رؤى
ولا تمنن تستكثر
قال تعالى في سورة المدثر: «ولا تمنن تستكثر»، آية عظيمة لها تفاسير عدة لعلماء ومفسرين جاهدوا في البحث العلمي والتدبر الأدبي، وفي حياة الرسول ونشأته للتوصل الى المعنى الصحيح للآية الكريمة، فالقرآن لا يعرف تأويله الحقيقي غير الله جل جلاله، مهما جاهد المحدثون في التفسير والتدبر والشرح... والقرآن نور مبين وهدى للعالمين وتبيان به يستنير.
ونزلت آية مماثلة للآية التي نحن بصددها توضيحاً في قوله: «يمنون عليك أن أسلموا».
بأن الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله الكريم: «هؤلاء القوم يمنون عليك بإسلامهم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان والصلاح».
ومن ضمن معاني التفسير «الإنفاق»، فلا تمنن أيها العبد على ربك بما أنفقت من مال زهيد، فتسرع متضرعاً الى الله وداعياً بطلب المزيد من المال والبركة، أي تعويضك ما أنفقته، فأنت تملك الكثير لكي تعطي الكثير وما قمت به من خير يعلم به الله فلا تجزع أيها الإنسان، «والله يعلم وأنتم لا تعلمون».
جبلنا على عمل الخير كعادة أهل الكويت قديماً، فالغني يعين أخاه وتكثر الأعمال الخيرية والتي تعتبر مكسباً كبيراً من فيض رزق عظيم، والموائد تمتد إلى حد البصر، لكل جائع وهائم يبحث عن قوت يومه وطعامه فلا يجد منه سوى القليل، فيأكل هنا غداءه ويتزود هناك بعشاء متواضع خلقنا فقراء وأغنياء لنعيش معا... هكذا هي الحياة.
من الغرابة في الأمر أن بعض الهيئات الخدمية حددت سقفا معيناً للمساعدات الاجتماعية والمالية، بحيث يكون الراتب أقل منه... يكاد يكون هذا النهج غريباً والمستفيدون قلائل.
المساعدة الاجتماعية هي إعانة للمعسر، في ما يشكو منه حتى يستقيم وضعه الاجتماعي، فلا ضير بأننا مختلفون في مواجهة بعض العقبات التي تمنع إعانة المدين المعسر الذي تعثر كثيراً بديونه.
فهل تدعم الصناديق الخيرية والتنموية - والتي حازت على لقب (النفع العام) - في علاج المرضى ومساعدة المعسرين والمحتاجين كافة؟ أم أنها تشارك في علاج الحالات نفسها خارج الكويت!
فعلاً إنه وطن الإنسانية حينما يتطوع الدكتور المواطن بإجراء عمليات جراحية لحالات مرضية عدة في بعض الدول التي تعرضت للحروب والكوارث، فتلك عادة توارثناها في بلد الخير والإنسانية.
من «الطباع» غير المحببة أن بعض الأفراد من الهيئات التطوعية، يقومون بتصوير أنفسهم مع الفقراء وهم يمدون لهم أيديهم ببعض من المال البسيط.
امتنع عن التصوير وتواضع أمام المتعففين المعدمين، الذين يعيشون في بيوت متهالكة من الطين والقش لا ستار لها، قد يخجل أمام عدسة الكاميرا وأنت تلتقط له صوراً لا يستسيغها، فأكرمه بالمال والاحترام لتنال رضاء الله، ففي الحديث الشريف: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
فكثيرون من أبناء هذا الوطن، الذين بسط الله لهم في تجارتهم ورزقهم خيراً وفيراً، لم يبخلوا على إخوانهم من المواطنين والمقيمين بإنشاء المستشفيات التخصصية، وتزويدها بأفضل وأحدث الأجهزة الطبية للمرضى وتوفير الدواء اللازم لهم، بارك الله في عملهم هذا، وأثابهم أضعاف ما قاموا به لإخوانهم المواطنين والمرضى.
وقد نال المزارعون الكويتيون كذلك إعجاب الكثيرين بمساهمتهم الفعالة في توزيع الشتلات والشجيرات المثمرة والاستعداد التام بتشجير المناطق الجديدة والطرقات، مساهمة منهم في تجميل وتشجير الأراضي الشاسعة والمناطق السكنية والواجهات.
التنمية المستدامة لا تتحقق إلا بمشاركة الآخرين همومهم واحتياجهم الفعلية، والاستمرار فيها من دواعي المحبة والرقي، فافعل الخير... تجد أثره.
وجميل أن يتقرب الإنسان إلى الله بالعمل الصالح وبالبر والإحسان إلى الآخرين، ويجب على الإنسان أن ينفق الكثير، فلا يحتسب ما خسره من مال أو جهد حيث قال تعالى في كتابه الكريم: «ولا تمنن تستكثر».
Twitter: @H_ALHASHEMMI
[email protected]