في الحياة الكثير من المواقف التي تجعلنا نعيد التفكير في طرق اتخاذنا للقرارات والتصرفات التي لم نكن لنعلم نتائجها لولا التجارب التي مررنا بها... ففي جلسة نقاش بيني وبين أحد طلبتي، كنا نتحدث في كل شيء، ونتناقش في كل شيء... حوار عاصف يحمل بين طيَّاته ضحكا وفرحا وذكريات جميلة وأحزانا ومواقف مريرة. سنوات طوال مرت ما بين كرسي المدرسة وقبَّعة المهندس المجتهد الذي يرى في معلمه كل شيء جميلا ومثالا أعلى في أشياء كثيرة وإن كنت أعتبرها عادية جدا، ولكنَّ القلوب والعقول هي من ترسم أماكن من تقدِّر لا نحن...
فالمهندس المجتهد ونحن فرحين بقدومه بالشهادة «الكبيرة» كما يسميها المصريون، قال لي: أستاذ محمد، أحد أقربائي وأنا أحدثه عنك قال لي، كيف تعتبره قدوة أو مثلا أعلى؟! وهمَّ أن يدافع عني يريد أن يبين لي مكانتي عنده - والتي أعرف جيدا- أنها كبيرة جدا وعميقة. قلت له، نعم صدق قريبك، أنا لست قدوة كاملة من الممكن أن تتخذها في حياتك منهجا، فأنا إنسان عادي غير معصوم يصيب ويخطئ له ما له وعليه ما عليه... أنا إنسان يحسن دوره كإنسان ويسعى لخدمة وطنه ومحيطه وأصحابه ممن يحبهم ويحبونه، ويبذل كل ما في وسعه من أجل أناس لا تربطهم أي علاقة بهم سوى أنهم يشكلون جزءا من حياته.
إن الإشكالية التي طرحها قريب الطالب، ليست إشكالية سلوكية ولا نفسية ولا وجدانية، هي إشكالية المواقف المسبقة المبنية على الأسماء وما تحمله من أبعاد مختلفة. لم يعرف الأخ الذي طرح هذا الاتهام أن الكون هذا لا يوجد به قدوة كاملة وأننا كبشر لا نصلح إلا بتكاتفنا وإكمال نواقصنا، فالقدوة في الدين ليس قدوة في التعليم، والقدوة في الرياضة ليس قدوة في الأخلاق، والقدوة في الثقافة ليس قدوة في السلوكيات والأدب، جميعنا ناقص ويكمل بعضنا بعضا؛ لأنَّنا بكل بساطة بشر.
لا أغضب من هذا الاتهام المجحف لي والذي مر عليَّ الكثير من هذه الشخصيات التي لا أعرف طريقة لتوصيف حالتها أو تصرفاتها، غير أنني أعرف جيدا مدى حاجة المجتمع إلى قدوة متخصص في كل مجال... نحن في مجتمعاتنا لا نريد صناعة ملائكة ولا نريد قتل الشياطين، ولكن نريد خلق إنسان يعرف أنَّ الملاك رمزية طهر لا تصلح للإنس... ولا نريده أن يقتل شيطانه؛ لأنَّه الشيطان قدرٌ ملازم لنا ما حيينا...
فإلى كل أب أو أخ أو قريب يريد أن يصنع من أبنائه ملائكة، أقول له: حاول ما استطعت، لن تخلق ملاكا في دنيا الشياطين، ولن تقتل شيطان في دنيا الإنس. أكثر ما يربك المجتمعات هو انفصال بعض عناصرها في عزلة وقائية من المجتمع نفسه، ليعودوا بعد ذلك إلى المجتمع معرَّضين إلى أي طارئ يصيبهم بأي عدوى أو أي مرض.
إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فالرسول يقول - المؤمن - ولم يقل الإنسان العادي، فوضع رتبة رفيعة من رتب الإسلام التي تخالط الناس فتحيا معهم حياة طبيعية يصيبهم منها خير كثير وأذى قليل، ومن يعتقد أنه بأي وسيلة كانت أنه يخلق مجتمعا صغيرا داخل المجتمع ليربي أبناءه في جو محفوظ أقول له، انتظرني عند أول محطة من محطات الحياة وستشاهد ضحيتك التي خبأتها في محميتك الخادعة أنها أو الفارين منها إلى العالم الخارجي الذي تنتمي إليه.
نعم لست قدوة في كل شيء لكنني قدوة في ما أحسن من عمل، وفيما أعطي من حب، وفيما أقدم من تضحيات، قد يراك البعض شيطانا وأنت في داخلك أطهر ملاك، وقد يراك الآخر ملاكا وأنت تطوي داخلك شيطانك الخاص، نحن كثيراً من الأحيان نرى ما نريد أن نراه في الآخرين لا ما يكون فيهم من صفات حقيقية.
خارج النص:
- مع موجات الغبار الكثيرة التي تضرب البلاد، لماذا لا تقوم الهيئة العامة للزراعة بتبني مشروع وطني لتثبيت التربة وعمل حزام أخضر للدولة، بدلا من الاقتتال في ما بين المسؤولين على لجان التحقيق، اعتبروا الكويت لجنة تحقيق وتقاتلوا من أجلها.
- سؤال إلى المعني بالثروة الحيوانية في الدولة، إذا كانت المزارع استراحات والجواخير استراحات، والإسطبلات استراحات، أي الثروة الحيوانية التي تقدمون لها ملايين الدنانير سنويا من علف ومياه وغيرها من الدعومات!، وهل توزعونها من أجل الترفيه على المواطن!.
[email protected]