باحث روسي ومهتم بحركة الاستعراب وترجمة المخطوطات «1»

ضوء / محمود الحمزة: تعرف الروس على الإسلام عن طريق الكتابات الدينية اليونانية والبيزنطية

u0645u062du0645u0648u062f u0627u0644u062du0645u0632u0629r
محمود الحمزة
تصغير
تكبير
| موسكو- من هلال الحارثي |
تعد الترجمة في أحد أبعادها شكلاً من أشكال الحوار الفكري بالكلمة، لذلك يمكن القول انّ المترجمين يساهمون في ارساء أسس عملية الحوار الثقافي والفكري بين الحضارات المختلفة. وقد كانت الترجمة ولاتزال الوسيلة الأهم لتحقيق التواصل بين الشعوب وتعريف بعضها بالبعض الآخر.
ولولا الترجمة لم يعرف العرب فلسفة الاغريق ولا آداب فارس والهند، وبالمقابل لولا الترجمة لم تعرف أوروبا، وهي في عصر الظلمة، منجزات العرب في الطب والكيمياء والهندسة والرياضيات ولا عرفت ابن رشد وابن الهيثم... الخ. أيضا لولا الترجمة في العصر الحديث لما عرفنا الأدب الروسي مجسداً في تولستوي ودوستويفسكي ولا عرفنا روائع شكسبير أو تشارلز دكينز، هوغو أو موليير... ولما عرف العالم روائع الأدب العربي مثل «ألف ليلة وليلة» والشعر العربي والقرآن الكريم وغيره.
لقد انطلقت الحضارة العربية والاسلامية في انجازاتها العلمية العظيمة في القرون 7-10 م، من ترجمة العلوم القديمة من هندية وفارسية ويونانية من اللغات السريانية والفارسية والسنسكريتية واليونانية الى العربية وذلك بشكل منظم ومخطط له على مستوى الدولة. كما أن النهضة الأوروبية قامت على أكتاف العلوم العربية واليونانية المنقولة للعربية بترجمتها الى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر للميلاد. كما أن الاتحاد الأوروبي حالياً ينفق سنويا مليار يورو لترجمة الوثائق المختلفة ذات الصلة بنشاط الاتحاد.
حول هذا الموضوع التقينا الباحث الروسي والمهتم في شأن الترجمة والاستعراب (روسي من أصل عربي سوري) الدكتور محمود الحمزة، كبير الباحثين العلميين في معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو، وتحدث لنا عن دور الترجمة والاستعراب في التفاعل الثقافي بين العرب والروس... وقال:
يعود تاريخ العلاقات الثقافية بين روسيا والعرب الى قرون عدة أي من القرن الثامن عشر لكن التواصل الحضاري قديم جداً. فقد انتشرت الكلمات العربية في اللغة الروسية في القرن العاشر للميلاد مع رحلة أحمد بن فضلان الشهيرة الى منطقة البولغار حيث يقول ابن فضلان في رسالته «لما وصل كتاب ألمش بن يلطوار ملك الصقالبة الى أمير المؤمنين المقتدر يسأله فيه البعثة اليه ممن يفقهه في الدين ويعرفه شرائع الاسلام ويبني له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له فأجيب الى ما سأل من ذلك».
ولا بد من ذكر المؤرخ المسعودي وعمله الشهير «مروج الذهب ومعادن الجوهر» الذي كتبه في أواسط القرن العاشر للميلاد. حيث كرس المسعودي فقرات مطولة للحديث عن تاريخ الروس والصقالبة وكان المسعودي وهو المؤرخ الكبير ذو السمعة العلمية العالية كمؤرخ وجغرافي قد زار منطقة القوقاس في العقد الرابع من القرن العاشر للميلاد.
وتأتي الأهمية التاريخية لما كتبه المسعودي حول شعوب أوروبا الشرقية هو ندرة المصادر التاريخية حول تاريخ هذه المنطقة وأن المؤرخين الروس اعتمدوا بشكل خاص على ما كتبه المسعودي كأحد أهم المصادر التاريخية. وربما تعود ندرة المصادر التاريخية المكتوبة حول تاريخ الروس الى أنهم لم يمتلكوا في حينها الأبجدية للكتابة. ويصف المسعودي جغرافية المنطقة بالتفصيل ويورد تفاصيل دقيقة عن شعوبها بأمانة علمية. ويصف جبل القوقاس ويذكر مدينة «باب الأبواب» التي بناها كسرى الدولة الفارسية أنوشران. وهي مدينة ديربينت الداغستانية التي تعتبر مهد الاسلام في روسيا. وتذكر بعض المصادر أن المسلمون الأوائل وصلوا الى ديربينت في عام 652 للميلاد.
وفي بداية القرن الحادي عشر بدأ الروس بالتعرف على الاسلام عن طريق الكتابات الدينية اليونانية والبيزنطية. لكن تلك المعلومات للأسف كانت بعضها محرفة وأحياناً غامضة (مشوشة). وتوجد مراجع من القرن السادس عشر محفوظة في بعض الكنائس الروسية كتب فيها عن النبي محمد والصحابة بشكل محرف ومشوه. وبشكل عام فالكتابات عن العرب والمسلمين انطلقت من النظرة الدينية المسيحية المعادية المتعصبة ضد اليهود والمسلمين.
وفي بداية القرن الثاني عشر اشتهر في مدينة كييف «المعالج» بطرس السرياني الذي كان يقدم الطب السرياني العربي ذو الشهرة العالمية. وقد كانت لغة هذا الطب هي العربية. كما انتقلت في بداية القرن 13 م كلمات عربية الى الروسية عن طريق لغات أخرى مثل التترية وبواسطة أهل قازان وبخارى من خلال التجارة.
ولقد لعبت الترجمة من العربية الى الروسية دوراً فعالاً في نشر الثقافة العربية الاسلامية في روسيا وانعكس ذلك بشكل خاص في مجال الأدب والشعر وفي الفلسفة والعلوم الأخرى. وهنا أريد أن أسلط الضوء على جوانب من مسيرة التواصل الثقافي بين العرب وروسيا عبر القرون.
وعلى امتداد قرون عديدة من التاريخ الروسي كانت ثمة رؤيتان متعارضتان للعرب والمسلمين في الثقافة الروسية, رؤية معادية, تؤججها الحملات التبشيرية والحروب الدامية لروسيا مع شعوب اسلامية داخل الامبراطورية الروسية وعلى تخومها (تركيا خاصة), وصورة ودية, كانت وراءها عوامل عديدة, منها الشغف الرومانسي بالعالم الشرقي الساحر, عالم «ألف ليلة وليلة», وادراك المنجزات الرفيعة للحضارة العربية الاسلامية في عصرها الذهبي ودورها الفذ في التاريخ العام للحضارة البشرية, وتأثيرها على الثقافة الأوروبية والروسية.
ونشير الى الدور المهم للجغرافيين والرحالة والمؤرخين العرب من القرنين 9-10 للميلاد (مثل أحمد بن فضلان وابن حوقل والمسعودي) الذين كتبوا عن تاريخ الشعوب ومنهم الروس في مناطق حوض نهر الفولغا وما وراء القفقاس وآسيا الوسطى.
كما أن أوائل المؤلفات الفلسفية التي تعرف من خلالها قراء الروسية على الفلسفة عامة, كانت الأعمال المترجمة من العربية, مثل كتاب «سر الأسرار» وهو مؤلف منسوب لأرسطو, وضع أصلاً بالعربية وترجم منها الى الروسية في القرن الرابع عشر, وكذلك كتاب «مقاصد الفلاسفة» للغزالي, الذي نقل الى الروسية عبر ترجمة عبرية له في نفس القرن. كما ترجم في نفس الفترة كتاب الـ «منطق» الفلسفي للفارابي.
وبالرغم من أن أهم أهداف علم الاستشراق في بداياته هو سعي العلماء الأوروبيين لمعرفة عالم الشرق بقصد التأثير في ثقافته ولتسهيل السيطرة عليه وهذا هو هدف الاستعمار الأوروبي الا أن للاستشراق جانبا آخر ايجابيا وهو تأثر الثقافة الأوروبية والروسية بشكل واضح بالأدب العربي واللغة العربية والقرآن الكريم وبالعلوم العربية والاسلامية.
ان عملية تبلور الأفكار العلمية في روسيا الموسكوفية، جرت ليس على أساس التقاليد العلمية اليونانية والبيزنطية فحسب وانما لعبت هنا دوراً بارزاً التقاليد العلمية العربية. حيث أفاد العلم الروسي في ذلك العصر افادة واسعة من المؤلفات الطبية العربية, وفي مقدمها «كتاب العلاج للطبيب اسحاق» وهو مخطوطة للطبيب الفيلسوف اسحق بن سليمان (900م) ومن أعمال ابن سينا. وفي مجال الفلك والتنجيم اعتمد الروس على المخطوطات الفلكية العربية. ويرجع المؤلف الفلكي «شستوكريل» الذي انتشر في روسيا القروسطية الى المصادر العربية التي ترجمت الى العبرية, وبشكل أدق الى النموذج (الموديل) الهندسي- الحركي للبطروجي (ق 12 م).
وتحتل رحلة ماكاريوس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق ومعه ابنه بولص الحلبي وهما من سورية, مكانة خاصة في التاريخ الروسي. فقد زارا روسيا أثناء حكم ألكسي ميخائيلوفيتش في أواسط القرن 17 م. وكان الهدف من تلك الزيارة هو ترقية الكنيسة الروسية الى مستوى البطريركية. ويذكر أن مترجماً مصرياً وآخر من دمشق عملا في خدمة رحلة البطريرك.
وكان للعلماء الروس والسوفيات نصيب وفير واسهام متميز في دراسة الثقافة والعلم العربيين وبمن فيهم المستعربون والمتخصصون في بعض المجالات العلمية الدقيقة. بالرغم من أن كراتشكوفسكي يشير الى قلة اهتمام الروس باللغة العربية والثقافة الاسلامية بالرغم من احتكاكهم بالمسلمين في تتارستان والقفقاس. لكن الاهتمام الجدي بالأدب العربي من حيث البحث والدراسة والتعلم بعد ثورة أكتوبر. أما البدايات الملحوظة للاستعراب فتعود الى عصر بطرس الأول في القرن الثامن عشر.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي