أصبوحة

التحرير

تصغير
تكبير

لم يكن يوم 26 فبراير 1991، يشبه أي يوم آخر من أيام حياتنا، كان يحمل ذهولاً وعدم تصديق، مثله مثل يوم المفاجأة الكبرى، يوم الغزو العراقي المشؤوم، عندما دنست بساطير وجنازير جنود الاحتلال، أرض بلادنا يوم الثاني من أغسطس 1990.
يوم التحرير ورؤية رايات الكويت ترتفع في كل مكان، حمل من الشجن والحزن العميق، أكثر مما حمل من الفرح والبهجة، حيث كانتا موشاتين بدموع في المآقي، لشيء غامض وخفي، ربما بسبب ارتخاء عقولنا بعد طول انتباه وشد عصبيين، وطول توقع وحذر ونوم ضحل.
كانت الحياة أثناء الاحتلال تسير بوتيرة أبطأ من البطء، كان الصيف حاراً لزقاً، وكان الشتاء قارساً وكأنه لم يأت برد قبل هذا البرد، كان تحمّل ارتباك واقعنا وانحراف مجرى حياتنا وتفكيرنا، معجزة من معجزات تكيف الإنسان.


بيد أن يوم التحرير حمل لدهشتنا مطراً، مشوباً بحزن شفيف على من فقدنا من أسرى وشهداء، كان نصراً بطعم الهزيمة الداخلية المرة، حضنّا جنود ذاك اليوم من دول الخليج، وبكينا وقلنا إننا فعلنا ما استطعنا، لكن الكثرة والمباغتة هزمتنا.
كان الجنود العمانيون يقدمون الشوكلاتة لأطفالنا، وعيونهم تذرف الدمع، وكأن لسان حالهم يقول: ألا يمكن أن يحصل هذا لنا؟ هل سنستطيع الصمود كما فعل الكويتيون؟ وكم دفعوا ثمناً لصمودهم، وكم من حب الوطن يكفي للصمود؟
كنا خائفين لأشهر طويلة، لكننا كنا على استعداد لتقديم أرواحنا قرابين للوطن، وقد يكون الحزن الشفيف في يوم الاحتلال، غيرة وحسداً لمن حالفه الحظ، فاستشهد في سبيل الأرض، حيث لم تعد جملة نموت فداء للوطن، مجرد جملة في كتب التربية الوطنية.
يوم التحرير ذاك لا يمت بصلة ليوم ذكرى التحرير الـ28، فمن عاش يوم التحرير عام 1991، لم يقذف السيارات بالحجارة ويدمر المنشآت العامة، ولم يرش الناس بالماء والفوم، ويجدها فرصة للاعتداء على العائلات، سلوك الناس ومشاعرهم، لم يكن مثل سلوك ومشاعر البعض بعد 28 سنة.
إن من صمد عاد لبيته وعمله، ولملم بقايا جراح أبشع حدث في تاريخ الكويت، بينما وجدها البعض فرصة للنيل من الوطن الجريح، والبعض وجد المنافذ للسرقة والتزوير والفساد، مشرعة بلا حسيب أو رقيب، والبعض أعلى من شأن القبيلة والطائفة، على حساب الوطن ومن صمد كرمى له، وكوفئ بالمناصب والهبات، وتهافت المتهافتون ينكئون جراح الوطن كل يوم، والصامدون ظلوا صامدين بانتظار الأمل.

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي