جاء حكم المحكمة الدستورية في الأسبوع الماضي حول الطعن في دستورية المادة 16 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، ليفرض واقعاً جديداً في حياتنا السياسية، حيث كانت هذه المادة تنص على أن إسقاط العضوية لا يتم إلا بموافقة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم البرلمان باستثناء العضو المعروض أمره، أما الآن فقد باتت هذه المادة من اللائحة الداخلية غير دستورية حسب الحكم الأخير، وعليه فإن إسقاط العضوية لا يحتاج إلى تصويت المجلس بل إن عضوية النائب تسقط مباشرة بمجرد فقدان أحد شروطها.
وبعيداً عن الجدل الدستوري القانوني القائم حالياً حول هذا الحكم وهذه المادة، فهناك من يرى أن هذا الحكم يعارض المبدأ الدستوري بفصل السلطات، وبالتأكيد ستكون له تداعيات كبيرة مستقبلاً، وفي الوقت نفسه هناك من يرى بأن هذا الحكم جاء منصفاً وعادلاً حيث لا يوجد من هو فوق القانون حتى وإن كان نائباً، فالنائب يفترض أن يكون قدوة ومثالاً يحتذى به في احترام وتطبيق القانون، خصوصاً وأنه هو المعني بتشريع جميع القوانين... إلا أن الموضوع وتداعياته السياسية هو ما يجب أن ننشغل به، فحكم (الدستورية) الآن أصبح واقعاً لا يمكن تغييره، سواء قبلناه أو رفضناه، لكنه يعكس الحالة السياسية المتأزمة التي نعيشها في الكويت منذ ما يقارب الثمانية أعوام، وهو بالتأكيد يعني تعقيد تلك الأزمة السياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد رغم توالي السنين، فأحكام الحبس في قضايا الرأي والتجمعات لا تزال تتوالى، وملف الجناسي المسحوبة لأسباب سياسية لم يحل حتى هذه اللحظة، ناهيك عن التكاثر غير المحمود للقوانين والإجراءات المقيدة للحريات.
لقد جاء هذا الحكم ليؤكد عمق الأزمة السياسية وفشل المجلس في التعامل مع ملفاتها، فقد نجحت الحكومة وبتفوق باستدراج النواب للعب وفق قواعدها وفي ملعبها، فوقع النواب في فخ المساومات السياسية من أجل الحصول على «سبق» الانجاز، فلا ننسى البدعة التي ابتدعها نوابنا بتحصين رئيس الوزراء في دور الانعقاد الأول من هذا الفصل التشريعي من أجل حل ملف الجناسي، فكانت النتيجة عودة الجناسي لعدد محدود جداً ورفض قانون تحصين المواطنة وقانون العفو الشامل، كما لا ننسى خضوع النواب وإحالتهم لاستجواب رئيس مجلس الوزراء حول كارثة الأمطار إلى اللجنة التشريعية، من أجل الحصول على عفو خاص قد يتحقق وغالباً لن يتحقق، وبالتأكيد لن ننسى لا نحن ولا النواب أنفسهم سحب الاستجواب الموجه لرئيس مجلس الوزراء بداية دور الانعقاد مقابل الابقاء على عضوية النائبين وليد الطبطبائي وجمعان الحربش التي نسفتها المحكمة الدستورية بحكمها الأخير، لتؤكد الحكومة بأنها تسبق النواب «سياسياً» بأميال وليس خطوات.