بين 400.000 و800.000 ألف دينار شهريا أي ما يعادل ما بين خمس إلى تسع ملايين دينار سنويا.

نحو معالجة اقتصادية للسياسة الجزائية العامة للمشرع الكويتي:
إن إعادة بناء اقتصاديات السياسة الجزائية العامة لقانون الجزاء الكويتي تتطلب أولا التخلي عن النفس الثأري في معالجة كافة الانحرافات السلوكية، كما ينبغي التحرر من فكرة حصر الردع والزجر في العقوبات السالبة للحرية، والانطلاق من مبدأ تحقيق أعلى ربح بأقل خسارة وهو ما يتطلب الاستهداء بالاعتبارات التالية:
1- إعادة النظر في أهداف العقوبة واستحداث نصوص جزائية حاكمة للعقوبة، وموجهة للقاضي في استهداف إعادة تأهيل الجاني وإدماجه بالمجتمع واستشعاره بالمسؤولية كمبادئ حاكمة للعقوبة التي سينطق بها القاضي، وهو ما تبنته العديد من الأنظمة المقارنة (المادة 1-130 من قانون الجزاء الفرنسي، والمادة 41 من قانون الجزاء البرتغالي والمادة 9 من قانون العقوبات الأسترالي).
2- استحداث طائفة العقوبات البديلة عن عقوبة الحبس ومنح القاضي مجالاً أوسعا في تطبيق أكثر من عقوبة بديلة من أجل تحقيق أهداف العقوبة العامة والخاصة. والعقوبات البديلة لا تصنف باعتبارها عقوبات تبعية أو تكميلية بل هي عقوبات أصلية تحل محل الحبس ويستهدف المشرع، من خلالها خفض النفقات العامة وزيادة الإيرادات ومنها: الإقامة الجبرية من خلال السوار الإلكتروني، الخدمة الاجتماعية، الحرمان من بعض الحقوق المدنية أو السياسية، شراء المحكومية وهو نظام يعهد من خلاله للمحكوم عليه بإمكانية دفع مبلغ معين يحدده القاضي بناء على الملاءة المالية للمحكوم عليه عن كل يوم حبس ينطق به القاضي، بحيث ينحصر ذلك النظام في العقوبات التي لا تجاوز سنة على سبيل المثال، حظر الارتياد أو حظر الأنشطة، الرقابة القضائية، الخضوع للعلاجات التأهيلية أو الطبية. وتتميز تلك العقوبات بأنها تمنع الجاني من مخالطة السجناء أو الانخراط في بيئات المؤسسات العقابية، مما يحول دون ازدياد خطورته الإجرامية والعودة إلى الإجرام مرة أخرى بالإضافة إلى تعزيز الإحساس بالمسؤولية عبر إيجاد عقوبات رادعة وفي ذات الوقت تغمسه في الشعور الاجتماعي العام. ويجب ألا تكون العقوبات البديلة وسيلة لاستحداث عقوبات مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية. ويستطيع المشرع تقرير عقوبة الحبس لمن لا يلتزم بتطبيق العقوبات البديلة، وذلك بعد عرض جهة الادعاء الأمر على القاضي مصدر العقوبات البديلة.
3- رفع نصاب الجنح إلى 7 سنوات بالتعاضد مع جعل عقوبة الحبس في الجنح عقوبة ثانوية لا يلجأ لها القاضي، إلا إذا تبين عدم جدوى العقوبات البديلة في تحقيق أغراضها العامة من ردع عام وخاص، وإعادة تأهيل الجاني، وهو ما يتطلب تسبيبا جديا يقف على أسباب اللجوء لعقوبة الحبس. وهو ما فعله المشرع الفرنسي في نص المادة 19-132 من قانون الجزاء الذي اعتبر أن الحبس في الجنح ليس إلا عقوبة ثانوية والتي يلزم فيها القاضي بتبرير اختياره لتلك العقوبة في الحكم.
4- إعادة صياغة القواعد المنظمة للصلح الواردة في قانون الإجراءات الجزائية، بحيث يكون الأصل جواز الصلح مع المجني عليه في كافة الجرائم، ما لم يحظر المشرع بنص خاص طوائف معينة لا يجوز فيها الصلح كليةً أو أن يتطلب موافقة المحكمة.
5- العمل على إبرام اتفاقيات التعاون القضائي مع الدول الأخرى في شأن تنفيذ العقوبات الصادرة من المحاكم الكويتية على الأجانب في بلدانهم، بدلا من تنفيذها في الكويت الأمر الذي يقلل من التكاليف العامة على المؤسسات العقابية.

* عضو هيئة تدريس كلية الحقوق في جامعة الكويت

مظاهر السياسة الجزائية الصارمة للمشرع الكويتي

1 - لا يعترف قانون الجزاء إلا بالعقوبات التقليدية (إعدام – حبس – غرامة) ولم يستحدث المشرع طائفة من العقوبات المستحدثة كالخدمة الاجتماعية أو المصادرة أو حظر الارتياد وممارسة بعض الأنشطة.
2 - «الامتناع عن النطق بالعقاب» معالجة حدية أخرى يبدو فيها المشرع بين معالجات متطرفة بالإعدام والحبس والغرامة أو بالإعفاء من تنفيذها كليةً دون إيجاد مناطق وسطى.
3 - انخفاض نصاب الجنايات حيث يعتبر قانون الجزاء العقوبات التي تزيد مدتها على ثلاث سنوات في عداد الجنايات وهو نصاب منخفض بالنظر لكمية الجرائم التي يعاقب عليها القانون بأكثر من ذلك.
4 - التشدد في مدد رد الاعتبار وهو في حقيقته عقوبة أخرى تضاف للمحكوم عليه تبدأ بمجرد انتهاء تنفيذ عقوبته الأصلية ويترتب عليها حرمانه من جملة حقوق أساسية.
5 - نظام استبدال العمل لمصلحة الحكومة بالحبس لا يشكل مخرجاً سليماً للسياسة الجزائية العامة لأنها مسألة لاحقة على صدور الحكم بالحبس ومحدود بنصاب متدنٍ جداً للعقوبة.

منطلقات بناء اقتصاديات السياسة الجزائية

1 - إعادة النظر في أهداف العقوبة واستحداث نصوص جزائية حاكمة للعقوبة تستهدف إعادة تأهيل الجاني وإدماجه بالمجتمع.
2 - استحداث عقوبات بديلة عن الحبس ومنح القاضي مجالا أوسع في تطبيق أكثر من عقوبة بديلة من أجل تحقيق أهداف العقوبتين العامة والخاصة.
3 - رفع نصاب الجنح إلى 7 سنوات بالتعاضد مع جعل عقوبة الحبس في الجنح عقوبة ثانوية لا يلجأ لها القاضي إلا إذا تبين عدم جدوى العقوبات البديلة.
4 - إعادة صياغة قواعد الصلح ليكون الأصل جواز الصلح في كافة الجرائم ما لم يحظر المشرع طوائف معينة لا يجوز فيها الصلح.
5 - إبرام اتفاقيات التعاون القضائي مع الدول لتنفيذ عقوبات الأجانب في بلدانهم بدلا من تنفيذها في الكويت.

العقوبة وما بعدها

السجن عقوبة وليس إصلاحاً

السجون في حقيقتها مؤسسات عقابية وليست إصلاحية في المقام الأول – حيث إن الإصلاح يقبع خارج أسوار السجن وليس داخله – فإن هامش زيادة الخطورة الإجرامية للمحكوم عليه في الجرائم ذات الجسامة البسيطة إلى المتدنية يعلو بالمقارنة مع تنفيذ العقوبات البديلة عن سلب الحرية. وهو ما قدمه مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، من دراسات علمية تشير إلى عدم فاعلية العقوبات السالبة للحرية في مكافحة الجريمة أو التقليل من حالات العود، بل على العكس من ذلك، حيث إن العقوبات السالبة للحرية تصعب من عملية إعادة تأهيل المحكوم عليه وإعادة إدماجه في المجتمع الأمر الذي يزيد بالضرورة من خطورته الإجرامية بعد انتهاء تنفيذ العقوبة. كما أن المحكوم عليه لا تزيد خطورته الإجرامية، عندما ينفذ عقوبته في أوساط المجتمع، على عكس من الخارج من السجن الذي تنفس الحرية بعد طول انقطاع حيث إن احتمالية عودته للإجرام أكبر من غيره.

أثر العقوبات التبعية والتكميلية

هناك جانب آخر في عقوبة السجن يمثل وجه التناقض والمفارقة الغريبة في السياسة الجزائية الكويتية، هو أثر العقوبات التبعية والتكميلية المتعلقة بالحرمان من تولي الوظائف العامة والمهن والحرف، حيث إن المشرع الكويتي يحرم المحكوم عليه من تولي الوظائف العامة حتى مع لياقته الصحية، وذلك كعقوبة تبعية أو تكميلية تطبق عليه بعد خروجه من السجن، في حين أنها تقدم له في ذات الوقت الإعانة الاجتماعية وفق مرسوم بالقانون رقم 22 لسنة 1978 في شأن المساعدات العامة ومرسوم رقم 23 لسنة 2013 بشأن تقدير وربط المساعدات العامة باعتباره من المستحقين للإعانة.
ففي هذه الحالة لم تكتف الدولة بالتكفل بالمحكوم عليه أثناء سجنه بل حرمته من حق العمل بعد خروجه من السجن لتتكفل هي ذاتها بالإنفاق عليه حتى يرد إليه اعتباره، وهي فترة تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات حسب الجريمة المحكوم عليه بها، ولنا أن نتخيل حجم الإفقار الذي تتعرض له الدولة نتيجة تلك السياسة. حيث كان من الأجدر على الدولة الاستغناء عن تلك العقوبات التبعية – باعتبارها من القواعد العامة فقط – ومنحه الحق في العمل، وتولي الوظائف العامة كوسيلة لإعادة دمجه في المجتمع أولا وللتخفيف من الأعباء العامة ثانيا.

حقوق المحامي تحت التمرين

| محمد جاسم دشتي |

الأحلام التي يرسمها طالب الحقوق في مخيلته، عن مرحلة ما بعد الدراسة المجهدة في كلية الحقوق، هي أحلام وردية تصطدم تلك الأحلام بأول يوم يتلو يوم تسلم الشهادة الجامعية، يبدأ كغيره من حملة المؤهلات الجامعية بالبحث عن وظيفة، ثم يطرق كل الأبواب المفتوحة والمغلقة لإيجاد الوظيفة المناسبة، ثم لا يجد مناصاً من القيد في جمعية المحامين للعمل كمحامٍ متدرب، فتبدأ رحلة البحث عن مكتب ينضم له، فتتحرك جمعية المحامين بجهود مشكورة لإيجاد فرصة عمل له في أحد المكاتب، تبدأ بعدها مرحلة جديدة للمحامي الخام الذي ما إن تعين إلا وبحث عن سبل تعلم الصنعة بسرعة وباجتهاد، ليتفاجأ أن أصول الصنعة الأولى هي الدفاع عن حقوقه التي لم تعد كما ظن كاملة مكملة، فيضطر ليدفع اشتراكات التأمينات الاجتماعية كاملة في أغلب الأحيان، وفي أحيان أخرى يُجبر أن يدفع للمكتب الذي يتدرب لديه، كي يستمر في العمل ويكسب الخبرة التي تؤهله لافتتاح مكتبه الخاص.
فمن المحاكم وحضور الجلسات، إلى العمل الإداري المنهك والمضني، إلى الاحتكاك المباشر بالقضايا في المخافر والنيابات يلف المحامي تحت التمرين نصف العالم، ليصل إلى بيته ليلاً، وهو محمل بهمّ قلة الحيلة والتعب والانشغال الدائم بقضايا المكتب والتي هي همه ولا هم له، وتكليفه والذي لا سبيل إلا بإنجازه، وشغفه الذي لن ينطفئ إلا تعلم حرفيات المهنة منها، يجد نفسه في آخر الشهر وقد حصل على أقل مما يناله موظف في القطاع العام أو الخاص، مع مقارنة عدد ساعات العمل والجهد المبذول، نعم يا سادة يحصل كل هذا والمحامي تحت التمرين يصبر ولا ينطق ببنت شفة، ويصبح كمن يداوي الناس وهو عليل.
عندما كُتب ميثاق مهنة المحاماة بحُلته الجديدة، وضع في طياته قيماً أخلاقية عالية في أسس التعامل بين المحامين الكبار والمحامين تحت التمرين، أساسها الاحترام المتبادل وتعليم أصول المهنة، ولكنه لم يشمل الحد الأدنى لحقوق المحامي تحت التمرين والتي يكون المرتب أساسها، فكثير منهم يعمل ليتقاضى دعم العمالة فقط ودون مرتب، ومنهم كما سمعت أخيراً يدفع لصاحب المكتب جزءاً من الدعم الممنوح له من القوى العاملة للمكتب بحجة أن المكتب يدربه على المحاماة، قد لا يكون الأمر ظاهرة ولكن يجب الإشارة لها والحديث عنها والتنبيه لخطورتها، كي لا تصبح هي القاعدة الأساس في التعامل بين المكاتب والمحامين تحت التمرين.
إن مهنة المحاماة جوهرها الرحمة وأساسها التعاون والتآخي بين الزملاء، وأساس العلاقة بين المحامي الكبير والمحامي تحت التمرين هي علاقة أستاذية، ينهل المحامي من أستاذه خلاصة تجاربه لتكون سنده في التعامل مع القضايا التي توكل إليه من المكتب، فإذا فقدت هذه القيم في تلك العلاقة انهارت قيم الأخوة والزمالة، وصارت أشبه بسهل الضباع تنهش بعضها بعضاً بدم بارد، دون إدراك لحقيقة أننا في أشرف مهنة عمل بها الإنسان منذ بدء الخليقة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي