لا سيما إذا استمرت بيئة أعمالها المحلية على تعقيداتها
المصارف بـ 2019 نمت 4.3 في المئة تشغيلياً ... فماذا عن 2020؟
- توجيه رقابي نحو إعادة صياغة خطط البنوك بما يناسب التحديات المفروضة
أرسل موسم النتائج المالية للبنوك عن 2019، رسالة إيجابية، كونه يمنح المستثمرين سبباً للتفاؤل، مع تحقيق هوامش جديدة من الأرباح، رغم انخفاض إجماليها من 983.918 مليون دينار في 2018 إلى 980.681 مليون العام الماضي، بما يشكل انخفاضاً ضئيلاً بـ 0.328 في المئة.
وما يزيد من أهمية نتائج البنوك المحلية عن 2019، أنها جاءت رغم كل التعقيدات التي شهدتها الأسواق محلياً وإقليمياً وعالمياً، خلال العام الماضي، وكالعادة استحوذ البنك الوطني على القيمة الأكبر لجهة الربحية بـ401.29 مليون دينار، تشكل حصة 40.9 في المئة من إجمالي أرباح القطاع، ثم بيت التمويل الكويتي «بيتك» بـ 251.22 مليون بما يقدر بـ25.6 في المئة، ليستحوذا على 66.5 في المئة من إجمالي أرباح القطاع، علماً بأن بنك برقان جاء في المرتبة الثالثة بـ84.7 مليون بحصة 8.6 في المئة.
ولحظ أن «وربة» كان الأكثر نمواً عن العام الماضي بنسبة تبلغ 30 في المئة، ثم جاء «الخليج» بـ12.2 في المئة، وثالثاً «بوبيان» بـ12 في المئة.
ورقمياً، يمكن قراءة نتائج البنوك للعام الماضي من نافذة إضافية، تتعلق بالإيرادات التشغيلية، والتي نمت بنحو 4.3 في المئة (9 بنوك بخلاف برقان)، وهنا يُفتح النقاش واسعاً حول معدلات النمو التشغيلي المتوقعة للبنوك مستقبلاً، ومدى قدرتها على تحقيق استدامة النمو، لا سيما إذا استمرت بيئة الأعمال على حالها دون تغيير.
من حيث المبدأ لا يمكن تجاهل ضيق هوامش أرباح المصارف التشغيلية المحققة عن العام الماضي، وأن أرقامها المعلنة تعكس مؤشرات قد تكون مقدمة لاستمرار الضغط على نمو القطاع خلال الفترة المقبلة، ما لم يتم التحرك بخطوات استباقية نحو مواجهة التعقيدات المالية التي طرأت على الأسواق محلياً وإقليمياً وعالمياً.
وما يعطي هذا الرأي وجاهة أكثر أرقام المخصصات المصرفية المجنّبة عن العام الماضي، فرغم زيادتها من 9 بنوك بخلاف «برقان» إلى 627.949 مليون دينار بنمو 7.28 في المئة، إلا أنها، تعكس تخفيفاً في شد الحزام، مدفوعاً بنظافة المحافظ الائتمانية، بعد أن وصل معدل تعثر قروض القطاع 1.5 في المئة.
وإذا كان هذا المعدل منخفضا جداً قياساً بالمعدلات العالمية، إلا أن السؤال المشروع في هذا الخصوص، ماذا ستفعل البنوك إذا اضطرت مستقبلاً لزيادة مستويات مخصصاتها، تحت أي سيناريو احترازياً؟
بعيداً عن الديبلوماسية، يواجه القطاع المصرفي المحلي تحديات كبيرة ومتشعبة منذ فترة، أبرزها تراجع الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية، ما أضعف الإيرادات التشغيلة للمصارف، حتى أنه لا يعد سراً القول إن الفرص المتاحة لا تستوعب كفاءة رأس المال القوي الذي تتمتع به جميع البنوك المحلية.
فبعد 2008 غيّرت معظم البنوك نماذج أعمالها مستفيدة من الإنفاق الحكومي الذي شهد توسعاً تنموياً في العام 2016 مع طرح مشروع الوقود البيئي بتمويل من البنوك المحلية بـ 1.2 مليار دينار، لكن سرعان ما تعرض هذا الوهج التمويلي للخفوت مع عودة الانفاق الحكومي للتباطؤ مجدداً وصولاً للعام الحالي الذي لا يحمل حتى الآن أي بوادر توحي بإمكانية تغيير مسار الركود الاستثماري خلال 2020.
كما أن ضعف إيرادات التمويل المحقق من انخفاض أسعار الفائدة، على الحسابات الجارية والتوفير، شكل ضغطاً على الإيرادات التشغيلية، فإذا كان تخفيض الفائدة حقق إيجابيات، إلا أنه أظهر في الوقت نفسه تأثيرات غير مباشرة في بعض المواقع.
ولا تزال الفرص التمويلية محلياً وإقليمياً غير مشجعة كثيراً للتوسع ائتمانياً بسبب ارتفاع حساسية البنوك من المخاطر، ما يزيد حدة التنافس على العميل، ونتيجة طبيعية لذلك ارتفعت كلفة استقطاب الفرص التمويلية المشجعة، وأيضاً الودائع المستقرة، للدرجة التي تضطر فيها البنوك أحياناً لقبول أسعار فائدة على بعض تمويلاتها أقل من التي تدفعها على بعض ودائعها.
الأرباح السنوية
وأمام السلوك الإنفاقي المتواضع للدولة خلال السنوات الماضية، لجأت البنوك للاكتتاب في تغطية إصدارات الدين العام المحلية والخليجية، لكن هذه النافذة لم تظل مفتوحة كثيراً بعد تنامي استردادات الاكتتابات، خصوصاً المحلية، في وقت زادت فيه التسويات مع العديد من الشركات، لتتصاعد مع ذلك طبقات الفوائض.
وعملياً، أسهم تباطؤ سوق الائتمان المعتمد بشكل أساسي على تمويل قطاع الافراد، والشركات التي تواجه تحديات البيئة التشغيلية نفسها، في زيادة التحدي، ما زاد من فوائض السيولة المصرفية المتراكمة دون توظيف، وبالتالي زيادة كلفة المال المصرفي، ما أسهم في زيادة الضغوط على أرباح البنوك.
الأمر الإيجابي
ترى مصادر مسؤولة أن استمرار المصارف في تحقيق نمو وسط كل هذه التحديات محلياً وإقليمياً وعالمياً، يعد أمراً إيجابياً، يعكس ملاءتها المالية، وكفاءتها العالية المحققة بدعم من سياسة الناظم الرقابي نحو إحداث توازن صحي في أدائها، موضحة أنه إذا كانت البيئة التشغيلية للبنوك شهدت في الفترة المقبلة تعقيدات زادت الضغوط على ربحيتها، إلا أن كل التجارب أثبتت قدرتها على امتصاص مختلف الصدمات.
ففي السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية التي بدأت في 2008، أفلحت البنوك المحلية في توليد طبقات متتالية من الأرباح التشغيلية، لا سيما مع التوجيه الرقابي الحصيف بالتركيز على قطاع الأعمال الرئيس للمصارف، وبناء مصدات قوية لمواجهة الطوارئ.
وعملياً، كان «المركزي» وبالتنسيق مع البنوك سباقاً في إعادة صياغة مستقبل البنوك، فجاء التوجيه الرقابي نحو إعادة صياغة خطط البنوك على المدى المتوسط (3 - 5 سنوات) بما يتناسب مع التحديات المفروضة.
ومن نافل القول إن المصروفات الرأسمالية للدولة غير مرجحة للنمو قريباً، خصوصاً في ظل الأوضاع المالية الصعبة التي تمر بها الدولة، من عجوزات لا تشجع على زيادة الإنفاق الرأسمالي، إذ يقدر العجزعن السنة المالية المقبلة بـ16 في المئة، من إجمالي 22.5 مليار دينار كما هو معلن رسمياً، ولذلك يجب التخلي مصرفياً ولو موقتاً عن تمني النفس بزيادة الإنفاق الحكومي في ظل عجز الموازنة.
علاوة على ذلك، لا يمكن تغافل المقاومة النيابية التي يتعرض لها إقرار مشروع قانون الدين العام، ما يُضعف أي خطط مصرفية يمكن بناؤها على سيناريو إقراض الحكومة في القريب العاجل، لكن أمام ذلك تتعاظم الحاجة لزيادة جهود البنوك نحو إعادة صياغة المستقبل المصرفي بطريقة تضمن خلق مصادر جديدة للدخل، وتحافظ على عملائها، وتقودها للتنوع.
وواضح أن «المركزي» والمصارف المحلية جادان في تبني خطط تطويرية، يواجهان بها تحديات الأسواق، وهذا ما بدا واضحاً خلال الاجتماعات الاستباقية التي عقدت بالفترة الأخيرة، وناقشت إستراتيجيات البنوك المستقبلية للمدى المتوسط، بما يضمن استدامة كفاءتها التشغيلية.
فسعياً لاستمرار النجاح في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي فرضتها تطورات أوضاع الاقتصاد العالمي، وثورة التقنيات المالية الحديثة، والتغيرات المتسارعة في توقعات العملاء واحتياجاتهم، تحركت البنوك بدعم من «المركزي» نحو الإعداد لتبني أساليب ورؤى جديدة تنسجم مع المستقبل، وما يصاحب التحول الرقمي من ابتكار في المنتجات والخدمات وتطوير الكفاءة التشغيلية للبنوك.
ويستوجب هذا الأمر إستراتيجية واضحة المعالم محددة العناصر، تستهدف مواجهة هذه التحديات والتطور التقني في الصناعة المصرفية، إلى جانب فهم أفضل لمتطلبات العملاء وتوقعاتهم واحتياجاتهم، وبما يحقق تطوير نموذج عمل المصرف على المدى المتوسط، مع استهداف تطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتباره قطاعاً حيوياً وجاذباً.
ولعل ما يزيد التوقعات المتفائلة حول مستقبل البنوك وقدرتها على تحقيق إيرادات مستقرة 3 اعتبارات، الأول يتعلق بسيولتها العالية، والتي تخفّض كلفة أموالها خصوصاً إذا أحسنت إدارتها، وثانياً أنها تخلصت بالفعل من إفرازات الأزمة المالية، فمشكلتها العظمى لجهة انكشافها على شركات الاستثمار التي واجهت تعثراً شبه جماعي انتهت بالفعل، ونجحت في الفترة الماضية في بناء محفظة ائتمانية عالية الجودة، وبات لديها مصدات دفاعية قوية في التصدي لأي ضغط غير متوقع، وبالطبع، فإن هذه المصدات تخفف من حدة الأثر لكن لا تمنعه.
وثالثاً، تتعاظم أهمية جهود «المركزي» في الفترة الماضية والتي نجح خلالها في تحميل مجالس إدارات البنوك وإداراتها التنفيذية، مسؤولية التغيير الشامل لنماذج الأعمال المصرفية المعمول بها في الكويت حالياً، بأخرى قادرة على استيعاب التحديات التي تفرضها أوضاع الاقتصاد العالمي، وثورة التقنيات المالية، والتغييرات المتسارعة لتوقعات العملاء.
الواقع الحالي
40.9 في المئة حصة «الوطني» من الأرباح وربعها لـ«بيتك»
«وربة» الأعلى نمواً ثم «الخليج» و«بوبيان»
شدّ حزام المخصصات مجدداً يلتهم جزءاً من الأرباح
الأرقام توحي بإمكانية استمرار الضغط على النمو مستقبلاً
السلوك الإنفاقي للدولة والفرص التمويلية غير مشجعين للتوسع
صياغة المستقبل
استمرار النجاح يتطلب رؤى تنسجم مع المستقبل
التخلي ولو موقتاً عن تمني النفس بزيادة الإنفاق في ظل العجز
فهم أفضل لمتطلبات العملاء وتوقعاتهم مع استهداف المشروعات الصغيرة
السيولة والتخلص من إفرازات 2008 قوّى المصدات الدفاعية
«المركزي» حمّل مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية مسؤولية التغيير الشامل