عندما تكتب...
أن تكتُب أي أنك تحمل مسؤوليات كثيرة، جروح قد تستيقظ بلا انذار وذكرى قد تطرق باباً بلا ميعاد.
ربما تزورك بسمةٌ تُفرحك أو حُلم كنت قد تغافلت عنه لزمن وعاد.
أن تكتب أي أن تحزن وتملأك سعادة عظيمة في آنٍ واحد، أن تخلق واقعاً في قلب السراب وتلوّن صوراً من زمنٍ لم يعرف ألوان، أن تشفي وجعاً أو تخدش حياءً بقصدٍ أو دون قصد وأن تخلّد فكراً لا يندثر، صوتاً لا يكمّم وأحداثاً تستمر بلا توقف.
عندما أكتُب أنا أتنفس، أذكُر أني انسان، تبكيني روايات وتؤذيني مواقف وتنشيني انتصارات مليئة بالأمل.
انها الكتابة، عُريّ الروح، حياة ما بعد الحياة...
صوتي الصارخ في وسط الصمت المزدحم.
أن تكتب أي أن تحشد بداخلك تناقضات جمّة، تدمج نفسك بالكون وتكون جزءًا من كل الروائح والأصوات والأشخاص.
يخبرني البعض عن لحظاتٍ أبكتهم فيها كلماتي بعد أن عرّت جراحهم والبعضُ الاخر يعاتب أحزاني العائمة بين السطور، وآخرون يتذوقون ضحكاتي التي ملأت سماء أحبّتي فيبتسمون وينتعش يومهم وغيرهم كثيرون لا يكترثون البتة.
بين المدح والمذمة أكتب أكثر، أغرق أكثر في أوراقي وحبري الجاف ومسودتي المرهقة وخربشتي المجنونة.
أن أكتب أي أن أتذكر وجودي، أثبت نفسي، أُسهي وحدتي وأتعرّى أمام الكون بلا حياء بلا ذُعر.
عندما نكتُب نلجأ أحياناً للمبالغة حتى نصل لمسام تاهت في مشاعر مظلومة، نحاول أن نجمّل دروس لقنتها الحياة وبقسوة ربما لنا أو لمن حولنا حتى هرمت أحاسيسنا وتكوّم فوقها غبار التيه والألم.
نوثّق أحلاماً ونسجل ذكريات مفرحة ونبرز معتقدات فريدة وفي بعض الأحيان نكتب فقط من أجل الصراخ من أجل أن يخرج ضجيج أرواحنا وينطلق في الفراغ الواسع حتى لا يبقى في جوفنا يسجننا ويودي بنا لجنون أخطر ووحدةٍ أكبر، يتسرّب الى فناجين قهوتكم ويذكركم بأننا هنا لأجل الأخر، وجدنا كي ننجو معاً كي نُشفى معاً وكي نحيا ونسعد معاً.
أن تكتب أي أن تعطي بلا مقابل وأيضاً تأخذ كل شيء دون أن تعطي.
أن تكتب أي أن تقول بفخر ليست حقيقتنا ما يخرج من ثغورنا فقط بل أيضاً ما يحتاجكم أن تبحثوا عنه مما نبقيه داخل ذلك الجزء النابض في أجسادنا.
الكتابة هي السلاح، هي الضوء وهي الحياة لحياتي.