محمد العوضي / خواطر قلم / يا بنت زعيم القبيلة... أخوك أهبل!

تصغير
تكبير
بل كان أخوها أكثر من أهبل! كيف بدأت المأساة، كان لزعيم هذه القبيلة، (...) ابن وبنت. البنت تتجسد فيها كل الصفات التي يحبها أبوها (أ...و) ويقدرها. لقد ورثت عنه صلابته وقوة إرادته، وهي عطوف على أهلها وعشيرتها دون ضعف. ولكن الابن ضعيف قليل الحيلة، باهت الشخصية، ليس فيه شيء من صلابة أبيه أو قوته الجسمانية أو صبره وجلده على الشدائد. ما الذي يجعل الابن يخون قبيلته وأباه، ويفتح للأجانب الباب لغزو قبيلته وتدميرها؟ أياً كان السبب فانه عندما يأتي المبشرون بدين أجنبي وغريب عن معتقدات القبيلة، ينضم الابن اليهم. لا يصدق الاب هذا، ويكاد يجن جنونه «أينضم ابنه الى أعداء القبيلة التي لا يريدون لها الا الخراب؟»، لكن الابن مصمم، والمبشرون، ووراءهم حملة البنادق الذين يريدون الاستيلاء على أرض القبيلة وخيراتها، يقوون ظهره ويغسلون مخه ويوهمونه بأنه بانضمامه اليهم ضد أبيه وعشيرته انما ينتصر للانسانية وحقوق الإنسان!
انها قبيلة نيجيرية من أوائل القرن الماضي، وهي رواية تحكي لنا ما حدث لها بقلم الكاتب النيجيري (شنوا أشيبي) Chinua Achetbe التي ظهرت للمرة الأولى في الانكليزية سنة 1958م بعنوان يفصح عن مضمونها وهو «عندما ينهار كل شيء» Things Fau Apart ينفق الكاتب نصف الكتاب في وصف هذا الجانب أو ذاك من حياة القبيلة، عاداتها، وعلاقاتها الاجتماعية، ما تؤمن به ما تخاف منه ما يعتبر لديها عارا وما يعتبر سببا للفخر، ماذا تأكل وتشرب، علاقة النساء بالرجال، خرافاتها أساطيرها...إلخ. الكاتب يروي كل هذا بأسلوب شائق طبعا، لكن هذا الجزء من الرواية لا يحمل في طياته أي قصة بعد. الغرض منه هو ان يقنع القارئ بهذه القبيلة، أي ان يجعلك تحس بأن كل هذه العادات والتقاليد والمعتقدات، إذا تأملتها كلها، ولاحظت تداخلها وتشابكها، تبينت الدور الذي يلعبه كل جزء من أجزاء هذه «الثقافة» في تحقيق تماسك الثقافة ككل، فتعطي للحياة معنى، وللقبيلة تفردها وشخصيتها، ولأفرادها مصدراً للثقة بأنفسهم ومجتمعهم، وتجعل التضحية من جانب بعض أفرادها، إذا كانت هذه التضحية مفيدة ولازمة لبقاء القبيلة، ضرورية ومبررة.
بعبارة واحدة: كل جزء من أجزاء هذه الثقافة يضمن لهذه القبيلة البقاء والاستمرار، ولا يمكن فهم أي جزء من هذه الأجزاء الا في علاقته بغيره. وأن تحكم على ما هو مفيد أو غير مفيد أو ما هو عقلاني أم غير عقلاني علمي أم غير علمي قضية نسبية حيث يكتسب كل جزء من هذه الثقافة عقلانيته من الوظيفة التي يؤديها في تحقيق البقاء والاستمرار لهذه القبيلة.
هكذا عرض المفكر العربي الاقتصادي الدكتور جلال أمين حكاية القبيلة مختصرة في كتابه «خرافة التقدم والتخلف» - العرب والحضارة الغربية في مستهل القرن الواحد والعشرين - طبع دار الشرق في القاهرة، يقول جلال أمين لا عجب اذن في اختيار هذا الاسم للرواية «عندما ينهار كل شيء» فقد انهار بالفعل كل شيء من تلك القبيلة النيجيرية وتم تمرير كل ذلك باسم «حقوق الانسان»، مرة وباسم «السلام» مرة، وباسم «التنوير» مرة، وباسم «الاصلاح» في جميع الأحوال.
القصة نموذج متكرر على الخلط الحاصل بين مفهومي التحديث والاصلاح اللذين غالبا ما يروجان لمترادفين وما يريده جلال أمين فك التلازم بين الاثنين فقد يأتي التحديث كما نشاهد في عالم الأشياء والمحسوسات والتصنيع في عالمنا العربي ولكن يغيب الاصلاح. لماذا؟ هنا يجب أن نراجع مفهومين ألا وهما مفهوما التقدم والتخلف وهذا موضوع كتاب أمين، وما ابن القبيلة الأهبل الا صورة لوكلاء الغرب من الأنظمة العربية العميلة وجيش المثقفين الذين يمارسون عملية التزيين الشيطاني لرذيلة الاستعمار الجديد باسم الحداثة وأخواتها.
آخر يوم في المعرض
اليوم السبت ستودع المكتبات العربية الكويت في العاشرة مساء آخر توقيت لمعرض الكتاب الـ33 فكلي رجاء لمن تعود التجوال بين البضائع الاستهلاكية فليلتفت الى غذاء الروح والعقل من الساعات المتبقية. لقد نفدت الكتب التي كتبت عنها في المعرض وهذا دليل على ان الناس يريدون من يرشح لهم ما يقرأون وهذه مهمة صعبة لاختلاف الاتجاهات والمستويات والاهتمامات ولكن مع ذلك نقول للمثقفين سواء اختلفتم او اتفقتم مع الدكتور عبدالوهاب المسيري، فان كتابه «العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية» وقصة حياته الثقافية والسياسية «رحلتي الفكرية» جديران بالقراءة والتأمل لرجل بحجم ثقافة وتجربة وتنوع وكفاح الذي رحل عن الدنيا قبل رمضان المفكر المسيري رحمه الله.
محمد العوضي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي