مشاهـد / «سلِّفني» روايتك من فضلك؟!

تصغير
تكبير
| يوسف القعيد |
لقد استمعت... خلال سنوات إلى «الفارو موتيس»، وهو يتحدث عن مشروعه في الكتابة عن رحلة سيمون بوليفار الأخيرة في نهر مجدلينا، وعندما نشر «الوجه الآخر» الذي كان جزءاً أولاً من الكتاب، بدا لي قصة مكتملة النضج، ذات أسلوب وإيقاع شديدي النقاء... فأعددت نفسي لقراءة العمل كاملاً بعد وقت قصير.
لكنني بعد مرور سنتين... أحسست بأنه قد ألقي بالمشروع إلى النسيان، مثلما يحدث لنا نحن معظم الكتاب، حتى في أكثر أحلامنا محبة لنفوسنا، عندئذ فقط، تجرأت وطلبت منه أن يسمح لي بكتابة العمل، وكانت رمية صائبة بعد ترصد استمر عشر سنوات، لذلك فإن شكري الأول موجه إليه.
هذا الاقتباس الطويل... الذي بدأت به على غير عادتي مأخوذ بالنص من «كلمة شكر» أثبتها ماركيز كاملة بعد أن انتهت روايته «الجنرال في متاهة»، وكاتب الكلمة ماركيز نفسه... يشكر فيها الكاتب الذي كان صاحب فكرة الكتابة عن الجنرال... وكتب الفصل الأول من الرواية تحت عنوان «الوجه الآخر» ونشره وقرأه ماركيز، ولكن هذا الكاتب مثل بعض الكتاب وليس كل الكتاب لم يكمل مشروعه أبداً... فاستعاره منه ماركيز وكتبه.
آخر كلمات هذا الكتاب... شكر ماركيز للكاتب صاحب الفكرة، وكذلك فإن أول كلمات الكتاب إهداء النص إلى «الفارو موتيس الذي أهدى إليَّ فكرة تأليف هذا الكتاب».
وهذا يؤكد أن هاجس شكر الكاتب الأصلي لنفس العمل... قد سيطر على ماركيز أكثر مما ينبغي، وربما كان ماركيز يريد أن يغلق الباب، منذ البداية، حتى النهاية.
على من يحاول القول بعد نشر العمل... أنه سطا على فكرة كاتب سواه، ثم ينفتح الباب واسعا... أمام حديث لا نهاية له عن قواعد وأصول وتاريخ السرقات الأدبية وتراثها، وأصولها وضحاياها... فقرر أن يلقي هذه القضية بنفسه قبل أن يتطرق إليها الآخرون.
جابرييل جارثيا ماركيز لم يكن أول أبناء أميركا اللاتينية الذين حصلوا على جائزة نوبل في الآداب... ولكنه الوحيد من أبناء هذه القارة... الذين حصلوا على الجائزة فجاءت له بقدر هائل من الشهرة، لم يحدث لأي كاتب آخر سواه... حيث إنه تحول بعدها إلى ظاهرة إعلامية من نوع خاص، وبعد نوبل ترجمت أعماله إلى لغات الدنيا كلها... ومنها العربية طبعاً بدرجة عالية من الكثافة والغزارة.
وعلى الرغم... من أن نوبل تذهب في العادة إلى كتاب يمرون بمرحلة ما بعد الشيخوخة، لدرجة أنه قيل عنها... أنها أصبحت تشكل الصورة الأخيرة في ألبوم الكتاب قبل الذهاب إلى القبر، ما جعل القائمين عليها يفكرون في منحها لكتاب تعدوا الخمسين من العمر ولم يصلوا سن الستين بعد... ومن هؤلاء الكتاب الذين بلغوا سن الكهولة الأولى كان ماركيز.
بعد نوبل... حتى وقت كتابة هذا المقال... كتب ماركيز عملين روائيين فقط، هما «الحب في زمن الكوليرا»، وهذه الرواية: «الجنرال في متاهة»، وبقدر ما كانت «الحب في زمن الكوليرا» عملاً ممتعاً وجميلاً ومدهشاً ومعجزاً... أكد أن نوبل وبريقها الخادع وجوها الإعلامي القائم على الأضواء غير العادية، التي تكاد أن تعمي الكاتب عن أبسط الأشياء... أقول أكد ماركيز في روايته الأولى بعد نوبل، أنه لايزال قادراً على أن يبدع عملاً... ليس في مستوى أعمال ما قبل نوبل... ولكنه يتفوق على هذه الأعمال في مناحي كثيرة.
والعمل الكبير بالنسبة لأي روائي... يمثل بعد نشره عقبة من نوع خاص... فلابد من تجاوز هذا العمل بعد ذلك... وإن كان تجاوزه صعباً أو مستحيلاً يصبح الصمت مخرجاً مشروعاً لأي كاتب يدرك مسؤولية الإقدام على فعل الكتابة... وإن كان لا يقدر على هذا الصمت المسؤول والجميل في بعض الأحيان سوى أقل القليل من الكتاب... وهناك من يتصور أن من حق إبداعاته السابقة علينا... هذا إن كان كاتباً جيداً، أن نعطيه الحق في بعض الأحيان وليس في كلها أن يكتب عملاً متوسط القيمة بين فترة وأخرى... يمثل هذا العمل استراحة أو التقاط أنفاس بالنسبة له.
قبل الدخول إلى عالم هذه الرواية، نتوقف أمام بعض ما قيل عنها... قال المؤلف: هذه هي الرواية الوحيدة بين رواياتي التي كنت هادئاً حيالها... إنها ما أردت أن تكون على وجه التحديد، أنا موقن على نحو مطلق أنها الطريقة التي كان يسير بوليفار على منوالها حقاً... لابد من المرور سريعاً على هذا اليقين المطلق لديه تجاه روايته... فهذا اليقين نفسه أعلنه ماركيز صراحة عند حديثه عن روايته القصيرة: الكولونيل لا يجد من يكاتبه، وقاله أيضاً عن روايته: خريف البطريرك... ثم قاله اخيراً عن: «الحب في زمن الكوليرا».
فيدل كاسترو... الزعيم الكوبي... المعروف وثاني ماركسي في العالم كله... حيث يبدو في بعض الأحيان أن الماركسي الأول هو: كارل ماركس نفسه... قال كاسترو: «إن هذه الرواية تضفي صفحة الوثنية على بوليفار»، أما الرئيس الكولومبي السابق بيليساريو بيتانكر، فقد قال «إن هذه الرواية قد غذت فيه شعوراً بالأسى الكبير... مثلما ولدت عنده انطباعاً بالمرارة والحزن المستديم... ذلك أن الرواية تجبر القارئ على إعادة التفكير في العالم وسط البكاء والنشيج».
عندما نشرت هذه الرواية، كان هناك رد فعل في جميع أنحاء أميركا اللاتينية ضدها، كانت ردود الأفعال قوية وصاخبة وعالية الصوت في بعض دول أميركا اللاتينية... بخاصة في بوليفيا، التي تحمل نفس اسم بوليفار، وكولومبيا التي تعتبر بوليفار الأب الروحي الحقيقي للقومية الكولومبية.
الضجة الصاخبة التي جرت ضد الرواية طبيعية جداً... فسيمون بوليفار هو محرر أميركا اللاتينية، حتى آخر يوم في حياته كان يحلم بتوحيد هذه القارة في كيان واحد... لكي يوجد بذلك كيان ضخم وعملاق يمكنه أن يصبح واحداً من كيانات العالم الكبرى... يقف على نفس مستوى الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق... الذي لم يبق منه الآن سوى روسيا،وبعض الدويلات حولها، والصين.
بل يوجد في القاهرة... وهي للعلم ليست مدينة من مدن أميركا اللاتينية... ميدان مهم، اسمه ميدان سيمون بوليفار، والشارع المتفرع منه يحمل اسم أميركا اللاتينية... ولا أعرف ملابسات ولا ظروف إطلاق هذا الاسم في هذا المكان من القاهرة، لكن يبدو أن أهل أميركا اللاتينية هم الذين يقفون وراء هذه الفكرة، أقولها من باب إدراك حجم تأثير هذا الإنسان في حياة قارة بأكملها.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي