خواطر قلم

سعدية مفرح... ومثقفون للبيع!

تصغير
تكبير

ليس الكلام هنا عن تحيزات المثقفين أو عن انتماءات المفكرين واتجاهاتهم وأثرها في مواقفهم الفكرية فهذه من طبائع النفس الإنسانية، وإنما التركيز على تحدي المثقفين مع تحيزاتهم وميولهم وعصبياتهم ومصالحهم في مدى التزامهم الإنصاف مع المخالف ودرجة تحقيق الموضوعية في نقد الآخر، والجري وراء الحقيقة والاستقلال عن التوظيف النفعي.
وقد كتبت مقالاً عن ظاهرة تأجير المثقف لبنانه ولسانه ودماغه في جريدة «الراي»، بتاريخ 23 أغسطس 2017 تحت عنوان (الليبراليون الجدد... عمالة تحت الطلب).
أي تحت طلب المستعمر، وذكرت في المقال، شواهد عدة من المراكز الغربية على سمات العملاء الثقافيين من خلال رؤية استراتيجية واضحة.


واليوم تحولت جمهرة من المثقفين إلى أبواق يتباهون بعلو أصواتهم النكرة في الوقوف مع المستعمر الخارجي (الغربي) أو عميله وأداته من المستعمر الديكتاتوري الداخلي (العربي)، ولا فرق بعد ذلك بين هويات وانتماءات هؤلاء المبتذلين من مثقفي استثمار أسواق وبورصة الصراع السياسي والاقتصادي الذي يتطلب شراء أي مثقف مرذول سواءً كان من ذوي العمائم واللحى أو من أصحاب البشوت والعباءات والغتر والعقال، أو من أولئك الذين يكونون في غاية الأناقة كأفندي يلبس أفخم البدل وأجمل الكرفتات!
وإن كانت جريمة أصحاب اللحى والعمائم في بيع ضمائرهم للطغاة والطغيان بكل أشكاله ورذيلتهم في تسويق المظالم أسوأ وأشد وطأة!
هؤلاء هم «عبيد سلطة مجسدة» كما أسماهم إدوارد سعيد في كتابه «خيانة المثقفين» تحت عنوان «نصب تذكاري للنفاق»، ولئن كانت النماذج التي ذكرها إدوارد سعيد غربية أميركية، فإن تاريخنا الحديث والمعاصر يطفح بأسماء بلغت حد العمالة الحضارية كما أسماهم محمد عمارة، ولعل كتاب «ودخلت الخيل الأزهر» لمحمد جلال كشك إشباع مفصل لنموذج صارخ للعمالة المزدوجة «ثقافية ولائية»، تجسدت في الكاتب المصري لويس عوض!
وكيف لا يكون كذلك وهو يستقي فكره من إلهامات أستاذه سلامة موسى، الذي أفرد الأديب مصطفى صادق الرافعي في نقده مقالة كاملة في «وحي القلم»، بعدما نقل عباراته الدعائية القبيحة من مجلة المقطم: «المصلح المثمر عندنا هو مقلد لأوروبا لا غش في تقليده»!
وهذه الحالة من الاستلاب الثقافي ليس له وصف أليق مما دمغ به أبو حامد الغزالي أسلافهم من المنبهرين بالفلسفة اليونانية ومقلديها حين قال في تهافت الفلاسفة: (إن الانتقال إلى تقليد عن تقليد، خرق وخبال...)، لكن القدماء الذين عناهم الغزالي اكتفوا بالتقليد ثم التلفيق بين ما عند اليونان وما يدينون به ليتولد عنهما ثقافة شائهة وغير أصيلة، فلا هي تمثل الفلسفة اليونانية الخاصة في أصولها ولا العقيدة الإسلامية الخالصة، كما أشار ابن رشد الأندلسي.
بيد أن حديثنا يتجاوز العمالة الحضارية ومجرد أثر التبعية المعرفية ويتجاوز الخلط بين التبادل المعرفي وبين الغزو الفكري، إلى مثقفين لهم جاهزية قصوى لبيع ذواتهم بالكلية وليكونوا عملاء لمن يدفع أكثر!
إن سبب كتابة هذه المقالة هو تلك الكلمة المركزة التي ألقتها الأديبة المعروفة سعدية مفرح في حفل افتتاح مكتبة مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط في الكويت الأسبوع الماضي، وكنت من ضمن المدعوين وكان عنوان كلمتها (المؤسسات الثقافية في العالم العربي... مشكلة أم حل؟!)، وكعادتها تجلت قدرة الأديبة على انتقاء الموضوع المناسب لافتتاح مؤسسة ثقافية جديدة (طروس) لتواجه بشجاعة أدبية وازنة - عهدتها منها منذ كانت طالبة معنا في كلية التربية وربما كلية الآداب - أزمة المثقفين بعد ازدياد معدلات الصراع السياسي العسكري في الإقليم والمنطقة مما فرض ثلاث إشكاليات، الأولى خلط (السياسي) بـ (الثقافي) الإشكالية الثانية خلط (الثقافي) بـ (الإعلامي) والإشكالية الثالثة احتكار الحركة الثقافية وتحويلها إلى حركة رسمية لتهميش كل ما هو خارج أسوارها من حياة ثقافية..
لا يتسع المجال هنا لسرد الفكرة الكلية المتماسكة التي ألقتها مفرح، لكني أتمنى على مركز طروس نشرها مكتوبة لتكون متناً ثقافياً يتداوله المثقفون ذوي المبدأ، بالتعليق والتفريع عليه من محاور ومفاهيم متعددة كي نحمي مثقفينا ومؤسساتنا الثقافية من ولاءات تمليها الأموال السخية لتسخرها سياسياً ولو بشكل ناعم وأنيق!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي