في العام 1794 أطاحت المقصلة برأس ماكسيمليان روبسبير، وهو يجر وراءه 36 عاماً. ولكي أكون دقيقاً، فقد تخلصت الثورة الفرنسية من لسانه الذي كان له بالغ الأثر أكثر من أفكاره، فقد قدم 500 خطبة أطاحت برؤوس أكثر من 16 ألف إنسان... لقد كان يملك لساناً كالمبرد فعلاً.
والبعض يردد أنه لولا لسانه هذا لما قامت الثورة الفرنسية، وأنه رجل شريف غير قابل للرشوة أو الإغواء من النساء.
وبالرغم من أن طوله لا يزيد على طول ميسي ووجهه مسطح غير مريح مشوه بالجدري، وشعره كان يأخذ وقتاً في ترتيبه أكثر من الوقت الذي يستغرقه في القراءة، إلا أنه حمل في جيبه أقوال روسو ومنتسكيو وفولتير وديدرو، وكان خطيباً مفوهاً يتكلم عن الجمهورية بطريقة أفضل من الآباء المؤسسين لأميركا أو بصراخ (أجدع من أجدعها) خطاب لمرشح عضو مجلس أمة هنا.
لقد كان روبسبير عقلانياً جداً... للدرجة التي جعلته ينجح في إقناع الشعب بإعدام الملك لويس السادس عشر وعائلته... وإقناعه أيضاً بإعدام أعداء الثورة والذين كان معظمهم من قادة الثورة نفسها.
ولا أدري ما هي حقيقة القصة التي تقول إنه نجح أيضاً في إقناع الجماهير بأن الراقصة العارية التي جاء بها في ميدان فرنسا هي رمز العقل والحرية والجمهورية والقطيعة التامة مع الملكية، والتي تحولت في ما بعد إلى تمثال «ماريان» تجسيد الفخر الوطني الفرنسي.
لقد سمى المؤرخون الفترة التي عاش فيها بعهد الإرهاب وعهد الرعب والفترة السوداء في الثورة، وتساءل الجميع كيف نجح روبسبير في أن يحافظ على تقديس الجماهير له رغم قتل 6 آلاف إنسان خلال أسابيع!
لقد نجح الرجل في إيجاد مناخ خانق لا يمكن الإفلات منه، حتى «أكبر شنب» فرنسي في المؤتمر الوطني كان يخشى أن يصيبه روبسبير بلسانه أو تهمه المعلبة مثل التعرض للثورة بالسب والقذف أو بث روح اليأس لدى المواطنين تجاه أي كاتب يفكر بالانتقاد أو تعكير صفو البراءة الثورية تجاه أي أحد يختلف معه في الرؤية، أو خدش حياء الحصانة الثورية لأعضاء المؤتمر.
حتى شريكه في النضال لم يسلم منه، فجورج دانتون الذي قدم لفرنسا والثورة أكثر مما قدمه روبسبير نفسه، وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، حيث نجح الثعلب الماكر عبر لسانه في أن يقنع الناس بأنه من أعداء الثورة الذين يجب أن توضع رؤوسهم تحت المقصلة من أجل مصلحة الشعب، وتحت المقصلة ردد جورج دانتون قائلاً: «الشيء الوحيد الذي يجعلني نادماً، هو أنني سأعدم بالمقصلة قبل الحيوان الذي يدعى روبسبير».
ويبدو عزيزي القارئ أن كلمة دانتون ظلت معلقة بين السماء والأرض حتى فتحت لها أبواب السماء وجاء دور رأس روبسبير.
والفشل الوحيد لروبسبير في حياته كان هو عدم قدرته على الكلام أثناء وضع رأسه تحت المقصلة، ليس لأن الشعب الفرنسي أغلق فمه بقطعة من الخام، ولكن لأن المجموعة الصغيرة التي قررت التخلص منه واقتحمت دار البلدية حيث اعتاد روبسبير التواجد هناك، كانت قد قررت إطلاق النار على «فكه» لأنهم كانوا يعلمون أنه لو تكلم بلسانه... لنجا.
ويصاب المرء بالحيرة أمام أحداث تاريخية مثل هذه، هل هي تدعو إلى الاستغراب أم إلى السخرية؟
وهل تتوقف الأحداث التاريخية في منطقة جغرافية أم تنتقل إلى مستقبل مناطق أخرى؟ ولماذا يظل اللسان هو العامل الأهم في السياسة وليست التنمية والتعليم والاستثمار في البشر وإطلاق إمكاناتهم؟
إنني لا أحاول هنا أن أستخدم الرموز لإسقاطات سياسية أراهن بها على ذكاء القارئ العربي وأراهن بها على غباء الأمن الإقليمي، هي فقط خاطرة تاريخية أردت أن أشارككم بها وأنا أتابع ما يحدث في جميع الدول المحيطة بنا.
وبالتأكيد، نحن لا نعيش عصر الإرهاب ولا الفترة السوداء... وبالتأكيد أيضاً أنه لا يوجد أمثال روبسبير في أي مكان.
كاتب كويتي
moh1alatwan@