ويليام أهدى «وردة إلي إيميلي» ... في حلقة من الرعب
لوحة للفنان عبدالكريم البحتوري
| هبة الحفناوي |
منذ أقدم العصور وحتى الآن، مازالت قصص الرعب والرهبة (Gothic Fiction) تقص علينا، رغم اختلاف مسماها مع مرور الوقت، نظراً لاختلاف الأفكار وتطور الأساليب، وقد تبدل مسماها في الأدب التقليدي لتعرف الآن باسم قصص «الإجرام». ويتمثل هذا النوع من القصص في الأماكن المغلقة مثل القلاع، والأديرة، والقصور قاتمة الظلام، ويغلب عليها مشاهد الخراب والأطلال، ويجسد بها أيضاً أدوار الاضطهاد وقسوة المعاملة ومشاهد الدماء. وأول عمل انجز وبرزت فيه هذه العناصر، قصة « قلعة أورانتو» (1964) للسياسي والكاتب والفنان المعماري حورس ويلبول، والتي أصدرت فيما بعد في 150 طبعة. وقد احتوت على الكثير من مشاهد الأشباح، والتماثيل الحية، وغموض الأحداث، والكرب، ونجحت القصة في إظهار شعور الرعب والرهبة لدى القراء. من خلال واقعها الغريب، حيث ان ويلبول نشر القصة مجهولة المؤلف خوفاً من السخرية وإنها لن تلاقي نجاحاً. وتحكي قصة الأبطال في صور غامضة ومشوقة، فهناك «مانفريد» طاغي الكنيسة، وزوجته المخلصة «هيبوليتا»، وابنه «كونراد» (الذي قتل بطريقة مآساوية، بواسطة خوذة سوداء علي رأسه)، و«إيزابيل» التي كانت مخطوبة إلى لكونراد، ثم احبت مانفريد ولكنها في النهاية تزوجت شخصا آخر يدعى «ثيودري»، الشخص المجهول طوال القصة، وقد عرفت هويته في النهاية على انه الأمير الشرعي لفيتشنزا».
وأهم من مارس هذا النوع بإتقان وبراعة، الكاتبة المبدعة آن رادكليف (Ann Radcliff). كما انها أضافت للرواية عنصر الإثارة والتشويق، وعبرت عن الحالات النفسية، وحالات الهلع، والشر، وروعة المناظر الطبيعية، برسمها المعبر. ومن أروع ما كتبت، رواية «الصقلية الرومانسية» (1790)، و«أسرار أدولفو» (1794)، و«الايطالي» (1797)، وكانت لديها القدرة على فتن وجذب القارئ. وتأثراً منها بالكاتب الألماني صاحب الإثارة والرعب ماثيو لويس، الذي كتب «الراهب» (1796)، وتروي قصة الراهب إمبريسيو الذي تبع شهواته، حيث تنقل به لويس من مشهد إلى آخر في عمليات الاغتصاب، ودفن الأحياء حتى موتهم داخل قبورهم بشكل دموي، كما أن هذا العمل قد حقق نجاحاً ملحوظاً ومثيراً للجدل. وهناك رواية آخرى « الايطالي» للكاتبة رادكليف، وتقص أيضاً قصة راهب يتسم بافتعال الشر والتفنن في أمورالتعذيب، لإظهار كيفية تحقيق كتابة رواية تحتوي على عناصر الإرهاب والإثارة.
وقد أوضحت رادكليف من خلال عملها غير المكتمل نظراً لوفاتها وهو «الطبيعة في الشعر»، بأن رواياتها تميزت بعنصر الرهبة، في الوقت الذي أثبت فيه لويس إنه تميز بعنصر الرعب، وهذه بعض الكلمات التي جاءت في كتابها: «الرهبة والرعب عنصران لا يتفقان، علي أن العنصر الأول يمس الروح مباشرة، ويوقظ الإدراك الشعوري الى أبعد الحدود، والعنصر الثاني يتميز بالتناقد والجمود. والدليل، أن شكسبير وميلتون في أعمالهما القصصية، اتفقا مع منطق السيد بروك على أن الرهبة هي الأفضل، تلك التي يغلب عليها الغموض، وعدم اليقين بالرعب. وقد أشاد روائيو القرن الـ18 بأن رادكليف رائدة فن الارهاب، وأن لويس رائد الرعب».
ومع حلول القرن الـ19، طرأ على قصة الرعب بعض التغييرات نظراً لتغيرات العصر، لتظهر المؤثرات الحديثة مثل التليفزيون عن طريق عرض الأفلام والمسلسلات وأفلام الكرتون، وأيضاً من خلال ألعاب الكمبيوتر. وقد نقل لنا الكاتب والشاعر الكبير «إدجار الان بو» الرابط القريب بين قصة الرعب والقصة التي تعتمد على الاستقصاء والتحري. وأضاف عنصر التحليل النفسي المعقد وشعور اللاوعي، والتراكيب، والإصرار على توحيد النغمة والأجواء النفسية للقصة. لتصبح القصص الشبحية الأكثر شيوعا مع حلول القرن الـ20، وربما يمكن تفسير ذلك باعتبارها وسيلة للتعبير عن أهوال الحرب العالمية الأولى والدمار، والاشمئزاز. وقد تبعت بعض الخطى مثل البراءة والخبرة، وتشكيك البطلة في حبيبها أو زوجها، وعادةً ما كان يكبرها بمراحل ويكون أكثر منها ثروة وخبرة مما يؤدي الى الجريمة.
ومن المتفق عليه أن قصص الرعب (Gothicism) متصلة بعصر الرومانسية، كما أن كتّاب القرن الـ18 وصفوها الطريق إلى الرومانسية لاحتوائها على عناصر من الرومانسية من القيم الجمالية والشعورية والسامية والتطرق الى خيال القارئ. ومن أبرز كتاب الرومانسية الذين ظهروا في هذا المجال سامويل تايلور كوليريدج في (Christable)، و(Lord Byron)، وجون كيتس في (The EvE of Agnes)، ولم تخل الحلقة من سير والترسكوت، وشارلوت وإيميلي برونتي، وأخيراً جوزيف كونراد في عمله قلب الظلام (Heart of darkness).
وجاء ويليام فالكنر في رائعته الإبداعية «وردة إلي لأيميلي» (A Rose for Emily) 1930. وقد غلب عليها طابع الرعب والغموض، مفتتحا قصته بموت إيميلي جريرسون (بطلة القصة)، وقيام أهل المدينة بتشييع جنازتها. واكتملت القصة بكل العناصر الأساسية التي تحقق الرعب والرهبة، حينما استخدم فالكنر عنصر «الزمن»، وتقع أحداث القصة في زمنين مختلفين، الحاضر والماضى وهذا يعتبر صراع الأزمنة. وعنصر «المكان»، وهو بالطبع قصر إيميلي والذي حاز فضول الكثيرين من أهل المدينة ليروا ما بداخله. وهو أشبه بالخراب وبقايا الأطلال ويكسوه الغبار في كل مكان، بالإضافة الى الرائحة النتنة التي كانت تفوح منه كلما دنا منه احد. وبشهود من رأوا البيت أكدوا أن البيت تحيطه الكآبة. بالإضافة الى المفاجأة التي وجدوها بعد موتها، بأن هناك غرفة مغلقة، بها نقوش مثل القبر، ويوجد بها تابوت، وقد وجدوا فوقه جثة رجل محنطة، وعليه وردة. اتضح في ما إنه كان خطيبها، وأنها قد قتلته حفاظاَ، على حبها لأطول فترة ممكنة.
والعنصر الثالث هو «الأجواء»، وقد تمكن فالكنر من الحفاظ على شعور القراء، ووضعهم في قالب الخيال والرعب طوال أحداث القصة. وأنهى فالكنر قصته، بنفس افتتاحيته للقصة، وهو مشهد موت إيميلي، وسير أهل المدينة لتشييع جنازتها.
كاتبة ومترجمة مصرية
منذ أقدم العصور وحتى الآن، مازالت قصص الرعب والرهبة (Gothic Fiction) تقص علينا، رغم اختلاف مسماها مع مرور الوقت، نظراً لاختلاف الأفكار وتطور الأساليب، وقد تبدل مسماها في الأدب التقليدي لتعرف الآن باسم قصص «الإجرام». ويتمثل هذا النوع من القصص في الأماكن المغلقة مثل القلاع، والأديرة، والقصور قاتمة الظلام، ويغلب عليها مشاهد الخراب والأطلال، ويجسد بها أيضاً أدوار الاضطهاد وقسوة المعاملة ومشاهد الدماء. وأول عمل انجز وبرزت فيه هذه العناصر، قصة « قلعة أورانتو» (1964) للسياسي والكاتب والفنان المعماري حورس ويلبول، والتي أصدرت فيما بعد في 150 طبعة. وقد احتوت على الكثير من مشاهد الأشباح، والتماثيل الحية، وغموض الأحداث، والكرب، ونجحت القصة في إظهار شعور الرعب والرهبة لدى القراء. من خلال واقعها الغريب، حيث ان ويلبول نشر القصة مجهولة المؤلف خوفاً من السخرية وإنها لن تلاقي نجاحاً. وتحكي قصة الأبطال في صور غامضة ومشوقة، فهناك «مانفريد» طاغي الكنيسة، وزوجته المخلصة «هيبوليتا»، وابنه «كونراد» (الذي قتل بطريقة مآساوية، بواسطة خوذة سوداء علي رأسه)، و«إيزابيل» التي كانت مخطوبة إلى لكونراد، ثم احبت مانفريد ولكنها في النهاية تزوجت شخصا آخر يدعى «ثيودري»، الشخص المجهول طوال القصة، وقد عرفت هويته في النهاية على انه الأمير الشرعي لفيتشنزا».
وأهم من مارس هذا النوع بإتقان وبراعة، الكاتبة المبدعة آن رادكليف (Ann Radcliff). كما انها أضافت للرواية عنصر الإثارة والتشويق، وعبرت عن الحالات النفسية، وحالات الهلع، والشر، وروعة المناظر الطبيعية، برسمها المعبر. ومن أروع ما كتبت، رواية «الصقلية الرومانسية» (1790)، و«أسرار أدولفو» (1794)، و«الايطالي» (1797)، وكانت لديها القدرة على فتن وجذب القارئ. وتأثراً منها بالكاتب الألماني صاحب الإثارة والرعب ماثيو لويس، الذي كتب «الراهب» (1796)، وتروي قصة الراهب إمبريسيو الذي تبع شهواته، حيث تنقل به لويس من مشهد إلى آخر في عمليات الاغتصاب، ودفن الأحياء حتى موتهم داخل قبورهم بشكل دموي، كما أن هذا العمل قد حقق نجاحاً ملحوظاً ومثيراً للجدل. وهناك رواية آخرى « الايطالي» للكاتبة رادكليف، وتقص أيضاً قصة راهب يتسم بافتعال الشر والتفنن في أمورالتعذيب، لإظهار كيفية تحقيق كتابة رواية تحتوي على عناصر الإرهاب والإثارة.
وقد أوضحت رادكليف من خلال عملها غير المكتمل نظراً لوفاتها وهو «الطبيعة في الشعر»، بأن رواياتها تميزت بعنصر الرهبة، في الوقت الذي أثبت فيه لويس إنه تميز بعنصر الرعب، وهذه بعض الكلمات التي جاءت في كتابها: «الرهبة والرعب عنصران لا يتفقان، علي أن العنصر الأول يمس الروح مباشرة، ويوقظ الإدراك الشعوري الى أبعد الحدود، والعنصر الثاني يتميز بالتناقد والجمود. والدليل، أن شكسبير وميلتون في أعمالهما القصصية، اتفقا مع منطق السيد بروك على أن الرهبة هي الأفضل، تلك التي يغلب عليها الغموض، وعدم اليقين بالرعب. وقد أشاد روائيو القرن الـ18 بأن رادكليف رائدة فن الارهاب، وأن لويس رائد الرعب».
ومع حلول القرن الـ19، طرأ على قصة الرعب بعض التغييرات نظراً لتغيرات العصر، لتظهر المؤثرات الحديثة مثل التليفزيون عن طريق عرض الأفلام والمسلسلات وأفلام الكرتون، وأيضاً من خلال ألعاب الكمبيوتر. وقد نقل لنا الكاتب والشاعر الكبير «إدجار الان بو» الرابط القريب بين قصة الرعب والقصة التي تعتمد على الاستقصاء والتحري. وأضاف عنصر التحليل النفسي المعقد وشعور اللاوعي، والتراكيب، والإصرار على توحيد النغمة والأجواء النفسية للقصة. لتصبح القصص الشبحية الأكثر شيوعا مع حلول القرن الـ20، وربما يمكن تفسير ذلك باعتبارها وسيلة للتعبير عن أهوال الحرب العالمية الأولى والدمار، والاشمئزاز. وقد تبعت بعض الخطى مثل البراءة والخبرة، وتشكيك البطلة في حبيبها أو زوجها، وعادةً ما كان يكبرها بمراحل ويكون أكثر منها ثروة وخبرة مما يؤدي الى الجريمة.
ومن المتفق عليه أن قصص الرعب (Gothicism) متصلة بعصر الرومانسية، كما أن كتّاب القرن الـ18 وصفوها الطريق إلى الرومانسية لاحتوائها على عناصر من الرومانسية من القيم الجمالية والشعورية والسامية والتطرق الى خيال القارئ. ومن أبرز كتاب الرومانسية الذين ظهروا في هذا المجال سامويل تايلور كوليريدج في (Christable)، و(Lord Byron)، وجون كيتس في (The EvE of Agnes)، ولم تخل الحلقة من سير والترسكوت، وشارلوت وإيميلي برونتي، وأخيراً جوزيف كونراد في عمله قلب الظلام (Heart of darkness).
وجاء ويليام فالكنر في رائعته الإبداعية «وردة إلي لأيميلي» (A Rose for Emily) 1930. وقد غلب عليها طابع الرعب والغموض، مفتتحا قصته بموت إيميلي جريرسون (بطلة القصة)، وقيام أهل المدينة بتشييع جنازتها. واكتملت القصة بكل العناصر الأساسية التي تحقق الرعب والرهبة، حينما استخدم فالكنر عنصر «الزمن»، وتقع أحداث القصة في زمنين مختلفين، الحاضر والماضى وهذا يعتبر صراع الأزمنة. وعنصر «المكان»، وهو بالطبع قصر إيميلي والذي حاز فضول الكثيرين من أهل المدينة ليروا ما بداخله. وهو أشبه بالخراب وبقايا الأطلال ويكسوه الغبار في كل مكان، بالإضافة الى الرائحة النتنة التي كانت تفوح منه كلما دنا منه احد. وبشهود من رأوا البيت أكدوا أن البيت تحيطه الكآبة. بالإضافة الى المفاجأة التي وجدوها بعد موتها، بأن هناك غرفة مغلقة، بها نقوش مثل القبر، ويوجد بها تابوت، وقد وجدوا فوقه جثة رجل محنطة، وعليه وردة. اتضح في ما إنه كان خطيبها، وأنها قد قتلته حفاظاَ، على حبها لأطول فترة ممكنة.
والعنصر الثالث هو «الأجواء»، وقد تمكن فالكنر من الحفاظ على شعور القراء، ووضعهم في قالب الخيال والرعب طوال أحداث القصة. وأنهى فالكنر قصته، بنفس افتتاحيته للقصة، وهو مشهد موت إيميلي، وسير أهل المدينة لتشييع جنازتها.
كاتبة ومترجمة مصرية