انحدرت الكويت إلى المراكز الأخيرة عالمياً في القراءة كأهم مؤشر تعليمي وفق نتائج اختبارات «بيرلز» الدولية التي أعلنتها المنظمة الدولية لتقييم التحصيل التربوي للطلاب، كاشفة عن تدني مستويات الطلاب سواء في مدارس التعليم العام أو الخاص وحتى المدارس ثنائية اللغة والعربية.
ولن اسأل عما يعنيه خبر مثل هذا بالنسبة إلى وزارة التربية، لأن هذه النتيجة ليست جديدة عليهم، فالكويت احتلت في الدورة السابقة للعام 2011 المركز 46 من أصل 49 دولة مشاركة، علماً أنها شاركت بالصف السادس. أما هذه الدورة، فقد شاركت بالصف الرابع حيث احتلت المركز 47 من أصل 50 دولة.
لن أسأل، لأني أعلم أن الأمر لن يزيد على عقد اجتماع مع المعنيين في وزارة التربية لبحث النتائج الأولية للدراسة ومناقشتها، ثم تحليل النتائج التفصيلية خلال الفترة المقبلة ونشرها بشفافية تدريجياً حتى اكتمال التقرير الوطني المفصل عن الدراسة... ثم ننسى وننتظر الدورة المقبلة للتقييم لنكتشف أن أبناءنا يعيشون دائرة كهربائية مغلقة لا تتوقف عن التدني.
لا... لن أسال وزارة التربية.
لذلك، سأهتم بزاوية أخرى للسؤال... ما الذي يعنيه خبر مثل هذا لنا كأولياء أمور نبحث لأبنائنا عن مستقبل مشرق؟
وما الذي يعنيه خبر مثل هذا بالنسبة إلى أبنائنا الذين أمامهم المستقبل هو قفزة للمجهول؟
كولي أمر، فإنك تذهب كل يوم صباحاً إلى مقر عملك، حيث تلاحظ هناك بيئة غير مشجعة على العمل، وكبتاً ومحاربة لأي محاولات إبداعية تقوم بها، وتسلقاً وتملقاً ووفوداً مرافقة ووفوداً منافقة، وزمراً وتطبيلاً ومواكب بخور لإنجازات أقل ما يقال فيها إنها لا تبهر سوى العالم القديم وحضاراته البائدة.
إذا كنت تذهب كل يوم صباحاً لمكان عمل مثل هذا، فعليك أن تقبل المصير ذاته لأبنائك الموجودين في مدارس لا تختلف عن أماكن عملك.
حسناً... دعني أوضح لك ما الذي يحدث بالتحديد... وكيف تعمل مفاعيل الحركة في مجتمع لا يهتم بالحلول إلا إذا تحولت لصراع سياسي بين طرفين؟
الإنسان هو مستقبل أخيه الإنسان كما يقول الحكيم، ولذلك أنت تعيش في بيئة عمل هي نتاج نظام تعليمي سابق أثبت فشله على مدار 27 عاماً، وبالتالي فإن الأطفال الذين كانوا في المدرسة من قبل هم أنفسهم المتواجدون اليوم في المؤسسات، كل ما حدث هو أنهم كبروا وطبقوا ما تعلموه هناك. ولكي لا تتهمني أنني أعمم أو أزايد على المجتمع، فمن الضروري أن أنوه إلى أن هناك الكثير أيضاً ممن نجوا بأنفسهم من نظام مثل هذا، ولكن الفضل في ذلك يعود إلى احتفاظهم بطفولة لم يصبها الفناء والتحول إلى جسد موظفين راشدين بالغين، وصغار مسؤولين وكبار شخصيات توقفوا عن التعلم واستثمار المشاكل وتحويلها لحلول من أجل الكويت التي يتغنى بها الجميع على المسرح السياسي والإعلامي، ولكنهم وقت العمل يوجدون في المسرح المأسوي!
هذا ما يعنيه لك نتيجة تصنيف عالمي وضعنا في ذيل القائمة... أي أنك في كارثة ومقبل على كارثة.
أما في ما يتعلق بأبنائك، فهم يذهبون إلى مدرسة تشكل لهم بيئة تعليمية غير داعمة، لا تقوم على الركيزتين الأساسييتن اللتين تتمثلان في أولاً: الطلاب، وثانياً: أفكارهم. ولكنها تسير في اتجاه تجريب أفكار غيرهم عليهم، وإهمال أفكارهم لأن لا علاقة لها بالاختبار، تماماً بالشكل نفسه الذي تسير به بقية المؤسسات التي تستند على ركيزتين أساسيتين هما قائمة هاتفك واسم عائلتك!
أما الكفاءة فليس لها علاقة بالمؤسسة!
وهذا يعني أن المستقبل ماثل بين أعيننا اليوم وليس غداً، حيث يصبح أطفالنا تجسيداً لأحلامنا وآمالنا غير المحققة. فكما أن الإنسان مستقبل أخاه الإنسان، فكذلك الحاضر المعاش هو الخطوة الأولى للمستقبل، وأعتقد أنك لا تحتاج إلى أحد لكي يوضح لك أن المقدمات الخاطئة لا تقود إلا إلى نتائج خاطئة.
إن عدم الاهتمام الإعلامي والسياسي الجاد تجاه القضية التعليمية التي تحتل المقام الثاني بعد القضية الإسكانية حسب استطلاع مجلس الأمة لأولويات المواطنين، في مقابل الاهتمام الجاد بالقضية الرياضية التي تمثل اهتماماً أقل، لهو تعبير واضح وصريح أن هناك خللاً كبيراً في سلم أولويات المشاكل المجتمعية في هذا البلد.
كاتب كويتي
moh1alatwan@