هل لدينا رجال دولة من الطراز الأول؟
يطلق مصطلح رجال الدولة على الشخصيات التي تتولى مناصب سياسية مهمة في الدولة، والطراز الأول بمعنى أنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأقسموا على حب الوطن، وعلى أن تكون مصلحة الكويت هي العليا، رجال دولة يتملكهم الخوف على مستقبل الأجيال القادمة، والعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن، وإثبات هذا العمل خلال مسيرة حياتهم، وهم الذين تكتب أسماؤهم في سجل التاريخ بماء من الذهب.
هل دولة الكويت - وبعد سنوات من الديموقراطية وتكوين التحالفات والتكتلات السياسية وبدخولنا للألفية الثانية - لم تُعد مرة ثانية صناعة رجال دولة من الطراز الأول؟
الذي استوقفني لكتابة هذه المقالة، عندما رأيت ما جادت به الساحة السياسية الكويتية في السنوات الأخيرة من مهاترات وحوارات، أبعد ما تكون عن الحوارات السياسية الهادفة، وبعد أن فقدنا لغة الخطاب السياسي العقلاني، واستبدلناه بأسلوب التأزيم السياسي والتجريح، وتصيّد الأخطاء والتشهير بسمعة البعض، والذي نراه في الساحة البرلمانية، قد يشير إلى أن جهات لها مصلحة وتقف وراء هذا التأزيم، وافتعال المشاكل خلال الجلسات البرلمانية.
فمجلس يقوم على «المناديب والمعازيب» فمصيره المزيد من التأزيم، وهذا الأمر لم يكن موجوداً مع رجال الدولة من الطراز الأول، حيث كانت مصلحة الوطن فوق مصلحة أي «معزب عود»، وهذه كلمة كويتية تطلق على أي شخصية كبيرة لها محسوبيتها وحاشيتها، وفي كل تكتل حزبي وسياسي وغيره، حيث نجد أن هناك «معزب كبير» له دور كبير في تعيين الموالين له في مناصب مهمة، ولاستمرار بقائه في منصبه لا بد أن يقدم فروض الولاء والطاعة للمعزب العود.
في الحقيقة إن أركان الدولة القوية لا تبنى على يد فئة المواليين لأشخاص ورموز، وإنما تبنى على أيدى قيادية من الطراز الأول. فالأساس هو حسن الاختيار لهذه الشخصية في كلا المجلسين، فنحن أيضا لنا دور كبير في صنع رجالات الدولة، فحين نختار مَنْ يمثلنا وفق المصالح الشخصية - بعيداً عن المعايير السياسية الصحيحة - فنكون قد ساهمنا في التأزيم السياسي، وتدني في مستوى الأداء البرلماني، وذلك بوصول رجل يرى أن الدولة والمجلس انشآ من أجل مصلحته ومصلحة معزبينه ومن يمثلهم من طوائف وقبائل وتنظيمات حزبية وسياسية وغيرها.
هذا هو الفرق بين «رجل الدولة، ودولة الرجل». ولا نغفل دور الحكومة الكبير في صنع رجل الدولة من الطراز الأول، فعندما تختار الحكومة رجالاتها داخل وخارج الكويت، لا بد أن تحسن هي أيضا الاختيار، فحين تختار شخصاً غير متخصص وغير مطلع بشؤون المنصب الذي تولاه، نراه عندما يبدأ عمله كرجل دولة يصطدم بأمور لا يعلم عنها شيئاً، ومن هنا يبدأ الاعتماد على آخرين في إدارة عمله وينفلت منه زمام القيادة، وبالتالي يصبح غير قادر على اتخاذ قرار ويصبح دوره ظاهرياً فقط، وهذا ينعكس على أدائه وقراراته.
وعندما تحسن اختيار رجل الدولة، فسيحسّن هو أيضا اختيار معاونيه ومستشاريه بدقة وكفاءة، ووفق معايير موضوعية، لأن من سيختارهم أيضا رجال دولة يستطيعون مواجهة أعباء العمل بكفاءة كبيرة، سواء بحضوره أو غيابه.
اللهم ولي أمورنا خيارنا ولا تولي أمورنا شرارنا.
[email protected]