pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

تركيا شريكٌ فيه

عفرين تدْفع ثمن الصراع الأميركي - الروسي

No Image

... سيَدخل الجيش السوري عفرين الكردية في شمال غربي سورية... لن يدخل الجيش السوري ولا اتفاق.
وأخيراً، دخلت أمس المئات من القوات الشعبية السورية بطلب من دمشق الى مقاطعة عفرين من القوات التابعة للمدن الشيعية في نبل والزهراء لدعم الأكراد ضد قوات انقرة وحلفائها. وبالموافقة على إرسال هذه القوات الرديفة تكون دمشق قد قررت مواجهة تركيا وكسر «غصن الزيتون».
وهكذا حصل اذ استقبلت هذه القوات الرديفة الداعمة المدفعية التركية لترد عليها القوات المرسلة من دمشق، مسجلة أول اشتباك هذه السنة بين دمشق وأنقرة .
تَضارُب الأخبار الواردة عن تطورات الوضع في مقاطعة عفرين الكردية التي تتعرّض للهجوم من تركيا وحلفائها السوريين يدلّ على مدى اللعبة الروسية - الأميركية التي يَدفع اليوم الأكراد ثمناً باهظاً لها بسبب تحالفهم مع الولايات المتحدة في إقليم الحسكة - دير الزور وعدم اندماجهم تحت سيطرة الحكومة السورية.
كل هذا يعود سببه إلى الاتفاق الروسي - الأميركي منذ أكثر من عام على ضرورة تقسيم مناطق النفوذ لتنسيق الضربات ومنْع «الحوادث الجوية» بين الطرفين. واعتقدتْ موسكو أن واشنطن ستلتزم بوعودها كما جاء على لسان الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي انتقد المرشحة هيلاري كلينتون لإمكان تسببها بحرب عالمية ثالثة مع روسيا بفعل سياستها التي صرّحت عنها في ما يتعلق بسورية وتدخّلها هناك. وقال ترامب حينها إنه غير مهتمّ إلا بهزيمة «داعش» وعدم الاحتكاك بروسيا ومنطقة نفوذها الجديدة في بلاد الشام، ولم يتوقّع الرئيس فلاديمير بوتين أن يحطّم الرئيس الأميركي مقياس الأكاذيب الذي - حسب صحيفة «الاندبندنت» البريطانية وصحف أميركية - قد تجاوز 2000 كذبة في أول سنة له في الحكم.
وبالتالي فقد وافقتْ روسيا على إعطاء شرق نهر الفرات للنفوذ الأميركي على أساس الحرب على «داعش» لتفاجأ بإعلان أميركا أنها باقية في سورية بغضّ النظر عن «داعش» ولن تسمح لأي قوة بإجتياز نهر الفرات. وهكذا أخذتْ الولايات المتحدة حقول النفط والغاز الغنية وسيطرتْ على 24 في المئة من الأراضي السورية (عدد سكان تلك البقعة يمثّل 10 في المئة فقط من سورية)، واحتمتْ خلف «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) وقدّمتْ الإغراءات للعشائر في المنطقة، كما فعلتْ في العراق عندما أنشأت بنجاح قوات «الصحوات».
وآخر ما فعلتْه القوات الأميركية هو توجيه ضربة قاصمة لقوات العشائر السورية ومعهم مقاتلون من شركة «فاغنر» الروسية خلال محاولتهم عبور الفرات باتجاه حقل غاز «كونيكو» وحقل العمر النفطي. وهذا ما حاولتْ موسكو وواشنطن استيعابه كي لا تتدحرج الأمور إلى مواجهة مباشرة وشاملة لا يريدها الطرفان. إلا أن بوتين لم يبتلع الخدعة الأميركية بتقسيم النفوذ وبدأ معركته الصامتة من خلال السماح لتركيا بضرْب أكراد سورية - حلفاء أميركا - لإظهار مدى عجْز وتخلي البيت الأبيض عن حلفائه المزعومين من الأكراد وكشْف سياسة واشنطن القاضية باستخدام جزء من أكراد الحسكة كدروع لها بدل أن يُظْهِر ترامب نفسه على أنه حامي الأقليات من الأكراد الذين يتمتعون بدعمٍ دولي من شعوب متعددة في العالم الغربي وتَعاطُف مع قضيتهم.
وتجلّت الضربة الروسية بالانسحاب من مقاطعة عفرين عندما رفض الأكراد السماح للجيش السوري باستعادة السيطرة على المقاطعة وبسْط سلطته عليها بالكامل، كما كان الوضع العام 2011 (بعد هذا التاريخ أخذ مسؤولو الإدارة المدنية السيطرة على المدينة وهم يملكون المال والسلاح الثقيل).
واعتقد أكراد عفرين أن أميركا ستهبّ لنجدتهم أو تضغط على تركيا لوقف ضرب المقاطعة. إلا أن الرئيس رجب طيب أردوغان استطاع لعب ورقته جيداً وأَجْبر - سياسياً - أميركا وأوروبا (أخيراً فرنسا) على الموافقة على هجومه وهدف عمليته التي أُطلق عليها اسم «غصن الزيتون».
وبعد شهر من انطلاق العملية، بدأ أكراد سورية يفهمون اللعبة حولهم ولكنهم لم يتقنوا لعبها بعد. إذ انكشفت نيات أميركا التي وجدتْ نفسها عاجزةً عن وقف العملية ضدها في عفرين، على الرغم من إمداد الأكراد بسلاح «التاو» المضاد للدبابات والذي أثبت فعاليته باصطياد عدد من الدبابات التركية. وحصلتْ روسيا على مرادها بإعطاء دروس لأكراد سورية بأن اللعب مع الأميركي أو الوقوف بين الجبّاريْن (الأميركي والروسي) سيؤدي إلى سحقهم من دون أن يتأثّر الجبابرة بهم. فأميركا باقية وروسيا باقية وسيُخْرِج أحدهما الآخر إذا لم يتوقف اللعب الخشن بينهما ويتقبّل أحدهما الآخر على غرار ما حدث في برلين بعد الحرب العالمية الثانية.
أما الإدارة المدنية في عفرين فهي تجهل أنه كلّما مرّ يوم من دون الموافقة التامة وغير المشروطة على طلبات دمشق، كلما خسر هؤلاء أكثر لتزداد مطالب الحكومة السورية لتشمل منبج والطبقة وغيرهما، وتزداد شروط أنقرة ومطالبها مقابل ترْك الجيش السوري يسيطر على عفرين.
لقد وافقت دمشق على إرسال بضعة مئات من القوات الشعبية المحلية لدعم أكراد عفرين من بلدات نبل والزهراء وغيرها من دون التنسيق مع تركيا. ومن غير المستبعد أن يطول أمد المفاوضات إلى اجتماع أستانة في منتصف الشهر المقبل في كازاخستان لبحث مصير عفرين وإدلب، إلا اذا وافق أكراد عفرين على كل المطالب الدمشقية الإضافية من دون أي تردد. علماً أن كل يوم تأخير لا يزيد فقط من مطالب الحكومة السورية بل يزيد المساحة التي تتقدّم فيها القوات التركية وحلفاؤها.
أما الضربة الروسية فهي لن تتوقف في عفرين، بل امتدّت إلى غوطة دمشق الشرقية حيث تصرّ موسكو على إنهاء «القاعدة» (جبهة النصرة او هيئة تحرير الشام) ومعها «فيلق الرحمن». والهدف الروسي من ذلك إبقاء أميركا معزولة وحدها في الحسكة لتَظْهر سيطرتها على شرق نهر الفرات غير مشروعة دولياً ولا سيما أن جيباً مهماً لـ «داعش» موجود في المنطقة التي تسيطر عليها أميركا وبالتالي تحميها من الضربات الروسية.
إلا أن لدى أميركا - عن طريق حلفائها - ورقة أخرى تلعبها جنوب دمشق، وبالتحديد في مخيم اليرموك، حيث يتواجد أكثر من 1500 عنصر من «داعش» داخل المخيم الفلسطيني. وقد بدأ هؤلاء بالتحرك لإنهاء المئات من عناصر «القاعدة» وبسْط سيطرتهم على المخيم مع إمكان الاستعداد لمهاجمة القوات السورية من الخلف.
أصبح الأكراد و«داعش» و«القاعدة» جزءاً من لعبة الشطرنج الأميركية - الروسية - التركية، يتحرّكون حسب سياسة اللاعبين الذين قسموا مناطق نفوذهم ولم يرضَ أحدهم بالآخر. أما اللاعب التركي فقد ابتعد كثيراً عن واشنطن من دون أن يتخلى عن البيت الأبيض. وقد أَظْهر أردوغان قربه أكثر إلى بوتين منه الى ترامب. فروسيا حليف استراتيجي - اقتصادي وهي باقية على الحدود التركية لمدة أطول بكثير من أميركا التي - بنظر تركيا - تسلّح وتحمي وتدعم أعداء أنقرة. وبسبب انعدام الثقة بين واشنطن وأنقرة على الرغم من تَلاقي بعض المصالح، فإن روسيا ستبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في بلاد الشام.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي