أن نختلف ونتحاور ونتسامح!

تصغير
تكبير

أبدأ بتأكيد قناعتي بأن هذا الاتفاق بين جريدة «الراي» الغراء والجمعية الكويتية للإخاء الوطني لتخصيص هذه المساحة الأسبوعية لنشر المقالات والآراء التي تسعى إلى المساهمة في تحقيق الأهداف النبيلة السامية للجمعية يعتبر إنجازا إيجابيا متميزا للجمعية الوطنية وللجريدة.
من الطبيعي أن يختلف الناس في أي مجتمع فيما بينهم في أمور كثيرة، وأن تتباين وجهات نظرهم في قضايا متعددة سواء كانت فكرية أو ثقافية أو فنية أو تاريخية أو دينية أو حتى مذهبية في نطاق الدين الواحد. ولكننا بالحوار والمجادلة الموضوعية الراقية وبدون تشنج أو تعصب نستطيع أن نهون من حدة اختلافاتنا ونصل إلى حدود معقولة من التفاهم فيما بيننا.
وليس الهدف النهائي من الحوار والمجادلة هو إقناع الطرف الآخربأنه مخطئ في ما يعتقده، أو أننا على حق مطلق والآخر على باطل قطعي، بل الهدف هو تقريب وجهات النظر وتجنب الانزلاق في مهاوي التشنج والعصبية والصراع المؤذي للطرفين. نبدأ بالتأكيد على ما نتفق عليه معاـ وهو كثيرـ وذلك يمهد لحسن الحوار ولطف المجادلة عندما نعرج على البحث في الأمور التي نختلف عليها، وسنجد أنها قليلة وهامشية ويمكن تجاوزها.
بعث إلي صديق عزيز في الأسبوع الماضي تسجيلا لحوار مطول بين رجلي دين إسلاميين من مذهبين مختلفين، يزعم الأول أنه لا تجوز الصلاة في مساجد الطرف الآخر لأن فيها بدعا لا تستقيم الصلاة- كما يرى- بوجودها، وضرب أمثلة على تلك البدع، وذهب الآخر إلى أنها ليست بدعا وإنما هي أمور استقر عليها عرف الطرف الآخر والهدف منها التأكيد على عدم السجود على ما لا يصح السجود عليه، ثم بدأ يبين أن في مساجد الطرف الأول ما يراه هو بدعا، ودار الحوار بينهما مطولا وكل منهما يحاول أن يثبت صحة رأيه وسلامة موقف أتباع مذهبه. بدأ الحوار حادا ومتشنجا إلا أنهما جنحا بعد ذلك إلى الهدوء والسكينة وتبادل الكلمات الطيبة وغلب على حديثهما أسلوب التفاهم والتسامح. وما أعجبني جدا هو أنهما اتفقا في النهاية على أهمية التآلف والمحبة وتغليب مصلحة الوطن الذي يجمعهما معا والحرص على الوحدة الوطنية، وتجنب الخوض في المسائل الخلافية التي لا طائل من ورائها.
واطلعت منذ يومين على مقالة لأحد الكتاب ـ وهو صديق عزيز ـ يتحدث فيها عن مدينة (أصيلة) المغربية، وسعي أحد أبرز رموز الثقافة والإدارة فيها، وإصراره على أن تنتقل (أصيلة) من قرية معزولة منسية إلى حاضرة مدنية يشار إليها بالبنان. فكر ذلك الرمز البارز وهو مسؤول في تلك القرية الصغيرة بإنعاش العمران بالثقافة والثقافة بالعمران حتى غدت تلك القرية الصغيرة أحد معالم المغرب المهمة وأصبحت ملتقى سنويا للحوار وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر المختلفة لنشر ثقافة السلام واللاعنف، وبحث قضايا التعصب والتطرف والغلو والإرهاب، والتفكير في البدائل المتاحة مثل التسامح والإقرار بالتنوع والتعددية والاعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف، وإحياء قيم العدل والجمال والخير عبر التواصل والتفاعل الاجتماعي الإنساني.
ونحن في الكويت العزيزة بدأنا قرية صغيرة جمعت مواطنيها من مختلف الأعراق والأصول والمذاهب، عشنا معا متحابين متآلفين متعاونين لا تفرقنا اختلافاتنا العرقية أو المذهبية ولا يتميز فينا حاكمنا عن المحكومين ولا غنينا عن الفقراء ولا نفرق بين الحضر وأهل البادية، أرزاقنا في البحر وفي الصحراء. وتطورت الكويت مع الزمن إلى هذه الدولة العظيمة التي نفخر ونعتز بها وبالحياة الكريمة التي توفرها لنا. نحن إذاً مسؤولون عن استمرار هذه الحياة الكريمة وتقدمها، ولا يكون ذلك إلا بتمسكنا بوحدتنا الوطنية وبث روح الإخاء والمودة بيننا، وتجنب الخوض في كل ما قد يفتح بابا للشقاق والصراع ويؤذينا جميعا.

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي