قبل النص:
لم أعد أصدم عندما أرى نتائج نجاح طلاب الثانوية العامة، تصل إلى 90 في المئة وإلى 96 في المئة في اللغة العربية، وهم في غالبيتهم لا يفرقون بين التاء المفتوحة والتاء المربوطة، ويكفيك أن تأخذ جولة في تغريداتهم وتعليقاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي لتعرف حجم الكارثة التي لم ولن تعترف وزارة التربية بها، والتي تعرف أيضا أنَّ النسبة الحقيقية أقل من هذه النسبة بكثير جدا جدا جدا.
كثيرا ما كنت أتأثر بالقصص الدرامية والخيالية التي أشاهدها في التلفاز أو على شاشات السينما والتي تجسد جزءا من الواقع الذي نعيشه، ولكني سأحكي لكم قصة لم أكن أتصور أنني سأعيش مثل هذا الحدث، فمنذ بداية عملي في التدريس وأنا أحاول أن أكون الأب والأخ والصديق لجميع طلابي والذين يشاركونني - في غالب الأحيان- هذا الأمر، فتعرفت على الكثير من الشخصيات الجميلة التي شكلت جزءا من حياتي، وصارت جزءا لا يتجزأ من أحداثي اليومية، فلا يمر يومٌ إلا وأنا على علم بأحوال الكثير منهم دراسيا ونفسيا وسلوكيا، مجهود لا أعتقد أنه بسيط لكنَّ مردوده جميلٌ جدا لمن عرف قيمته وذاق حلاوته.
ومع هذا الدور الذي لعبته في حياتي المدرسية جاءتني هدية من السماء من شخص لم يكن على قيد الحياة - ولم أكن أتصور أنني سأتلقى هدية من شخص رحل عن عالمنا هذا - لم ألتقِ به ولم يلتقِ بي، لا أذكر أنني رأيته أو أني عرفته أو صادفته في حياتي، لكنَّي أعرفه جيدا رغم اختلافات البيئة والمحيط وكل ما يمكن أن يكون حائلا بيني وبينه - يحيى دشتي- هو والد أحد طلابي الذي توفاه الله أثناء دراسة ابنه - علي - في مدرستي، فأهداني - يحيى - أجمل هدية في حياتي، فجعلني أبا قبل أن أكون أبا وجعلني أخا كبيرا وأنا أصغر إخوتي! عطاء من شخص متوفى تمثل في ابنه علي الذي جعلني أتمنى أنني أكبر عمرا لكي أسمع منه كلمة - أبي - وأعرف جيدا أنني لن أعوضه إياه.
ويكفيني أن أكون أخا لمن حمل أخلاق أبيه ورجولته وكرمه وشهامته، فجسدها على أرض الواقع محافظا على اسم أبيه، ومقدرا وصيته واهتمامه، فكان أفضل مثال للتربية الحسنة، والتنشئة المتزنة، وهذا ما يجعلني أكتب عن هذا النمط من التربية الذي زرعه هذا الرجل في ابنه فجعل منه نموذجا للأخلاق والتفوق. فرغم السنوات البسيطة التي عاشها مع ابنه الصغير إلا أنه مارس دوره جيدا كما يجب أن يمارسه جميع الآباء مع أبنائهم، فلم تشغله الحياة ولا العمل عن تربية ابنه ووضعه على طريق الرجولة والمعرفة والاعتماد على النفس، وهذا الأمر حريٌ أن يكون ديدن جميع من يرغب في أن يكون أسرة، فالانجاب ليس نهاية مطاف الأسرة بل النتائج الإيجابية التي تثمر إنجازا هي ما يمثل فعلا معنى الأسرة التي تبني مجتمعا وتكون جزءا فاعلا فيه، فإن رحل يحيى بجسده، فهو حيٌ بيننا بروحه وتربيته التي أثمرت جزءا مهما ونافعا في المجتمع.
وفي ظل ما نعانيه في مجتمعاتنا من تفكك وتشرذم أسري، أيقنت أنَّ الدور المنوط بالمعلم لا يجب أن يكون متعلقا بالمنهج فقط، فالمعلم يشكل جزءا من حياة المتعلمين إذا كان فعلا يعتبرهم مسؤولية تعليمية ونفسية وأخلاقية، وهذا ما يجعلني دائما أشدد على تأهيل المعلم في مجالات عدة وألا يكتفي بالدور المنوط به في المنهج، مبتعدا بذلك عن محيط الطالب الذي يشكل جزءا كبيرا من دافعيته على التحصيل والتفوق والاستمرار في التعلم، فالمعلم في المدرسة أب وأخ وصديق وملجأ للطلاب في ظل اختلال المفهوم الأسري في المجتمع.
خارج النص:
- لا تعتقد عزيزي القارئ أنني وحدي أمارس هذا الدور، ولكنَّ الكثير من المعلمين مثلي وأفضل مني بكثير، أثروا وغيروا كثيرا في شخصيات طلابهم وطوروها إلى الأفضل.
[email protected]