تحقيق / الجندي اللبناني سأل «ماذا جئتم تفعلون هنا»؟ والأرملة هتفت «ابتعدوا لا تصوروا»
عين الحلوة بعيدا من السياسة... «عين» حزينة وخوف وحلم بالعودة يكاد يصير وهما
منقبة في المخيم
الحقيبة و... نانسي
مياه بـ ... القطارة
زواريب سلحفاتية
|بيروت - من دارين صالح|
على بعد نحو 300 متر من حاجز الجيش المكلف حماية أمن مخيم عين الحلوة من الجانب اللبناني، وقفنا ضمن خط طويل من السيارات الخاضعة للتفتيش. كان الظهر لم يحن بعد عندما وصل دورنا، فتشوا السيارة، ركناها جانبا في انتظار رد بالدخول. باصات مدرسية تقل طلابا الى منازلهم خارج المخيم الفلسطيني الاكبر في لبنان، والذي يقع على اطراف مدينة صيدا.
طرق ضيقة، من المؤكد أنه لم يطرأ عليها أي تعديل أو تحسين منذ شقها للمرة الاولى. أشكال عمودية من الباطون تشكل منازل اللاجئين تلوح لنا من بعيد. عيون نساء مكحلة بالحزن والتعب والمرض، يصطحبن أطفالهن للتبضع من الاسواق المحيطة بالمخيم. قوافل من الأطفال المحملين بشنطهم المدرسية يمشون جماعات منظمة وسط الزواريب والطرق المكسرة يتسايرون ويغنون. عمال رجال قرب أبواب محلاتهم يعقدون حلقات يدخنون النارجيلة يعزفون على علب حديد صدئة يستذكرون على أنغامها أغاني ثورية. أوساخ ونفايات تغزو الطرق. أبنية مهدمة مغطاة بألواح «الأترنيت». مشاهد ان دلت على شيء فعلى حالات الفقر التي يعيشها سكان أكبر المخيمات الفلسطينية اللبنانية مساحة وسكانا، مخيم عين الحلوة.
«شو جايين تعملوا هون»؟ سؤال طرحه علينا جندي من الجيش اللبناني وهو يرد لنا بطاقات هوياتنا. نظرنا باستغراب الواحد الى الآخر. أدرنا محرك السيارة وتقدمنا بضعة أمتار. استوقفنا الحاجز الفلسطيني المسلح يطلب هوياتنا أيضا. لم نشعر بالرعب رغم كل تلك القصص والأحداث المفاجئة التي يشهدها مخيم عين الحلوة منذ مدة، عين المرارة الفلسطينية والمأساة الصحية والإجتماعية.
ركنا السيارة ورحنا نسير في الأحياء والزواريب الصغيرة للمخيم الذي تعرض للقصف والدمار مرات عدة محافظا على مساحته الأصلية الكيلومتر الواحد. 70 في المئة من أبناء مخيم عين الحلوة يعانون البطالة، أما النسبة المتبقية من السكان فتعيش تحت خط الفقر. أرقام صادمة لكنها واقعية، نراها نلمسها ونشمها في كل خطوة وجزء من أجزاء عين الحلوة المتسع عموديا في غياب أساسات متينة تتحمل ثقل هذا البناء المتزايد. من بوابة حديدية صغيرة دخلنا حي «أوزو» الذي يحوي ما يقارب ثلاثمئة نسمة من مهجري مخيمي تل الزعتر والنبطية. الحي عبارة عن زاروب ضيق طويل تتشعب منه زواريب أقل طولا، يعبق برائحة المجاري القوية، تحوط بجانبيه غرف صغيرة تشبه الزنازين، يتسرب إليها نور الشمس من باب وطاقة صغيرة. غرف مصفوفة بعضها فوق بعض لا شك ان ساكنيها يغرقون بماء المطر في فصل الشتاء على رغم ارتفاع عتبات البيوت عن مستوى سطح الأرض سنتيمترات تقارب العشرة، ووجود مصارف ماء مكشوفة يقع صغار الحجم من الأطفال فيها بسهولة. دفعتني حشريتي للنظر عبر قضبان النافذة واذ بحال من الفوضى والعشوائية وعدم النظافة والترتيب تلم بأهل المكان المكونة أسرته من أم وأب وأربعة أولاد. تل ملون كونته الألبسة المهترئة والبالية يعلو وسط الغرفة تحوط بجنباته فردات أحذية تطايرت أجزاء منها من جيل إلى جيل.
الحديث عن شكل الحياة داخل المخيمات الفلسطينية الاثني عشر المنتشرة في لبنان من أقصاه إلى أقصاه، لا يقتصر فقط على تناول الأوضاع والمتغيرات السياسية للمنظمات والفصائل والحركات الفلسطينية المختلفة، ومدى تأثيرها وتأثرها بالمناخ السياسي المتقلب وغير المحدد المعالم الذي يسيطر على الأجواء اللبنانية، العربية، والإقليمية، بل يحتاج إلى إعلان حال طوارئ سريعة لانتشال الناجين من سوء الأحوال الاجتماعية والصحية والبيئية لأبناء تلك المخيمات من جهة، وكشف أسرار تميز الفنانين الفلسطينيين الكبار الذين عاشوا فيها من جهة أخرى.
إبداع ناجي العلي، الذي تخطت رسومه الكاريكاتورية حدود الحلوة لتصل إلى كل العالم ومنها شخصية «حنظلة» الذي تحول رمزا لنضال الشعب الفلسطيني المشتت، إشارة إلى أن مدرسة الحياة المرة والبائسة في مخيم عين الحلوة الذي يمتد على مساحة كيلومتر واحد على أطراف عاصمة الجنوب اللبناني صيدا، أنتجت وتنتج إبداعا. المخرجون محمد إبراهيم، محمود غزعل، محمد السيد، محمد الطملاوي، الممثلة ومصممة الدبكات الفلكلورية حورية الغار، الأعضاء في المجلس الوطني سميرة صلاح وآمنة جبريل... أسماء فلسطينية معروفة انطلقت أيضا من مخيم عين الحلوة، بعيون تبشر ان المآسي التي يعيشها نحو 70 ألف نسمة من اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948 بأكثرية سكانية من الجليل الأعلى قادرة على العطاء الفني والاجتماعي رغم كل الظروف المعيشية السيئة المسيطرة على طاقاتهم.
في حي أوزو اقتربنا من إحدى النساء الحزينات المكللة بالسواد ربما على فقدان قريب. كانت تجلس على طبلية تحضر بعض الحاجات المنزلية في بقعة لا تتعدى المتر المربع. ما ان نظرنا إليها راحت تصرخ: «ابتعدوا من هنا لا تصوروا، بكفي يلي نحنا فيه».
تراجعنا وتابعنا المسير وإذ بصوت رجالي يدعونا للحديث إلى زوجته. لبينا النداء ودخلنا غرفتهم الصغيرة. في الغرفة سرير خشبي تعلوه فرش نوم مرتبة، تتفرع منها غرفة أصغر حيث المطبخ والحمام. تقول الزوجة هيفاء: «هربت وزوجي وأطفالي الأربعة إلى الحلوة من البارد بعيد الأحداث الدموية التي تعرض لها الأخير، وكما ترين الغرفة تعكس حالنا لكن ليس باليد حيلة نحن فقراء وهذه قسمتنا».
من زواريب أوزو الضيقة والمعتمة خرجنا من باب حديد آخر إلى الطريق الأوسع مساحة وإنما الأسوا حالا. حفر ومطبات ونفايات وخرضوات لاحت تحت نور الشمس وبرزت أدق تفاصيلها المزرية. سرنا في الطريق باتجاه مجهول نبحث عن عيون حلوة علها تفرح قلوبنا التي تقلصت شرايينها كتقلص عرض الطرق التي سلكناها. قوافل البنات العائدات من إحدى مدارس المخيم الثلاث عشرة تلاحقنا وتنادينا بأسماء غريبة تطلب إلينا تصويرها. امسكت زينة بثوبي وشدته بعنف لأتوقف. «لماذا تريدين أن تتصوري؟» سألتها وأنا أراقب عينها البنيتين الضاحكتين، فقالت: «حتى صير مشهورة بكرا بتنشروا صورتي بالمجلة وبصير متل يلي بحطوا صورن بالمجلات». لحظات وصرت في وسط مجموعة من البنات اللواتي لا تتجاوز أعمارهن عشر سنوات يرتدين مريولاتهن الأزرق، وعلى ظهورهن شنط مدرسية غير ثقيلة. أين الصبيان؟ قلن: «أكثرية الصبيان يذهبون إلى المدرسة في دوام بعد الظهر».
على رغم أن في عين الحلوة ثلاث عشرة مدرسة ابتدائية وثانوية واحدة تابعة للأونروا ومعهدان تطبيقيان واحد للأونروا وآخر للنروج، تراوح نسبة الأمية اليوم في المخيم بين 4 و5 في المئة وقد تصل خلال السنوات المقبلة إلى العشرة في المئة لاسباب عدة منها: تدهور الظروف الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين واضطرارهم إلى إخراج أولادهم من المدارس لمعاونتهم في سد تكاليف الحياة المتزايدة، غياب الحافز والدافع للتعلم لدى الجيل الجديد خصوصا بعد منع الفلسطينيين من السفر إلى معظم دول العالم إضافة إلى القوانين المجحفة المطبقة بحقهم، السياسة التعليمية التي تتبعها مدارس الأونروا المدعومة وهي رفع كل الطلبة الراسبين إلى صفوف أعلى لعدم قدرة صفوفها على استيعاب العدد المتزايد من الطلبة من جهة ولعدم اتخاذها قرار بناء مدارس جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من الطلبة من جهة أخرى، قلة الدعم لقطاع التعليم من معظم الفصائل الفلسطينية المنتشرة في عين الحلوة.
قد يكون التدريس بدوامين في بعض مدارس المخيم خطوة إيجابية للطلبة الذين يعيشون تحت خط الفقر والمرغمين على إعالة عائلاتهم، لكنه بالطبع غير كاف. حسن الحاج (14 سنة) يعمل في محل خرضوات قبل الظهر لقاء بدل يومي قدره خمسة آلاف ليرة لبنانية لا غير. بينما يتابع دراسته بعد الظهر أملا في السفر وتحسين وضع عائلته الاقتصادي بعد تخرجه من المدرسة. أما بسام محمد (16 سنة) الذي التقيناه يلعب البليار في أحد محلات اللهو، فاضطر قسرا إلى ترك المعهد بعد وفاة والديه في حرب يوليو 2006 في لبنان. بسام الذي يعيش في منزل عمه يقصد هذا المحل يوميا مع شبان من فئته العمرية للترويح عن أنفسهم في ظل قلة أماكن اللهو والتسلية المتوافرة في المخيم واقتصارها على «ألعاب الكمبيوتر» و«البلاي ستيشن» و«البليار» و«الفوتبول».
بلغنا احدى الأسواق الضيقة التي بالكاد تصنف رصيف مشاة في أي منطقة صغيرة. قلة من المارة تتبضع من محال السمانة والبقالة واللحوم لتحضير وجبات غذاء عائلاتهم اليومية. صالونات حلاقة رجالية شبه فارغة مكشوفة الزجاج وأخرى نسائية في الطبقات العلوية ملفوفة بالبرادي في مجتمع يضم العديد من الجماعات الدينية الأصولية. عجقة سير في الاتجاهين المندمجين لسيارات غالبيتها قديمة ولا تصلح للسير في مناطق تطبق فيها قوانين السير، تتزود الوقود من ثلاثة صهاريج بنزين موزعة في مناطق سكانية متباعدة من المخيم. سنترالات للاتصالات الدولية لتواصل أهل المخيم المقيم مع أقاربهم وأبنائهم المهاجرين في معظم دول العالم. مراكز لترجمة مستندات الهجرة إلى دبي وأبو ظبي للعمال وإلى ألمانيا لجمع شمل العائلات. محلات لبيع بدلات العرس وفساتين الخطبة والسهرة التي اصفر وبهت لونها من تعرضها للشمس فترة طويلة.
ألف ليرة سعر استخدام ساعة الانترنت وأربعون ألفا رسم الاشتراك الشهري إلى المنزل. براد سميكة تفصل أجهزة الكمبيوتر بعضها عن بعض للحفاظ على السرية والحميمية أثناء الحديث مع الآخرين المختبئين خلف الشاشة. فكرة ابتكرها أصحاب محال الكمبيوتر لمنع زبائنهم من التلصص على خصوصيات بعضهم البعض. صور قادة فلسطينيين ولافتات تحمل شعارات حماسية تحفز المسلحين المنتشرين بجهوزية كاملة في الحواري وأمام مراكز القادة والفصائل الفلسطينية على اطلاق النار عند إضاءة الضوء الأخضر. دراجات نارية مزودة بسلة خلفية لنقل مطرات مياه الشرب والنارجيلة والأغراض إلى البيوت في الحواري الضيقة والصغيرة المكسرة طرقها، أحيانا مجانا ولقاء بدل زهيد مرات عدة. شبكة هاتف داخلية خاصة مجانية تصل أبناء عين الحلوة بعضهم ببعض. لا تكاليف مادية لقاء استهلاك التيار الكهربائي الذي يغطي كل المخيم. خمسة جوامع ومصلى واحد يفسح المجال أمام أبناء المخيم المقيمين المسلمين بغالبيتهم لاقامة فرائضهم وواجباتهم الدينية. شبكة مياه مهترئة أقامتها اليونيسيف منذ قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م أما الآبار والخزانات المتوافرة فغير كافية لتغطية حاجات المخيم، فيما الفلاتر المخصصة لتصفية المياه من الشوائب معظمها غير مجد.
تقول منى العاملة في أحد مراكز خدمات طلبات السفر: «تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة الدولة الخليجة الوحيدة التي تستقبل طلبات توظيف لاستقدام عمال فلسطينيين للعمل في الصحراء بأجر شهري يبلغ أربعمئة وخمسين دولارا للعازبين وستمئة وخمسين دولارا للمتزوجين، أما عمال البحر فيزيد أجرهم على سبعمئة دولار يضاف إليها مبلغ متواضع عن ساعات العمل الإضافية»، وعن كلفة طلبات العمل تضيف منى «تصل إلى أربعمئة دولار أي ثلثي الراتب، يتحمل أعباءها بالكامل طالب الوظيفة». أما هند صاحبة محل بيع بدلات الأعراس فتعزو ابتعاد الناس عن إقامة حفلات عرس إلى اسباب عدة أولها عدم استقرار الوضع السياسي والأمني للمخيم الذي يضم فئات سياسية فلسطينية متناقضة ومتناحرة قد تتعارك في أي لحظة ومن دون إذن من أحد، كما حصل قبل أيام، حين أطلقت النار في أحد الأعراس فتحولت الفرحة غصة في قلوب المدعوين. السبب الثاني هو تدهور الأحوال الاقتصادية والمالية الذي يضطر العروس إلى استعارة فستان زفافها من أحد اقاربها أو معارفها توفيرا لمبلغ مئتي دولار وهو ثمن شراء بدلات العرس السورية الصنع». ثم تضيف «قبل حرب يوليو 2006 كانت سوق الأغراض المتعلقة بحفل العرس ناشطة خصوصا ان الشباب المهاجرين كانوا يأتون في فصل الصيف للارتباط، أما اليوم فصاروا يخشون النزول إلى لبنان بسبب السياسات والقوانين المشددة المفروضة على حركة تنقل الفلسطينيين في الدول العربية عموما، إلى جانب قلة الرواتب والغلاء المعيشي المتصاعد إلى المجهول يوما بعد يوم».
الروائح الكريهة التي تلاحقنا أينما ذهبنا داخل عين الحلوة تنبعث من شبكات الصرف الصحي القديمة الممدودة منذ نشوء المخيم في أربعينات القرن الماضي، والتي لم تشهد أي تعديل أو تطوير يتناسب وحجم الزيادة السكانية والعمرانية الآخذة بالارتفاع عموديا بغض النظر عن حال البنى التحتية، ما أدى إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بأنابيب مياه الشرب.
مكبات النفايات التي وضعتها الأونروا قرب مداخل المخيم لاستيعاب نفايات سكانه ومحاله وورشه الصناعية الصغيرة وغيرها لا تكفي وتحولت تلالا من النفايات المرتفعة تشكل خطرا بيئيا وصحيا على البيئة المحيطة عموما وأهل المخيم خصوصا. أما مسؤولية الحفاظ على النظافة الداخلية للشوارع والزواريب والطرق المنتشرة الأوساخ في معظمها أمام بيوت سكانها فيجب أن تتوزع على الجميع وليس على الأونروا فقط كما أكد بعض الذين صادفناهم.
عشرون في المئة من سكان عين الحلوة يعملون في وظائف خارج المخيم من دون أي ضمانات أو مساعدات اجتماعية وصحية وبأجر يبلغ مئتين وخمسين ألف ليرة لبنانية، نتيجة قلة الأعمال المتوافرة في المخيم الذي يزداد عدد سكانه في شكل سريع نتيجة ارتفاع نسبة الولادات فيه، بحيث يبلغ المعدل الوسطي لعائلاته خمسة أفراد(أم وأب وثلاثة أولاد). انها قلة التوعية وارتباط قضية تحرير فلسطين بعدد السكان المتزايد للتغلب على العدو.
معرض التراث الفلسطيني الدائم، مشغل يدوي يعرض أشغالا من صنع النساء المقيمات في المخيمات الفلسطينية لدعمهن ماديا عبر بيع أشغالهن التراثية والمستحدثة التي تراعي أذواق الجيل الجديد داخل مراكز المعرض الدائم أو عبر المشاركة في المعارض المختلفة. وفاء أحمد المسؤولة عن التسويق في المعرض تقول: «ان المردود المادي للجزء الأكبر من بيع الأعمال التي نسوقها يعود لدفع بدل مادي للنساء اللواتي يحتجن الى هذا المال لإعالة عائلاتهن، أما الجزء المتبقي فيعود لإعادة شراء بضائع ومواد أولية باب أول لإنتاج أشغال ذات نوعية وجودة عالية. لكن ارتفاع أسعار المواد الأولية أدى تلقائيا الى زيادة في أسعار الأشغال ما أدى إلى تراجع المبيعات».
أبو فادي كسًُاب محرر الشؤون الإسرائيلية في تلفزيون «المستقبل» ومسؤول ملف الأسرى الفلسطينيين في منظمة التحرير، التقيناه صدفة أمام باب أحد المراكز الصحية يقول بالأرقام: «هناك ما يقارب احد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية منهم ثلاثمئة أسير منذ ما قبل العام 1993 أي قبل اتفاق أوسلو، مئة وثلاثة وثمانون أسيرا أمضوا أكثر من عشرين عاما، ومئة وثلاثة وثمانون آخرون أمضوا أكثر من خمسة وعشرين عاما أقدمهم نائل البرغوثي الذي أمضى حتى اليوم واحدا وثلاثين عاما، ثلاثمئة وأربعون أسيرا تحت الثامنة عشرة، مئة وثلاث أسيرات، ألف وثلاثمئة أسير من المرضى، ثمانمئة وخمسون أسيرا محكومون بالسجن الإداري أي ينفذون أحكاما إدارية».
في المخيم، حضانات للأطفال تهتم بحديثي الولادة الذين اضطرت أمهاتهم للعمل لتغطية تكاليف الحياة، مؤسسات خاصة لمتابعة حالات ذوي الحاجات الخاصة، ومؤسسات للعناية بالمسنين تحت إشراف مجموعة من المشرفين والاختصاصيين تفتح أبوابها حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، يقصدها المسنون لعقد حلقات حوار مصورة تحفظ في أرشيف التراث الفلسطيني، يستعيدون خلالها ذكرياتهم في فلسطين قبل الاحتلال، وفي المركز رحلات الترابط الأسري التي تتمثل في زيارة المسنين العاجزين في بيوتهم لتسليتهم.
الحاجة عريفة سليمان الحايك (73 عاما) التي التقيناها وصديقتها بدرية (67 عاما) في احد هذه المراكز تقول: «تركنا فلسطين متوجهين إلى قرية جويا جنوب لبنان وأنا في الحادية عشرة، بعدها انتقلنا إلى مخيم المية ومية قبل ان نستقر هنا في عين الحلوة حيث تزوجت وأنجبت». الحاجة عريفة أم لشهيدين، تعيش مع ضرتها وزوجها المصاب بجلطة منذ خمس عشرة سنة، تتقاضى خمسة وخمسين ألف ليرة لبنانية بدل إعالة لأسرة الشهيد. تقول عريفة واصفة الوضع الصحي في المخيم: «نحن لا نجد دواء للعلاج، والمصاري يلي بيدفعوها لنا لا تغطي مصاريف أمراضنا لذلك الكثير من الناس يموتون من المرض».
بدرية الحزينة كل الوقت تخفي أيضا هما كبيرا خلف عينيها، فهي أم لشهيد ولمخطوف اخذه مجهولون من أمام منزلها في عين الحلوة قبل سبعة عشر عاما وهو في السادسة والعشرين ومنذ ذلك الوقت لا تعرف شيئا عنه.
هو عين الحزن والمرارة والدمع وليس عين الحلوة. في زيارتنا بحثنا عن الحلاوة لكن كل خطوة كانت تحمل مشهدا حزينا. طفل ممدد على طاولة الصيدلية، رجل الصيدلية يشك بيده إبرة المصل. من الجهة الأخرى قريبة للطفل ترفع بيدها كيس المصل عاليا، أمه تتحسس جبينه للتأكد من درجة حرارته المرتفعة، وجهه مصفر، عيناه غرقتا بالدمع، يبكي ويصرخ طلبا للنجدة، الطفل الذي يعاني ارتفاعا في درجات حرارة جسمه وإسهالا وتقيؤا منذ يومين، لم ينقل إلى مستشفى الهمشري الفلسطيني الوحيد الواقع خارج نطاق المخيم، كما لم ينقل إلى أي من المراكز الصحية التابعة للفصائل والقوى الفلسطينية المنتشرة في عين الحلوة التي تقتصر تقديماتها على معاينة المريض وتشخيص حالته ووصف الدواء وتقديم بعض الأدوية والإسعافات البسيطة وإجراء فحوص.
الحالات الاجتماعية في عين الحلوة لا تختلف كثيرا عن الحالات الموجودة في أي مجتمع آخر تغلب عليه نسبة البطالة والفقر، وإنما الوضع الصحي هو الأكثر استفحالا وخطرا خصوصا ان الدعم المادي لتغطية تكاليف معالجة الأمراض المزمنة والخطيرة كالضغط والسكري والقلب وغسل الكلى والسرطانات والالتهاب الرئوي ... لا يشكل نسبة 5 في المئة.
متى ستعلن حال الطوارئ في عين الحلوة؟ من المسؤول عن تدهور الأحوال الاجتماعية والصحية والتربوية؟ إلى متى سيبقى الخوف مسيطرا على الأطفال والأمهات والعجزة؟ أين عيون منظمات حقوق الإنسان ألا ترى الطفولة المشردة والمعذبة؟ لما لا يحدد النسل في عين الحلوة؟ هل الدولة اللبنانية قادرة على تحمل كل هذه المآسي؟ بعض من الأسئلة نتركها برسم أبناء عين الحلوة والعالم.
على بعد نحو 300 متر من حاجز الجيش المكلف حماية أمن مخيم عين الحلوة من الجانب اللبناني، وقفنا ضمن خط طويل من السيارات الخاضعة للتفتيش. كان الظهر لم يحن بعد عندما وصل دورنا، فتشوا السيارة، ركناها جانبا في انتظار رد بالدخول. باصات مدرسية تقل طلابا الى منازلهم خارج المخيم الفلسطيني الاكبر في لبنان، والذي يقع على اطراف مدينة صيدا.
طرق ضيقة، من المؤكد أنه لم يطرأ عليها أي تعديل أو تحسين منذ شقها للمرة الاولى. أشكال عمودية من الباطون تشكل منازل اللاجئين تلوح لنا من بعيد. عيون نساء مكحلة بالحزن والتعب والمرض، يصطحبن أطفالهن للتبضع من الاسواق المحيطة بالمخيم. قوافل من الأطفال المحملين بشنطهم المدرسية يمشون جماعات منظمة وسط الزواريب والطرق المكسرة يتسايرون ويغنون. عمال رجال قرب أبواب محلاتهم يعقدون حلقات يدخنون النارجيلة يعزفون على علب حديد صدئة يستذكرون على أنغامها أغاني ثورية. أوساخ ونفايات تغزو الطرق. أبنية مهدمة مغطاة بألواح «الأترنيت». مشاهد ان دلت على شيء فعلى حالات الفقر التي يعيشها سكان أكبر المخيمات الفلسطينية اللبنانية مساحة وسكانا، مخيم عين الحلوة.
«شو جايين تعملوا هون»؟ سؤال طرحه علينا جندي من الجيش اللبناني وهو يرد لنا بطاقات هوياتنا. نظرنا باستغراب الواحد الى الآخر. أدرنا محرك السيارة وتقدمنا بضعة أمتار. استوقفنا الحاجز الفلسطيني المسلح يطلب هوياتنا أيضا. لم نشعر بالرعب رغم كل تلك القصص والأحداث المفاجئة التي يشهدها مخيم عين الحلوة منذ مدة، عين المرارة الفلسطينية والمأساة الصحية والإجتماعية.
ركنا السيارة ورحنا نسير في الأحياء والزواريب الصغيرة للمخيم الذي تعرض للقصف والدمار مرات عدة محافظا على مساحته الأصلية الكيلومتر الواحد. 70 في المئة من أبناء مخيم عين الحلوة يعانون البطالة، أما النسبة المتبقية من السكان فتعيش تحت خط الفقر. أرقام صادمة لكنها واقعية، نراها نلمسها ونشمها في كل خطوة وجزء من أجزاء عين الحلوة المتسع عموديا في غياب أساسات متينة تتحمل ثقل هذا البناء المتزايد. من بوابة حديدية صغيرة دخلنا حي «أوزو» الذي يحوي ما يقارب ثلاثمئة نسمة من مهجري مخيمي تل الزعتر والنبطية. الحي عبارة عن زاروب ضيق طويل تتشعب منه زواريب أقل طولا، يعبق برائحة المجاري القوية، تحوط بجانبيه غرف صغيرة تشبه الزنازين، يتسرب إليها نور الشمس من باب وطاقة صغيرة. غرف مصفوفة بعضها فوق بعض لا شك ان ساكنيها يغرقون بماء المطر في فصل الشتاء على رغم ارتفاع عتبات البيوت عن مستوى سطح الأرض سنتيمترات تقارب العشرة، ووجود مصارف ماء مكشوفة يقع صغار الحجم من الأطفال فيها بسهولة. دفعتني حشريتي للنظر عبر قضبان النافذة واذ بحال من الفوضى والعشوائية وعدم النظافة والترتيب تلم بأهل المكان المكونة أسرته من أم وأب وأربعة أولاد. تل ملون كونته الألبسة المهترئة والبالية يعلو وسط الغرفة تحوط بجنباته فردات أحذية تطايرت أجزاء منها من جيل إلى جيل.
الحديث عن شكل الحياة داخل المخيمات الفلسطينية الاثني عشر المنتشرة في لبنان من أقصاه إلى أقصاه، لا يقتصر فقط على تناول الأوضاع والمتغيرات السياسية للمنظمات والفصائل والحركات الفلسطينية المختلفة، ومدى تأثيرها وتأثرها بالمناخ السياسي المتقلب وغير المحدد المعالم الذي يسيطر على الأجواء اللبنانية، العربية، والإقليمية، بل يحتاج إلى إعلان حال طوارئ سريعة لانتشال الناجين من سوء الأحوال الاجتماعية والصحية والبيئية لأبناء تلك المخيمات من جهة، وكشف أسرار تميز الفنانين الفلسطينيين الكبار الذين عاشوا فيها من جهة أخرى.
إبداع ناجي العلي، الذي تخطت رسومه الكاريكاتورية حدود الحلوة لتصل إلى كل العالم ومنها شخصية «حنظلة» الذي تحول رمزا لنضال الشعب الفلسطيني المشتت، إشارة إلى أن مدرسة الحياة المرة والبائسة في مخيم عين الحلوة الذي يمتد على مساحة كيلومتر واحد على أطراف عاصمة الجنوب اللبناني صيدا، أنتجت وتنتج إبداعا. المخرجون محمد إبراهيم، محمود غزعل، محمد السيد، محمد الطملاوي، الممثلة ومصممة الدبكات الفلكلورية حورية الغار، الأعضاء في المجلس الوطني سميرة صلاح وآمنة جبريل... أسماء فلسطينية معروفة انطلقت أيضا من مخيم عين الحلوة، بعيون تبشر ان المآسي التي يعيشها نحو 70 ألف نسمة من اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948 بأكثرية سكانية من الجليل الأعلى قادرة على العطاء الفني والاجتماعي رغم كل الظروف المعيشية السيئة المسيطرة على طاقاتهم.
في حي أوزو اقتربنا من إحدى النساء الحزينات المكللة بالسواد ربما على فقدان قريب. كانت تجلس على طبلية تحضر بعض الحاجات المنزلية في بقعة لا تتعدى المتر المربع. ما ان نظرنا إليها راحت تصرخ: «ابتعدوا من هنا لا تصوروا، بكفي يلي نحنا فيه».
تراجعنا وتابعنا المسير وإذ بصوت رجالي يدعونا للحديث إلى زوجته. لبينا النداء ودخلنا غرفتهم الصغيرة. في الغرفة سرير خشبي تعلوه فرش نوم مرتبة، تتفرع منها غرفة أصغر حيث المطبخ والحمام. تقول الزوجة هيفاء: «هربت وزوجي وأطفالي الأربعة إلى الحلوة من البارد بعيد الأحداث الدموية التي تعرض لها الأخير، وكما ترين الغرفة تعكس حالنا لكن ليس باليد حيلة نحن فقراء وهذه قسمتنا».
من زواريب أوزو الضيقة والمعتمة خرجنا من باب حديد آخر إلى الطريق الأوسع مساحة وإنما الأسوا حالا. حفر ومطبات ونفايات وخرضوات لاحت تحت نور الشمس وبرزت أدق تفاصيلها المزرية. سرنا في الطريق باتجاه مجهول نبحث عن عيون حلوة علها تفرح قلوبنا التي تقلصت شرايينها كتقلص عرض الطرق التي سلكناها. قوافل البنات العائدات من إحدى مدارس المخيم الثلاث عشرة تلاحقنا وتنادينا بأسماء غريبة تطلب إلينا تصويرها. امسكت زينة بثوبي وشدته بعنف لأتوقف. «لماذا تريدين أن تتصوري؟» سألتها وأنا أراقب عينها البنيتين الضاحكتين، فقالت: «حتى صير مشهورة بكرا بتنشروا صورتي بالمجلة وبصير متل يلي بحطوا صورن بالمجلات». لحظات وصرت في وسط مجموعة من البنات اللواتي لا تتجاوز أعمارهن عشر سنوات يرتدين مريولاتهن الأزرق، وعلى ظهورهن شنط مدرسية غير ثقيلة. أين الصبيان؟ قلن: «أكثرية الصبيان يذهبون إلى المدرسة في دوام بعد الظهر».
على رغم أن في عين الحلوة ثلاث عشرة مدرسة ابتدائية وثانوية واحدة تابعة للأونروا ومعهدان تطبيقيان واحد للأونروا وآخر للنروج، تراوح نسبة الأمية اليوم في المخيم بين 4 و5 في المئة وقد تصل خلال السنوات المقبلة إلى العشرة في المئة لاسباب عدة منها: تدهور الظروف الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين واضطرارهم إلى إخراج أولادهم من المدارس لمعاونتهم في سد تكاليف الحياة المتزايدة، غياب الحافز والدافع للتعلم لدى الجيل الجديد خصوصا بعد منع الفلسطينيين من السفر إلى معظم دول العالم إضافة إلى القوانين المجحفة المطبقة بحقهم، السياسة التعليمية التي تتبعها مدارس الأونروا المدعومة وهي رفع كل الطلبة الراسبين إلى صفوف أعلى لعدم قدرة صفوفها على استيعاب العدد المتزايد من الطلبة من جهة ولعدم اتخاذها قرار بناء مدارس جديدة تستوعب هذا العدد الكبير من الطلبة من جهة أخرى، قلة الدعم لقطاع التعليم من معظم الفصائل الفلسطينية المنتشرة في عين الحلوة.
قد يكون التدريس بدوامين في بعض مدارس المخيم خطوة إيجابية للطلبة الذين يعيشون تحت خط الفقر والمرغمين على إعالة عائلاتهم، لكنه بالطبع غير كاف. حسن الحاج (14 سنة) يعمل في محل خرضوات قبل الظهر لقاء بدل يومي قدره خمسة آلاف ليرة لبنانية لا غير. بينما يتابع دراسته بعد الظهر أملا في السفر وتحسين وضع عائلته الاقتصادي بعد تخرجه من المدرسة. أما بسام محمد (16 سنة) الذي التقيناه يلعب البليار في أحد محلات اللهو، فاضطر قسرا إلى ترك المعهد بعد وفاة والديه في حرب يوليو 2006 في لبنان. بسام الذي يعيش في منزل عمه يقصد هذا المحل يوميا مع شبان من فئته العمرية للترويح عن أنفسهم في ظل قلة أماكن اللهو والتسلية المتوافرة في المخيم واقتصارها على «ألعاب الكمبيوتر» و«البلاي ستيشن» و«البليار» و«الفوتبول».
بلغنا احدى الأسواق الضيقة التي بالكاد تصنف رصيف مشاة في أي منطقة صغيرة. قلة من المارة تتبضع من محال السمانة والبقالة واللحوم لتحضير وجبات غذاء عائلاتهم اليومية. صالونات حلاقة رجالية شبه فارغة مكشوفة الزجاج وأخرى نسائية في الطبقات العلوية ملفوفة بالبرادي في مجتمع يضم العديد من الجماعات الدينية الأصولية. عجقة سير في الاتجاهين المندمجين لسيارات غالبيتها قديمة ولا تصلح للسير في مناطق تطبق فيها قوانين السير، تتزود الوقود من ثلاثة صهاريج بنزين موزعة في مناطق سكانية متباعدة من المخيم. سنترالات للاتصالات الدولية لتواصل أهل المخيم المقيم مع أقاربهم وأبنائهم المهاجرين في معظم دول العالم. مراكز لترجمة مستندات الهجرة إلى دبي وأبو ظبي للعمال وإلى ألمانيا لجمع شمل العائلات. محلات لبيع بدلات العرس وفساتين الخطبة والسهرة التي اصفر وبهت لونها من تعرضها للشمس فترة طويلة.
ألف ليرة سعر استخدام ساعة الانترنت وأربعون ألفا رسم الاشتراك الشهري إلى المنزل. براد سميكة تفصل أجهزة الكمبيوتر بعضها عن بعض للحفاظ على السرية والحميمية أثناء الحديث مع الآخرين المختبئين خلف الشاشة. فكرة ابتكرها أصحاب محال الكمبيوتر لمنع زبائنهم من التلصص على خصوصيات بعضهم البعض. صور قادة فلسطينيين ولافتات تحمل شعارات حماسية تحفز المسلحين المنتشرين بجهوزية كاملة في الحواري وأمام مراكز القادة والفصائل الفلسطينية على اطلاق النار عند إضاءة الضوء الأخضر. دراجات نارية مزودة بسلة خلفية لنقل مطرات مياه الشرب والنارجيلة والأغراض إلى البيوت في الحواري الضيقة والصغيرة المكسرة طرقها، أحيانا مجانا ولقاء بدل زهيد مرات عدة. شبكة هاتف داخلية خاصة مجانية تصل أبناء عين الحلوة بعضهم ببعض. لا تكاليف مادية لقاء استهلاك التيار الكهربائي الذي يغطي كل المخيم. خمسة جوامع ومصلى واحد يفسح المجال أمام أبناء المخيم المقيمين المسلمين بغالبيتهم لاقامة فرائضهم وواجباتهم الدينية. شبكة مياه مهترئة أقامتها اليونيسيف منذ قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م أما الآبار والخزانات المتوافرة فغير كافية لتغطية حاجات المخيم، فيما الفلاتر المخصصة لتصفية المياه من الشوائب معظمها غير مجد.
تقول منى العاملة في أحد مراكز خدمات طلبات السفر: «تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة الدولة الخليجة الوحيدة التي تستقبل طلبات توظيف لاستقدام عمال فلسطينيين للعمل في الصحراء بأجر شهري يبلغ أربعمئة وخمسين دولارا للعازبين وستمئة وخمسين دولارا للمتزوجين، أما عمال البحر فيزيد أجرهم على سبعمئة دولار يضاف إليها مبلغ متواضع عن ساعات العمل الإضافية»، وعن كلفة طلبات العمل تضيف منى «تصل إلى أربعمئة دولار أي ثلثي الراتب، يتحمل أعباءها بالكامل طالب الوظيفة». أما هند صاحبة محل بيع بدلات الأعراس فتعزو ابتعاد الناس عن إقامة حفلات عرس إلى اسباب عدة أولها عدم استقرار الوضع السياسي والأمني للمخيم الذي يضم فئات سياسية فلسطينية متناقضة ومتناحرة قد تتعارك في أي لحظة ومن دون إذن من أحد، كما حصل قبل أيام، حين أطلقت النار في أحد الأعراس فتحولت الفرحة غصة في قلوب المدعوين. السبب الثاني هو تدهور الأحوال الاقتصادية والمالية الذي يضطر العروس إلى استعارة فستان زفافها من أحد اقاربها أو معارفها توفيرا لمبلغ مئتي دولار وهو ثمن شراء بدلات العرس السورية الصنع». ثم تضيف «قبل حرب يوليو 2006 كانت سوق الأغراض المتعلقة بحفل العرس ناشطة خصوصا ان الشباب المهاجرين كانوا يأتون في فصل الصيف للارتباط، أما اليوم فصاروا يخشون النزول إلى لبنان بسبب السياسات والقوانين المشددة المفروضة على حركة تنقل الفلسطينيين في الدول العربية عموما، إلى جانب قلة الرواتب والغلاء المعيشي المتصاعد إلى المجهول يوما بعد يوم».
الروائح الكريهة التي تلاحقنا أينما ذهبنا داخل عين الحلوة تنبعث من شبكات الصرف الصحي القديمة الممدودة منذ نشوء المخيم في أربعينات القرن الماضي، والتي لم تشهد أي تعديل أو تطوير يتناسب وحجم الزيادة السكانية والعمرانية الآخذة بالارتفاع عموديا بغض النظر عن حال البنى التحتية، ما أدى إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بأنابيب مياه الشرب.
مكبات النفايات التي وضعتها الأونروا قرب مداخل المخيم لاستيعاب نفايات سكانه ومحاله وورشه الصناعية الصغيرة وغيرها لا تكفي وتحولت تلالا من النفايات المرتفعة تشكل خطرا بيئيا وصحيا على البيئة المحيطة عموما وأهل المخيم خصوصا. أما مسؤولية الحفاظ على النظافة الداخلية للشوارع والزواريب والطرق المنتشرة الأوساخ في معظمها أمام بيوت سكانها فيجب أن تتوزع على الجميع وليس على الأونروا فقط كما أكد بعض الذين صادفناهم.
عشرون في المئة من سكان عين الحلوة يعملون في وظائف خارج المخيم من دون أي ضمانات أو مساعدات اجتماعية وصحية وبأجر يبلغ مئتين وخمسين ألف ليرة لبنانية، نتيجة قلة الأعمال المتوافرة في المخيم الذي يزداد عدد سكانه في شكل سريع نتيجة ارتفاع نسبة الولادات فيه، بحيث يبلغ المعدل الوسطي لعائلاته خمسة أفراد(أم وأب وثلاثة أولاد). انها قلة التوعية وارتباط قضية تحرير فلسطين بعدد السكان المتزايد للتغلب على العدو.
معرض التراث الفلسطيني الدائم، مشغل يدوي يعرض أشغالا من صنع النساء المقيمات في المخيمات الفلسطينية لدعمهن ماديا عبر بيع أشغالهن التراثية والمستحدثة التي تراعي أذواق الجيل الجديد داخل مراكز المعرض الدائم أو عبر المشاركة في المعارض المختلفة. وفاء أحمد المسؤولة عن التسويق في المعرض تقول: «ان المردود المادي للجزء الأكبر من بيع الأعمال التي نسوقها يعود لدفع بدل مادي للنساء اللواتي يحتجن الى هذا المال لإعالة عائلاتهن، أما الجزء المتبقي فيعود لإعادة شراء بضائع ومواد أولية باب أول لإنتاج أشغال ذات نوعية وجودة عالية. لكن ارتفاع أسعار المواد الأولية أدى تلقائيا الى زيادة في أسعار الأشغال ما أدى إلى تراجع المبيعات».
أبو فادي كسًُاب محرر الشؤون الإسرائيلية في تلفزيون «المستقبل» ومسؤول ملف الأسرى الفلسطينيين في منظمة التحرير، التقيناه صدفة أمام باب أحد المراكز الصحية يقول بالأرقام: «هناك ما يقارب احد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية منهم ثلاثمئة أسير منذ ما قبل العام 1993 أي قبل اتفاق أوسلو، مئة وثلاثة وثمانون أسيرا أمضوا أكثر من عشرين عاما، ومئة وثلاثة وثمانون آخرون أمضوا أكثر من خمسة وعشرين عاما أقدمهم نائل البرغوثي الذي أمضى حتى اليوم واحدا وثلاثين عاما، ثلاثمئة وأربعون أسيرا تحت الثامنة عشرة، مئة وثلاث أسيرات، ألف وثلاثمئة أسير من المرضى، ثمانمئة وخمسون أسيرا محكومون بالسجن الإداري أي ينفذون أحكاما إدارية».
في المخيم، حضانات للأطفال تهتم بحديثي الولادة الذين اضطرت أمهاتهم للعمل لتغطية تكاليف الحياة، مؤسسات خاصة لمتابعة حالات ذوي الحاجات الخاصة، ومؤسسات للعناية بالمسنين تحت إشراف مجموعة من المشرفين والاختصاصيين تفتح أبوابها حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، يقصدها المسنون لعقد حلقات حوار مصورة تحفظ في أرشيف التراث الفلسطيني، يستعيدون خلالها ذكرياتهم في فلسطين قبل الاحتلال، وفي المركز رحلات الترابط الأسري التي تتمثل في زيارة المسنين العاجزين في بيوتهم لتسليتهم.
الحاجة عريفة سليمان الحايك (73 عاما) التي التقيناها وصديقتها بدرية (67 عاما) في احد هذه المراكز تقول: «تركنا فلسطين متوجهين إلى قرية جويا جنوب لبنان وأنا في الحادية عشرة، بعدها انتقلنا إلى مخيم المية ومية قبل ان نستقر هنا في عين الحلوة حيث تزوجت وأنجبت». الحاجة عريفة أم لشهيدين، تعيش مع ضرتها وزوجها المصاب بجلطة منذ خمس عشرة سنة، تتقاضى خمسة وخمسين ألف ليرة لبنانية بدل إعالة لأسرة الشهيد. تقول عريفة واصفة الوضع الصحي في المخيم: «نحن لا نجد دواء للعلاج، والمصاري يلي بيدفعوها لنا لا تغطي مصاريف أمراضنا لذلك الكثير من الناس يموتون من المرض».
بدرية الحزينة كل الوقت تخفي أيضا هما كبيرا خلف عينيها، فهي أم لشهيد ولمخطوف اخذه مجهولون من أمام منزلها في عين الحلوة قبل سبعة عشر عاما وهو في السادسة والعشرين ومنذ ذلك الوقت لا تعرف شيئا عنه.
هو عين الحزن والمرارة والدمع وليس عين الحلوة. في زيارتنا بحثنا عن الحلاوة لكن كل خطوة كانت تحمل مشهدا حزينا. طفل ممدد على طاولة الصيدلية، رجل الصيدلية يشك بيده إبرة المصل. من الجهة الأخرى قريبة للطفل ترفع بيدها كيس المصل عاليا، أمه تتحسس جبينه للتأكد من درجة حرارته المرتفعة، وجهه مصفر، عيناه غرقتا بالدمع، يبكي ويصرخ طلبا للنجدة، الطفل الذي يعاني ارتفاعا في درجات حرارة جسمه وإسهالا وتقيؤا منذ يومين، لم ينقل إلى مستشفى الهمشري الفلسطيني الوحيد الواقع خارج نطاق المخيم، كما لم ينقل إلى أي من المراكز الصحية التابعة للفصائل والقوى الفلسطينية المنتشرة في عين الحلوة التي تقتصر تقديماتها على معاينة المريض وتشخيص حالته ووصف الدواء وتقديم بعض الأدوية والإسعافات البسيطة وإجراء فحوص.
الحالات الاجتماعية في عين الحلوة لا تختلف كثيرا عن الحالات الموجودة في أي مجتمع آخر تغلب عليه نسبة البطالة والفقر، وإنما الوضع الصحي هو الأكثر استفحالا وخطرا خصوصا ان الدعم المادي لتغطية تكاليف معالجة الأمراض المزمنة والخطيرة كالضغط والسكري والقلب وغسل الكلى والسرطانات والالتهاب الرئوي ... لا يشكل نسبة 5 في المئة.
متى ستعلن حال الطوارئ في عين الحلوة؟ من المسؤول عن تدهور الأحوال الاجتماعية والصحية والتربوية؟ إلى متى سيبقى الخوف مسيطرا على الأطفال والأمهات والعجزة؟ أين عيون منظمات حقوق الإنسان ألا ترى الطفولة المشردة والمعذبة؟ لما لا يحدد النسل في عين الحلوة؟ هل الدولة اللبنانية قادرة على تحمل كل هذه المآسي؟ بعض من الأسئلة نتركها برسم أبناء عين الحلوة والعالم.