علي المسعودي... يبدأ رحلة توثيق رموز الشعر الشعبي في الجزيرة العربية

«حكاية قصيدة» من خلال «حكاية شاعر»

تصغير
تكبير

إصدار جديد طرحه الكاتب والناقد المعروف علي المسعودي يحمل عنوان «حكاية شاعر حكاية قصيدة» صدر عن دار تقاسيم في الكويت، يرصد فيه جزءا مهما من تاريخ الشعر النبطي في المنطقة من خلال توثيق حياة أشهر الشعراء في نجد وما حولها.
ويقول المسعودي إن هذا الإصدار هو الجزء الأول من سلسلة ينوي إصدارها تباعا في قراءة جديدة موازية لما قام به في القرن الماضي، عبدالله الحاتم وعبدالله بن خميس. ويأتي هذا الإصدار المهم بعد تجربة طويلة وفاعلية كبيرة للمسعودي في المشهد الشعري كصحافي وناقد ومقدم برامج ومنظم أمسيات ومشرف مهرجانات كثيرة.
وهنا نثبت جزءا من تقديمه للكتاب والذي يغني عن التعريف بالهدف والمحتوى حيث يقول:
هي الحكايات ذاتها نعيد قراءتها من جديد كي لا يخبو فينا وميض قديم.
نكررها لتتناقل من جيل إلى جيل... فهي خروجنا الأليف من شحنات العالم الرقمي، وضوضاء الأجهزة الالكترونية... ليست جديدة لكنها طازجة وممتعة.
على مدى سنوات من القراءات، جمعت هذه السير والحكايات والانطباعات والقراءات في الشعر والشعراء والذاكرة الشعبية قديمها وحديثها... كنت خلالها لا أمارس أكثر من متعة القراءة، ومتعة التحليل والتقصي، والاستكشاف والاستجلاء، والبحث عن المناسبة، وتذوق المفردة الجميلة وتلمّس القلب الشفاف والدمعة المواربة، والكبد التي يفطرها حزن الفراق والنفس التي تعصرها الوحشة.
هي رغبة العثور على قصيدة مثل آهة غريب في بلاد بعيدة لم يجد إلا الشعر ملاذا.
 وهي تجلّيات اكتشاف أخبار القبائل وحكايات المروءة المخبأة في المخزون الشعري الهائل الذي ذرت الكثير منه رياح الصحراء وخبأته في الرمال... بينها وتحتها، وفي بعض القلوب التي تمشي فوقها... لا تريد أكثر من أن يحرثها سؤال ملحّ، وفضول صادق النوايا.
ولا أزعم أن في الحكايات جديد بالنسبة للمتبحرين في هذا المجال أو من سبقوني إليه... فهي متوزعة في عقول رواتها، وفي بطون الكتب، وجيوب المواقع الالكترونية... فلم أجمعها كباحث ينقب ويدقق ويقارن، ويستخرج الصحيح والأصح، إذ لست أكثر من متذوق... أحب الشعر والصحراء وحكاياتها والبداوة وذكرياتها والرحيل الطويل وماخلفه في قلوب الجيل المهاجر إلى المدينة من حسرة وحنين واغتراب... إذ لم يستطع أن ينتمي للمدينة كما يجب، ولم يجرؤ على العودة إلى صحرائه كما يتمنى... فظل كذئب يدور بين زوايا غرفة في حديقة عامة!
ثم إنني لم اختر الشخصيات المدرجة في هذه الصفحات عن سابق قصد... إنما عن سابق شغف ومحبة... ورغبة في تلمس المعرفة والكشف عن مكامن تلك القصص الجميلة.
إنني وأنا أراجع تلك الحكايات شعرت بقدمي تغوص في رمل ليل الشتاء الباردة... وفي مرة أخرى شعرت بها تهوي في طرف طعس يمور تحت لهيب الشمس «القيظ»، وركضت بين أشجار الطرفا أسمع صوت أبي يودّه ابله بصوته التي تعرفه عطايا الله تمام وتستجيب له كما لم تستجب لأحد غيره حتى عرفه أبناء البادية ليس بحبه للابل بل بحب الإبل له...
ومن بين صفحات التي أقرأها قفز أرنب بري جعلني أترك القلم والورق لألحق به فأقطع مسافة طويلة لم أشعر بها إلا عندما توقفت عن الركض بدخوله جحرا تحت شجرة قصيع... فعدت يائسا أتسلى بحلقات شجرة «أم الخواتم» أضعها في أصابعي...
وبعد ان أخرجت بصعوبة أشواك العاقول التي توزعت في باطن قدمي... ارتويت من حليب ناقتنا الفاخر... وانتظرت حتى جاء المساء... لأستلقي مستمتعا بنجوم السماء الصافية وهبات النسيم العليلة... وأغنيات أم حنونة مشحونة بالشجن.
ذاك ما أعطانيه الشعر... العالم الذي أحببته بصدق... وانتميت إلى عالمه بإخلاص، فكان الصديق الجميل والسعادة الحقيقية التي عشتها
هنا قصائد أحببتها وشعراء تقصّيت نتاجهم الإبداعي قديما وحديثا..
وإن وجد القارئ الكريم بعض الأخطاء... فهي أخطاء المجتهد الذي أراد الحق فأخطأه، وعشمي في عفو من علم من خطئي شيئا، وشكري لمن صوب لي بمودة وامتناني لمن انتقدني انتقاد من يريد لي الخير والهداية والنجاح...
وأسال الله الكريم أن يجعل عملي هذا خاليا من الرياء وأن يغفر لي كل ذنب علمته أو لم أعلمه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
ثم يبدأ المسعودي في التقاط زهور القصيد من حديقة الشعر ويبدأ ببستان الشعر... محمد الخس الذي يختار له عناوين: الغزل الحقيقي... واقعا لا خيالا، ويقول عنه:
يحضر الشاعر الكبير محمد الخس المطيري في الذاكرة الشعبية كقيمة ثرية ممتدة من حيث معاصرته لأجيال أدبية عدة، كان خلالها شاهدا على تحولات الحياة بكل تفاصيلها وانتقالها من حال إلى حال، تغيرت الظروف وتبدلت الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي كل هذه التحولات بقي محمد الخس اسما بارزا في عالم الشعر الشعبي من حيث جدية الطرح والرصانة في الحضور، إذ حرص أن يتجنب كل ما يمكن ان يجرح سمعة الأديب أو مروءته... مبتعدا عن الاعلام قدر المستطاع، فاقتصر ظهوره على بعض المناسبات أو ما استوجب الظهور فقط، ورغم ابتعاده عن الترويج الإعلامي ظل شعره هو اعلام نفسه متداولا محفوظا ينال الاعجاب والثناء.
 وقد اشتهر بشعر المقناص بالقدر الذي اشتهر فيه بشعر الغزل، وكان قد رافق مؤسس المملكة العربية الملك عبدالعزيز آل سعود الذي قلده لقب البستان، حين ألقى الخس قصيدة بين يدي الملك عبدالعزيز يمدحه فيها بعد مقابلته الشهيرة مع روزفلت في عرض البحر...
ثم يختم الفصل بهذه القصيد للخس:
الشيخ لا فكّر بّبطنه ومخباه
حدّر عن العليا مع البير تحدير
لاصار مارام العلا لا ترجّاه
لو هو ولد شوخٍ تقود الطوابير
تراه ما ينفعك لو كان تنخاه
لا صار تفكيره بجمع الدنانير
خل البخيل اللي عشاه يتغدّاه
مالك ومال مصرّر القرش تصرير
قله لعله همزة مقيط ورشاه
يرزقك عن بعض العرب رازق الطير
عليك باللي ما تحسّب عطاياه
 اللي من امثاله مثل سالم الزير
اما مثل سلمان والا حلاياه
اللي تشوف بوجهه الشر والخير
اللي من افعاله يهابونه عداه
 تخاف منهو ترتجيه المناعير
ابن الذي صفّا الجزيره بيمناه
فوق النضا ومعسكرات المسامير
والا خطاة الشيخ بعده وفرقاه
عيدٍ لسمحين الوجيه المسافير
لاصار همه وش غدا له ووش جاه
 كثر الشحم تلقاه فوق الخنازير
وبعد ذلك يخصص مقالات لتجربة الأمير الشاعر عبدالله الفيصل ثم تربة الشاعر الكويتي طلال السعيد لينتقل بعدها إلى حكاية محمد الشعلان وقصيدته الشهيرة:

يامل قلب للروابع تمسّه
مسة حبال مهاوزات الأضله
طس السبيل من اصفر اللون طسه
الشاوري يبري عن القلب عله
من كيس قرمٍ ضاريٍ ما يدسه
تلقاة مجدوعٍ على جال دلة
لو عندنا من غيب الأيام رسّه
الآدمي مصلوح نفسه يدله
لا شفت ضول الناس بالك تعسه
وان جنبك شر المخاليق خله
وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أحد أهم مؤسسي ديوانية شعراء النبط... وهو الشاعر سليمان الهويدي، الذي يقول عنه المسعودي انه يحول الكلمة إلى صورة، فتصبح الأحرف كائنات حية تعبر تعبيرا حركيا، فيسمع المتلقي صوتها ويرى تحولاتها، ويستنشق عطرها...

وهو الشاعر الذي أكثر الشاعر من التوجد على الزمان الذي راح، وظل يذكر الأسماء والأماكن في شعره ومن ذلك ماقاله مخاطبا ابنه وائل:
يا وايل هذا محل إشقير
وهذي مضاريب قلبانه
حط في هالمكان قصير
هو عزبة له ومسكانه
أسور القاع لك تسوير
وأحدد الكوت بأركانه
وقد تزوج الهويدي باكرا ورزق من الأولاد ثلاثة، أكبرهم صالح، ويليه مساعد ثم وائل، ومن البنات خمس، أحبهن حبا شديدا وهن قد تعلقن به كثيرا، وقد قال فيهن:
عساي ما اموت الا كبارٍ بناتي
يمشن سعيدات ولاهن يتيمات
وكان رحمه الله، شديد الحرص على تعليم أبنائه، وذلك انطلاقا من حبه للثقافة والتعليم ويشهد بذلك بعض أبياته حيث يقول:
عنده عيالٍ صالحين ورشيدين
لا غاب والدهم هم يمثلونه
ويقول ناصحا أحد أبنائه:
رد الأوهام عنك والكسل
وإعرف الدنيا من أولها كفاح
ثم ينتقل للحديث عن الشاعر عبدالله بن عون العتيبي ومجاراته مع الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ليذهب بعد ذلك إلى شاعر الجيلين - كما أسماه - الذي ذاعت قصائده بين الناس لما تحمله من حكمة وتنوع في الأغراض من خلال تجربة أدبية طويلة خاض من خلالها في ألوان وقد اكتنز شعره بالمعاني الرفيعة والأبعاد الحكيمة، مثل قوله:

ترى بعض انهصـار النفـس رفعـه
يتـوجـها مـن الرفعـة بتـاجـي
وأعـرف أن العـوارف لـم يزالـوا
هـم النبـراس كـان الليـل داجـي
وترى كسـب الأديـب من الأديـب
هـدايـا مـا تبيـع بـالحـراجـي
بـها كسـب المعـالـي و الفخـور
إذا لك مـع هـل الفخـر اندماجـي
وقد ترك نتاجا شعريا غزيراً من حيث الكم والجودة، حتى أطلقوا عليه لقب شاعر الجيلين لما له من حضور في شعراء جيله، وكذلك بين شعراء الجيل الذي يليه لما أنتجه من شعر وضعه في الصف الأول من المبدعين وكذلك ما يتحلى به من روح شابة جعلته يتآلف مع الجيل الشاب الذي ظهر بعده.
ثم يتناول الكاتب تجربة الشاعر محمد بن لعبون
عاش بالشعر... ومات بالطاعون
ثم أمان الشاعر القطري ثم يحكي
حجة بصري الوضيحي التي ذهبت مثلا
والحقيقة أن الحكاية رغم طرافتها وتشويقها وجمال قصيدتها، وشهرتها بين الناس، الا أنها غير متواترة السند.
ليحكي بعد ذلك قصيدة مبارك البخيت السبيعي الشهيرة ومنها البيت
خـلـقـت بالدنيا وأنا ما معــي شــي
 وبـروح مـنـهـا مـامـعي شـي مـنـها
حيث يؤكّد الشاعر مبارك فايز البخيّت السبيعي أنه لايقول قصيدة بلا سبب... فكل قصيدة عنده لا بد لها من حكاية.
ويقول: هذه القصيدة التي انتشرت بين الناس سببها أنني كنت عام 1395 أسكن في المنطقة الغربية في قرية اسمها بحره، بين جدة ومكة لأني كنت أعمل هناك في الحرس الوطني.
وكان يمر بي أناس من الجماعة والرفاقة اللي على المورات ممن يشترون ويبيعون في السيارات أو ممن يشترون الشعير والعلف من أعلاف جده وكذلك من هم في أفواج الجهاد عندنا فوج لابن قويد للدواسر؟ وفوج لابن عبود من قحطان، افواج الجهاد وفيها افواج ناس من الجماعة من منطقة خرمة وأهل منطقة رنية.
وفي ليلة من الليالي كنت جالسا أمام المشب في الحوش أعد القهوة للنشامى، وكان يجلس عدد من الأصدقاء، فأخذوا يعاتبوني على الكرم، يقولون: أنت خبل جالس على درب أهل المورات وعلى درب أهل الجهاد وانت الحرس مصيرهم يفصلونك إلا يقعدونك، وعندك حرمتين وعيال ومن هالحكي!
وهو عتب وهوش محبة ومحنية، ويقولون قلل في الكرم شوي
أثناء ذلك كنت أعد القهوة، وأدق البهار، فبدل ما أضع البهار في الدلة المبهارة حطيته في براد الشاي!
«هوجست... بسبب كلامهم الذي ضايقني»

قالوا: خرّبت القهوة يالبخيّت!
قلت: انتم خربتوها، البخيت سرحتوه لين اخلفتوه.
وبعد أن ذهبوا قلت هذه الابيات:
سجـه مـع الهاجــوس طبيعـةٍ لي
طبيعةٍ بامـوت ماجزت عـنـها
أشكي على الخلاق وأرفع له إيدي
لاكـثـرت الأفـكـار يـفــك مـنها
أما الكرم قـد فـاز بـه حاتم الطي
حتى الفرس من شان ضيفه طعنها
خلوني أكـرم فـي حـيـاتـي وأنا حـي
ولا مـت مـدري جـثـتـي مـن دفـنـها
خـلـقـت بالدنيا وأنا ما معــي شــي
 وبـروح مـنـهـا مـامـعي شـي مـنـها
لابد مانرحل عن المزح والغي
ونسكن بيوتٍ قبلنا من سكنها
ثم يتحدث عن موضي العبيدي.. وفجيعة الحب والحرب
موضي العبيدي شاعرة الكويت التي ولدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوفيت عام 1921، اشتهر شعرها بفقد ابنين من أبنائها أحدهما غرق في البحر في رحلة غوص، والآخر قتل في معركة الصريف الشهيرة.
ورثته بقصيدة: مطلعها
قلت آه من علمٍ لفا به قرينيـس
ياليت منهـو ميـّتِ مـا درى بـه
علم لفا به مرّس القلـب تمريـس
والنار عجّت في الضمير التهابـه
والنوم له عن موق عيني حراريس
والحنظل الممزوج زاد بشرابـه
على الذي قفـّى على ضمّر العيـس
واليوم ما أدري وين حدٍ لفـا بـه
نصيت بيته قلـت لـه: يا قرينيـس!
وين الحبيب؟ وقـال: ماعلمنـا بـه
اقفى مع البيرق بحرب السناعيس
وان سلـّمه رب المخاليـق جابـه
رديت من كثر البكاء والهواجيـس
دمعي كما وبلٍ نشا مـن سحابـه
ويرصد الكتاب تجربة 30 شاعرا في 225 صفحة من القطع المتوسط.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي