انتشار ظاهرة التصوير مع الفقراء لدى التصدّق عليهم ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي

إذلال الفقير وتحطيم نفسيته... كارثة أخلاقية

تصغير
تكبير

الكويتيون عُرِفوا قديماً بصدقة السر وما كانوا يُؤثرون العلانية

إخفاء الصدقة إحسانٌ وإعلانُها كسرٌ لقلب الفقير وإذلالٌ ومهانة

الحرص وبسعادة على الظهور بموقف الاستعلاء والتفضل على الفقراء وقوع في المحظور

هؤلاء المتصدقون يلتحفون بثوب الرياء والإعجاب بالنفس والمباهاة لكسب المتابعين وتحقيق الشهرة

الفقير لن يموت جوعاً ولكنه قد يموت قهراً وألماً بتحطيم نفسيته

البعض يجمع تبرعات ويلعب دور المتصدّق في نشر صوره مع الفقراء بلا رقابة



 نطرح اليوم موضوعاً مهماً جدًا يتعلق بالصدقة والإنفاق على الفقراء والمحتاجين، والتي خالطتها في السنوات الأخيرة شهوة النفس بالشهرة، وهوس الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي عند البعض. ولابد أن نشير هنا أنّ الكويتيين عُرفوا قديماً بصدقة السر، وما كانوا يؤثرون صدقة العلانية، فما الذي حدث؟ لماذا تغيرت بعض النفوس، وطمعت في الشهرة. دعونا نستفتح موضوعنا بقول الله عزّ وجل وقوله الحق: «إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم». ويقول تبارك وتعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
وهنا إشارة واضحة إلى نوعين من الصدقة، هما: صدقة السر وصدقة العلانية، ولاشك أن الصدقة من أعمال الخير المحببة لله عز وجل، ولها أثر كبير جدا في حياة المسلم. ولننظر إلى قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وقوله أيضاً: «صدقة السِّر تُطفئُ غضب الرب».
ونتبين يقينا بأهمية صدقة السر، ومكانتها العظيمة عند الله عز وجل، ونلحظ تقديمها على صدقة العلانية، وهنا نقول: ما أعظم إخفاء الصدقة، حيث إنّ فيها خيراً للمتصدق لأنها أقرب إلى الإخلاص، وفيها خير للفقير،لأن فيها احتراما لمشاعره ونفسيته وكرامته، وإذا كانت الصدقة للفقير إحسانا، فإن إخفاءها إحسانٌ آخر، لأن إعلانها يُعرّض الفقير للمذلة والإهانة، وفيها كسرٌ لقلبه، وجرح لمشاعره، وتحطيم لنفسيته، فإنْ كان المتصدق يفعل ذلك لوجه الله عزّ وجل، ويبتغي الآخرة، فلماذا ينصرف اهتمامه إلى عرض عمله الخيري هذا للناس بتصويره؟ ولماذا يجبر الفقير على التصوير معه مع فرض الابتسامة عليه، ومن ثم يعرض الصور والفيديوات بوسائل التواصل الاجتماعي؟ إنه عمل غريب من نوعه، حيث تتداخل المشاعر بنشوة التكبر على الفقير، والاستهانة بمشاعره ونفسيته، ولاشك بأننا نلاحظ وقوع البعض في شبهة الرياء وحب الظهور وكسب السمعة عند تصدّقهم على الفقراء والمحتاجين، وقد انتشرت كما أشرنا سابقا في السنوات الأخيرة ظاهرة نشر صور وفيديوات لهؤلاء الفقراء والمحتاجين في وسائل التواصل الاجتماعي في لحظة تسلمهم للصدقات العينية والمادية منهم، وأحيانا نرى فيديوات يتم فيها تصوير بعض المتشردين في الشوارع أو المرضى النفسيين الذين يفتقدون توازنهم النفسي، أو كبار السن ممن أصيبوا بفقدان الذاكرة، وحين نمعن النظر في ملامح وجوههم فإننا نلتقط نبضات الشعور بالألم والإهانة التي تتراءى في عيونهم، فأكثرهم يرضخون لرغبة المتصدق بالتصوير تحت ضغط الحاجة والفقر والعوز، مقابل الحصول على الصدقة المالية أو العينية، وهي في حقيقتها مشاهد مؤلمة للغاية، تؤثر في النفس، وتولد فيها الشعور بسطوة انتفاخ الأنا.
ونتساءل هنا: ماذا لو تبدّلتْ أحوال هذه الفئة من المتصدقين، وأصبحوا مُعدمين ماديا، واحتاجوا لعون الغير، هل سيقبلون بتصويرهم وهم يتسلّمون الصدقات العينية أو المالية؟ وهل سيتقبلون مشاهدة صور وفيديوات بوسائل التواصل الاجتماعي يظهرون فيها وهم تحت ضغط الفقر؟ والسؤال الثالث والأخير: لماذا نقبل للفقراء ما لا نقبله لأنفسنا؟ ونضيف هنا أمراً مهما يتجلى فيه رأي العلماء الذين أكّدوا أنّ الذي يُخفي صدقته حين التصدّق بها ولا يُرائي الناس بها هم من الذين يظلهم بعرشه يوم القيامة. إن الحرص وبسعادة كبيرة على الظهور بالصور والفيديوات بموقف الاستعلاء والمِنة والتفضل على الفقراء والمحتاجين هو وقوع في المحظور، حيث يلتحف هؤلاء المتصدقون بثوب الرياء والإعجاب بالنفس والمباهاة من أجل كسب المتابعين ولتحقيق الانتشار والشهرة. ولعلنا ندرك بأن عشق العمل الخيري، وحب التصدق يتنافى تماماً مع إكراه الفقير والمحتاج على أخذ صورة له أو لقطات فيديو تهزم مشاعره وتخدش كرامته، وتفضح فقره وعوزه. يقول الله عزّ وجل وقوله الحق: «قوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذى».
ومن اللافت للانتباه ظاهرة انتشار بعض المجموعات الشبابية التي لا تخضع لرقابة أو إشراف من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنها من اتخذ من «الانستغرام» و«التويتر» و«الفيس بوك» وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي مقراً لها، وقد تفاوتت مقاصدهم، ولكنهم بشكل عام يجمعون التبرعات من المحسنين بغير مراقبة حكومية، ولا نشكك في مقاصد البعض، ولكن منهم من يعكس كارثة أخلاقية بإجبارهم للفقراء والمحتاجين بنشر صورهم وبعض الفيديوات المصورة لهم التي يتم إنتاجها وعمل إخراج مأسوي لها بمصاحبة آهات مقامات الصبا الموغلة في الحزن لكسب تعاطف المشاهدين لجمع مزيد من التبرعات، ولا نعمم هنا كما أسلفنا، ولكننا بلاشك رصدنا أن البعض يتطلع لكسب الشهرة، وإشباع رغبته بحب الظهور هوسا وإعجابا بمدح الآخرين له ولفعله، ولكسب المتابعين في حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي. ونوضح هنا أننا نقدر كثيراً هِمّة بعض الخيّرين من الشباب والمتطوعين في مجال الخير، فالتذكير بالخير والحث عليه أمر جميل، فالدال على الخير كفاعله، ولكن المسألة تحتاج إلى تقنين ومتابعة ومراعاة إنسانية ونفسية للفقراء، فقد اختلط الأمر بضياع القانون هنا، وغياب الرقابة لأن هناك من استغل الوضع استغلالا خطيراً يحتاج إلى وقفة قانونية جادة،. ونعرف جميعا وبلاشك أن الفقير قد لا يموت جوعاً، ولكنه قد يموت قهراً وألماً بتحطيم نفسيته. وهنا نقول علينا أن نسأل أنفسنا دائما: هل أنا أتصدق لله عز وجل أم ليراني الناس؟ والجواب يتلوه الفعل بلاشك، فتتولد صدقة السر أو صدقة العلانية، والأخيرة انحرفت عن مقصدها ومفهومها في قول الله عز وجل في أذهان البعض.
 ولنا هنا وقفة مع الرأي الشرعي في مسألة صدقة السر وصدقة العلانية مع الشيخ عثمان الخميس: «يتصدق الانسان سرا وعلانية، ولكن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية، وقد ذُكِر عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه كان ينفق على أربعين بيتاً في المدينة دون علمهم، فقد كان يخرج في آخر الليل، ويضع الصدقات عند أبواب بيوتهم، وقد عرف الناس أنه من فعل ذلك حين مات، حيث انقطعت عنهم الصدقات، فلاشك أن صدقة السر هي الأعظم، وهي أبعد عن الرياء والسمعة والمن والأذى، وتجوز العلانية في الزكاة مثلا كالمبادرة لتحقيق المصلحة، وإن لم يكن هناك مصلحة، فالأصل هو السر، كما أن العلانية تحتاج لانسان عوّد نفسه على الصدقة، فاستقامت نفسه، ومع ذلك هو يتصدق بالسر، لذلك استحب أهل العلم أن يتصدق الإنسان عن طريق وكيل، وهذا أدعى إلى الإخلاص، وأبعد عن المن والأذى».
 ومن جانبه يقول الشيخ صالح المغامسي: «مما ينال به رضوان الله تبارك تعالى صدقة السر، فإن لصدقة السر أثراً حتى في خاتمة الإنسان، وقد قدم الله صدقة السر على صدقة العلانية، فعلى الإنسان أن يتوخى رجلاً فقيراً مسكيناً ذا حاجة فيعطيه من غير أن يعرفه، والحالة الثانية أن يتصدق الإنسان لوجه الله عز وجل، فمثلا ترى رجلاً فقيراً، فتجعله يعمل عندك، وأنت غنيٌ عنه، ولست بحاجة له، ولكنك تعطيه فوق مايستحق، دون أن يعلم أنها صدقة، ودون أن تجرحه، وهذه منزلة رفيعة يُوفَّق لها الصالحون».
وهكذا نختم حديثنا حول الصدقة بدعوة صادقة بتجنب المن والأذى النفسي، ونتمنى حفظ كرامة الفقراء، وعدم قهر مشاعرهم وإذلالهم.
اللهم ارحم فقيرا يتألم ولا يتكلم، اللهم اهدنا جميعا إلى طريق الحق، ورقق قلوبنا للفقراء والمحتاجين، واصرف عنا شهوات الدنيا.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي