رثاء
يعقوب الحمد صاحب الرؤية... يرحل
بينما ودّع الكويتيون أحد الرموز الوطنية، العم يعقوب يوسف الحمد إلى مثواه الأخير، كان كتاب الراحل مفتوحاً بين يدي مودّعيه، على محطات خالدة في تاريخ رجل من الكويت، عاش صاحب عقد، وكلمة محترمة، والتزام في العمل، بميادين الاقتصاد والرياضة والتخطيط، ورحل تاركاً خلفه مسيرة مشرقة، وحافلة.
يتذكر أهل الكويت جيداً، مآثر العم يعقوب الحمد، ومناقبه الاقتصادية، والتي بدأت معه في سن مبكرة جداً، حيث أصدر الراحل من على مقاعد الدراسة الجامعية أول كتاب عام 1952، يعالج مشكلات وطن، رسم فيه مشروع بناء الدولة، تحت عنوان «ماذا نريد من حكومة الكويت؟»، حيث ناقش الكتاب حسب رأي رئيس تحرير مجلة البعثة التي أصدرته، كل فكرة، وقدّم لها نقداً حراً نزيهاً.
ومن الواضح أن فكر الراحل كان تقدمياً، للدرجة التي خصّص فيها الفصل الثاني من كتابه للرد على السؤال الجوهري، ماذا نريد من إدارة مالية الكويت، ويعني بها مشكلة دخل البترول، هذا الدخل الهائل والضخم الذي كان سيمنح البلاد وقتها ما يزيد على 50 مليون جنيه استرليني سنوياً، حيث عالج في هذا الفصل كيفية إمكان التصرف في هذه الأموال.
تجربة الفقيد الناصعة في الحياة الاقتصادية زادت وهجاً بعد الجامعة، حيث تظهر مسيرته أنه كان رجل أعمال حقيقياً، صاحب رؤية وفكر مستقل، ومسؤولية عن عمله، فيما كان معلوم عنه أنه من مدرسة «قل رأيك وامشي» حيث كان يصر على تسجيل رأيه في محاضر اجتماعات جميع الكيانات التي عمل فيها، ولو كان الوحيد الذي يتبناه.
شغل الراحل منصب أول نائب لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الكويت في العام 1959، واستمر في عضويته حتى 1992، يصفه بعض زملائه بأنه كان من أكثر أعضاء «الغرفة» ذكاءً، وعملاً واستقلالية، كما تميز بالدقة، وقدرته على إبداء ملاحظات شكّلت قيمة مضافة للموضوعات التي كان مسؤولاً عن مراجعتها، خلال عمله كرئيس تحرير مجلة الاقتصاد الكويتي الصادرة عن «الغرفة».
واختير الراحل بالمرسوم الأميري رقم 41 لسنة 1960 عضواً في مجلس النقد الكويتي الذي اختص بإصدار أوراق النقد والمسكوكات في الكويت وجعل الدينار وحدة للنقد الكويتي الجديد، وترأسه الشيخ جابر الأحمد رئيس المالية والاقتصاد آنذاك.
وبالطبع، يتذكر مجتمع الأعمال جيداً للعم أبوبشار، أنه كان الرئيس الرابع لمجلس إدارة بنك الكويت الوطني، وتحديداً منذ العام 1965 حتى 1979، حيث كان أحد المؤسسين الرئيسين الذين صنعوا اسماً عالمياً في عالم المصارف، من دون الحاجة إلى عضلات رأسمالية حكومية أو إدارة أجنبية، في إدارة «الوطني» الذي صنع من قهر الأزمات تاريخه الكبير.
وحكومياً، للراحل بصمته أيضاً، حيث كان واحداً من 4 ممثلين للقطاع الخاص، شاركوا في أول مجلس للتخطيط، وقدم الكثير أثناء عضويته في المجلس من أفكار تنويرية للعمل الاقتصادي، فيما عُرف عنه أنه صاحب نشاطات اقتصادية مختلفة، من بينها توليه رئاسة مجلس إدارة الشركة الأهلية للتأمين.
وكما سطع نجم «أبوبشار» اقتصادياً، كان له محطات رياضية حيث كان من مؤسسي النادي الأهلي أول نادٍ رياضي كويتي في أواخر الاربعينات، وترأس الاتحاد الرياضي (المسمى السابق للاتحاد الكويتي لكرة القدم) موسمي 1952-1953 و1953-1954، قبل أن ينتخب عضواً في المجلس الموسم 1954-1955 برئاسة جاسم القطامي.
رحمك الله يا أبا بشار، كتاب مسيرتك لن يُطوى باحتضان ثرى الكويت لجثمانك، فالعبر فيه ستزداد تألقًا وانتشاراً وأهمية. رحمك الله وأسكنك فسيح جناته وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.