صخب على صخب
الصندوق والمفتاح والحياة
شكّل الصندوق الخشبي مكانة شديدة الأهمية، في تراثنا العربي عامة، ولدى حياة العائلة العربية وأثاثها خاصة، في البادية والحاضرة، والريف والمدينة ؛ فهو الحاوي لكل شيء: الملابس والمال والذهب والأشياء الغالية، وهناك صناديق أخرى توضع فيها نواشف الطعام مثل: السكر والشاي والأرز... إلخ. لذا، كان جهاز العروس عبارة عن صناديق عديدة، تشمل ملابسها، وحاجيات البيت الجديد من الطعام، وصندوق أواني الطعام، وآخر لملابس الزوج، وغير ذلك.
وإذا استحضرنا فيلم «شيء من الخوف»، وحكاية عتريس وفؤادة، واسترجعنا لقطة خروج فؤادة من منزل والدها، وهي مكرهة رافضة للزوج المفروض عليها والظالم لأهل قريتها، وقد قررت أن تواجهه وحدها، إذا استرجعنا لقطة خروجها، ركّزنا عيوننا على المشهد وتفاصيله، سنجد اثنين من أتباع عتريس وقد حملا صندوقا وضعت أمها فيه ملابسها المستعملة (وليست الجديدة)، ثم استقر الصندوق في غرفة نوم عتريس، وراحت فؤادة تخرج منه ملابسها الريفية السوداء، وتعصب رأسها بطرحها الغامقة، وأذلت عتريس ومن معه، وخرج أهل البلد عن بكرة أبيهم يصرخون: زواج عتريس من فؤادة باطل.
وفي العصر الحديث، يشكل الصندوق رموزا لأشياء عديدة في حياتنا، فهناك «In box» الذي يحوي رسائل الإيميل، وللمفارقة فإن له مفتاحا أيضا يتمثل في كلمة السر التي يفتح بها صاحب الإيميل صندوق رسائله. ولك أن تتخيل أن تفقد كلمة السر، أو يتم السطو على إيميلك بفعل الهاكرز، وساعتها لن ينفعك مفتاح الصندوق، ولن تغنّي مع محمد «لكن مفتاحه معاك».
وإذا مددنا أبصارنا نحو عالم المال والأعمال فسنجد أن لفظة صندوق تعني صناديق الاستثمار التي تشمل الحسابات البنكية الخاصة للأفراد، والمخصصة أكثر للأموال الفاسدة المهربة، ويكون مفتاح هذا الصندوق/ الحساب مع الشخص نفسه إما ببصمة الصوت أو حركة العينين، أو بصمة الأصابع.
أيضا هناك الصناديق السيادية للدول حيث الاستثمارات الضخمة لما يفيض من مال وثروات في مشروعات عملاقة داخل الدولة وخارجها، وكذلك هناك صندوق النقد الدولي، الذي يسمى- تندرا- في أقطار العالم الثالث المبتلى بروشتة العلاج الاقتصادي بأنه صندوق النكد الدولي، فكل الدول الفقيرة التي استدانت منه، أصابتها الفاقة والعوز، وسقطت تحت هيمنة الدول الكبرى الممولة للصندوق.
ولكل صندوق مفتاح، فماذا لو طرحنا سؤالا جدليا: هل يمكن أن يكتفي المرء بالمفتاح فقط عوضا عن الصندوق؟ بمعنى أن الأهم هو المفتاح وليس الصندوق.
أكاد أن أجزم أن المفتاح هو الشخص نفسه: عقله وروحه وطموحه، وأن الصندوق مجرد وعاء مادي، لا قيمة له، ويمكن للإنسان أن يأتي بعشرات الصناديق، ويمتلك مفاتيحها جميعا، حتى لو فقدها، فهو قادرعلى تعويضها متى شاء، وأينما ذهب، فالعبرة في الشخص ذاته وليس في الصندوق.
هل الأمر ملغز؟ ربما
دعنا نقص هذه الحكاية لتتضح الصورة أكثر. فهذا أحد رجال الأعمال البارزين في الولايات المتحدة الأميركية، وقد صار مليونيرا (يمتلك عشرات الملايين) في سنوات قليلة، ومن تجارة بسيطة. سألته مذيعة في إحدى القنوات: كيف كوّنت ثروتك ؟ فرد عليها: أنا تعليمي بسيط وكنت أتنقل من عمل إلى عمل حتى قرأت إعلانا لشركة مايكروسوفت تطلب مستخدمين (فراشين) للتعيين فيها، فذهبت إليهم، فطلبوا مني ملء استمارة، وبالفعل ملأتها، ثم توقفت عند البريد الإلكتروني، وتركت الخانة فارغة، فتعجبوا مني، فقلت: أنا لا أملك بريدا إلكترونيا ولا أعرف استخدام الحاسوب أصلا، فقالوا له: تريد أن تعمل في «مايكروسوفت» وأنت لا تعرف كيفية استخدام الحاسوب؟ واعتذروا عن تعيينه.
فخرج من عندهم مكسور الخاطر، وراح يتجول في الشوارع، وهو يفكر، وينظر في محفظته، ويعد ما فيها من دولارات قليلة. فسمع بعض الباعة الجائلين، ينادون على فاكهة وخضروات، فأسرع، واشترى بما معه بعض صناديق الفاكهة، ووقف يبيع مثلهم، وكم كان ماهرا في بيعه، وسرعان ما تحول إلى تاجر كبير، يمتلك المتاجر والمبردات المخصصة لهذه التجارة، وكوّن ثروته الكبيرة.
فسألته المذيعة: وهل تجيد الآن استخدام الحاسوب وتملك بريدا إلكترونيا؟
ابتسم الرجل، وقال: لا، ولن أفعل، ولو كنت فعلت وقتها، لكنت ما زلت مستخدما في شركة مايكروسوفت.
لننظر جيدا: إن المفتاح معه في ذكائه ومهارته، والأجمل أنه اشترى صناديق قليلة ليبدأ تجارته، وبها صار تاجرا كبيرا في آلاف الصناديق.