ترجمة
ماذا يخبئ المستقبل للعالم؟
كان تعبير «التنبؤ بالمستقبل» دوما تعبيرا سيئ السمعة، ارتبط في الأذهان قديما بالسحر والتنجيم والشعوذة، ولكن الأمر اختلف الآن كثيرا مع التقدم الذي أحرزته العلوم الاجتماعية والإنسانية في مجال تحليل العلاقات والتقييم ووضع الاستراتيجيات واستخدام أساليب حديثة في قراءة الواقع المحلي والواقع العالمي. تنطوي معظم القرارات التي يتخذها البشر على إصدار أحكام عن المستقبل. فعندما يفكر الناس في مقرر دراسي، فإنهم يشكلون رؤية حول فرص العمل التي ربما يؤدي إليها. وفي حالة الاستقرار على شراء منزل، عليهم أن يتنبأوا بنوعية الحياة مع مختلف الجيران والعلاقة معهم.
وعند التخطيط لتكوين أسرة، تبدأ عملية التخمين بالمستوى الاقتصادي الآمن في المستقبل. إن تحسين جميع المداخل التقليدية للتنبؤ يتوقف على تحسين نوعية الأحكام القائمة على الخبرة، وجودة النموذج، أو جودة البيانات. وأبسط طريقة لتحسين جودة الحكم القائم على الخبرة هو ببساطة العثور على أفضل خبير، ولكن هناك طرقًا أخرى منهجية، مثل: طريقة دلفى، وهي أكثر الوسائل شيوعًا لتحسين جودة الأحكام القائمة على الخبرة.
إن قيمة النظر إلى المستقبل قيمة عظيمة إلى حد كبير فى علم الاقتصاد. وعندما يحدث وميض أكثر من المعرفة عن المستقبل، يمكن أن تجني ثروة أكثر من باقى أفراد المجتمع، فيمكنك مثلًا أن تتغلب على سوق الأوراق المالية لو عرفت مسبقًا آخر تقرير يتناوله الاقتصاد عن التوظيف والأجور والتضخم. ويمكنك الوقوف على أفضل فرصة في مجال الوظائف لو عرفت أى المجالات سيكون ملائمًا إلى حد بعيد، وأيها سيكون بها فائض عمالة فى العقد المقبل. إلا أن علماء الاقتصاد يشعرون بنوع من الازدراء إزاء التحديق إلى المستقبل، لأنهم يعرفون مدى صعوبة التنبؤ بالظواهر الاقتصادية من عام لآخر، وتزداد هذه الصعوبة إذا تعلق الأمر بما يمكن حدوثه عبر فترات طويلة من الزمن.
هكذا يناقش كتاب «ماذا يخبئ المستقبل للعالم؟... رؤى من منظور العلوم الاجتماعية» هذه المسألة وهو الكتاب الصادر عن المركز القومي للترجمة، ترجمة كل من محمد رفعت عواد، ومصطفى خلف عبدالجواد، والذي يناقش بعض نقاط القوة والضعف في المداخل والتنبؤات من منظور اليوم، مثل: التنبؤات التكنولوجية وتأثيرها على التنمية الاقتصادية والسياسية، فإن التنبؤات كانت فى الغالب صحيحة بل وأحيانا كانت مثيرة للدهشة.
أما في مجال التنبؤات السياسة، فقد عرض الكتاب نماذج بسيطة ومعقدة تتعلق بفتور الصراع بين الشرق والغرب، واستمرار مشكلة دول الشمال والجنوب، والأهمية المتزايدة للمنظمات العالمية وتلك التى تتخطى الحدود القومية. أيضًا ظهرت نقاط الضعف المهمة فى الدراسات المستقبلية بالنظر إلى التكهنات الخاصة بالتغير الاجتماعي والثقافي حيث كانت هناك مغالاة في تقدير مجاله ومداه في أغلب الأحوال.
ويضم الكتاب 9 فصول تبحث عن الكيفية التي يمكننا من خلالها النظر بذكاء إلى المستقبل، مع الوضع في الاعتبار المقاربات المنهجية المختلفة والمتنوعة التي يتبنها المتخصصون في استشراق المستقبل وما سيكون عليه من تطورات ومسارات في الحياة البشرية. كما يطرح عددا من الأسئلة المهمة من قبيل: كم سيصبح عدد البشر في المستقبل؟ ما هي أنماط العمل التي ستوجد؟ كيف ستعمل الحكومات على المستويات الإقليمية والمحلية والعالمية؟ هل سيبقى التضخم تحت السيطرة؟
* كاتبة ومترجمة مصرية
[email protected]