لم تكن الفتاة الفلسطينية عهد التميمي، التي تبلغ من العمر 17 عاماً، شابة عادية استسلمت لواقع الاحتلال الإسرائيلي... ولكنها شابة مختلفة تماما عن غيرها، عاشت منذ طفولتها ثائرة وصارمة مع ايقونة المقاومة الفلسطينية، وجرأتها جعلتها تقف صامدة بوجه العدوان من دون أي مشاعر خوف حتى كبرت واصبحت أكثر صلابة مثل الرجال، لكي تصفع قوات الاحتلال أمام الملأ ولتعلمهم معنى الصمود على أرض الواقع.
فاليوم تتحدث الشابة عهد عن الشجاعة والوفاء والنضال التي تحلت بها في مقاومة الاسرائيليين، فحينما تتشاجر مع جنود الاحتلال تظهر قوية متماسكة، لا تخاف التهديد والوعيد ولا تعرف الابتسامة إلا لأبناء جلدتها. تبتسم وتفرد شعرها داخل محاكم إسرائيل العسكرية وكأنها تعيد شعارها «لا السجن ولا الموت يرهبني، فأنا بنت فلسطين والكل يعرفني».
عهد قدمت درسا جديدا من دروس الوفاء والتضحية للأرض، وهذا العمل بمثابة رسالة للاحتلال تبرهن بأن المقاومة مستمرة وان الشعب قادر على تحرير أرضه. وبالتالي لم يتحمل الكيان الصهيوني ذلك، لتقوم قواته بمداهمة منزل التميمي، وسط الظلام الدامس، وتوقفها مع العديد من الشباب تحت زعم باطل، وهو «الضلوع في نشاطات ارهابية شعبية»، حيث يبلغ عدد المعتقلين نحو 6400 بينهم 12 نائبا في المجلس التشريعي الفلسطيني.
واليوم وقعت عهد، ضحية جديدة لاحتلال طويل لا نعرف مداه في عهد الذل والهوان والاستسلام والعربي والاسلامي... شغلت قضية عهد، الرأي العام الاسرائيلي وتصدرت اهم عناوين الصحف، فانقسم الشارع بين مؤيد ومعارض... مؤيد لتصرف الجنود الذي اعطى صورة إيجابية عن الجيش الاسرائيلي الى العالم، وبين معارض انتقد تصرفات الجنود، ولذلك طالبت النيابة الاسرائيلية بكل صلافة بتمديد اعتقال الشابة لمدة 10 ايام أخرى، في حين لا يزال الشعب الفلسطيني يحتج على هذه الإجراءات العشوائية، مطالبا بالافراج عنها أمام سجن عوفر قرب رام الله، حيث يعاني الكثير من الشباب الفلسطيني من اتهامات باطلة من قبل السلطات التي تسعى إلى تطبيق حكم السجن عليهم مدى الحياة!
اعتقال عهد قسرا، يفضح مجددا وبقوة ممارسات الاحتلال علناً، في حين يفتخر والدها بابنته البطلة ليقول لها أمام الحاضرين في المحكمة: ابتسمي وافردي شعرك يا عهد فأنتِ البطلة وأنتِ رمز الجيل الجديد من الفلسطينيين الشجعان الباحثين عن الحرية والنصر. ويقول: جيلنا انتهى أمره اليوم وانتِ حاملة الراية... فردت عهد بابتسامتها المعهودة التي تظهر الثقة بالنفس من دون ان تعبأ بالحراس الذين نهروها ومنعوها عن الكلام في القاعة.
ورغم ان عهد تعتبر لا تزال طفلة إلا ان اسرائيل لم ترحمها وظهرت مقيدة الرجلين بسلاسل داخل القفص الحديدي، ومحاطة بأربعة حراس. لقد رأيناها كيف تبتسم وكأنها تريد ان ترسل رسالة تدل على الاستهزاء...
إلا أن واقع ما جرى، وهو اعتقال قاصر من بيتها وترويعها امام أسرتها واحتجازها في السجن من دون «ادانة»، يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي! ونتساءل هنا عن كيفية وضع فتاة صغيرة جميلة في قفص الاتهام ويتم تقييد رجليها باصفاد حديدة في محاكمة سياسية؟
لقد نشأت عهد في كنف عائلة فاضلة رفضت ان تخضع للذل، ما ادى إلى اعتقال والدها ووالدتها واخيها عشرات المرات بخلاف ما عانته من فقدان للعم والخال على يد الاحتلال، ما يدل على أن الظروف التي احاطتها كانت مؤلمة، إذ ان مشاهدتها للأسرة بأكملها وهي تتعارض للضرب والعنف والاعتقال أمام عينيها كانت كفيلة بان تصقل شخصيتها القوية لتصبح كالرجال الأقوياء.
نعم ليس غريباً على شابة مثل عهد ان يتم تكريمها بجائزة «حنظلة للشجاعة» عام 2012 من قبل بلدية باشاك شهير في اسطنبول عن شجاعتها... فتحية إجلال وتقدير لك يا أخت الرجال ولأمثالك الأبطال الشجعان الذين وقفوا صامدين في وجه الطغيان والتعنت من أجل حرية واستقلال بلاده... «عاشت فلسطين حرة أبية والنصر لنا».
[email protected]