بعد تقديم الاستجواب من النواب د. وليد الطبطبائي، ومحمد هايف، وعبدالله البرغش الموجه لسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، بدأت أجواء «الحل» تخيم على البلاد، وتتصاعد شيئاً فشيئاً نحو الحل الدستوري، والحل غير الدستوري على مجلس الأمة، فتصاعد وتيرة إشاعات «الحل» ليس وليد الساعة بل منذ أن بدأ المجلس استجوابا تلو الآخر، مع زيادة وتيرة الحدة في الطرح أثناء مناقشات المجلس القضايا المحلية والقضايا الدولية، في حين نرى أن رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي يحاول جاهداً الوصول إلى توافق نيابي - حكومي لحل الأزمات الدائرة، ولكن غالباً ما يصطدم برغبة الآخرين في نشوب حالة من التأزيم والتعقيد، وهذا بالتأكيد يكون خارجاً عن إرادة الخرافي كونه يبحث عن الإصلاح والإنجاز.
وكلمة الرئيس الخرافي «الله يستر» تحمل في طياتها الكثير من المعاني والمضامين، وتعني أن تقديم صحيفة الاستجواب كان متوقعا بعد أن طالب الطبطبائي بإعادة الجمع بين منصبي ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء حتى يكون لكرسي رئيس الوزراء هيبته!
ويرى النائب الطبطبائي أيضاً أن سمو رئيس مجلس الوزراء غير قادر على القيام بالأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقه في قيادة دفة البلد باعتبار: «انه اجتهد فأخطأ»!
وهذا حسب رأيه، غير أن الاستجواب المقدم للمجلس يحتوي على محاور من الممكن تحويلها إلى أسئلة برلمانية وهي أيضاً من صلاحياته الدستورية، ومحاور الاستجواب تتضمن «التجاوز في القيود الأمنية، والتعدي على القوانين وإلغاء المراسيم الأميرية، وغياب هيبة الدولة، والتخبط والفساد، ناهيك عن الفشل في إدارة الأزمات»، وهي تقريباً مشابهة لمحاور النائب أحمد المليفي في استجوابه الموجه أيضاً لسمو رئيس مجلس الوزراء والذي تراجع فيه قليلاً لحين الفصل في التحقيق الحكومي، وربما تكون أزمة السيد الفالي هي «مربط الفرس» والتحدي الحقيقي الذي يبحث عنه النائب الطبطبائي، إذ انه سبق أن أعلن أنه إذا تم ابعاد خطيب المنبر الحسيني محمد باقر الفالي عن البلاد قبل تقديمه الاستجواب فسيدرس موضوع الاستجواب، إلا أنه لم يتراجع عند تقديم الحكومة بيانها الإيجابي، على الرغم من عدم امتلاكه دليلا ملموسا على تدخل رئيس الوزراء في السماح للسيد الفالي بدخول البلاد!
ففي الحقيقة لا يهمني موضوع الفالي وإنما أرى من حقه الحضور للبلاد للدفاع عن نفسه إن كانت قضيته منظورة بالقضاء، وكان ينبغي للنائب الطبطبائي التريث لحين صدور حكم المحكمة في هذه القضية إذ لا يجوز قانوناً التعرض لقضايا مازالت منظورة أمام القضاء ولم يبت فيها حتى الآن، إنني أحترم آراء النائب الطبطبائي ومواقفه الوطنية ولكنني أرى أن الأمر لا يستدعي استجواب سمو رئيس مجلس الوزراء ومساءلته على قدوم شخص ما، فضلاً عن امكانه تقديم أي سؤال برلماني بهذا الشأن.
ألا يرى نوابنا الأفاضل أن تقديم الاستجوابات بهذا الكم والتلويح به في أي لحظة قد يؤدي إلى تأزيم العلاقة بين الحكومة والمجلس، ويؤدي إلى تأخير أعمال المجلس التشريعية؟ ترى لماذا يرغب أعضاء المجلس في مخالفة مضمون الخطاب السامي لصاحب السمو أمير البلاد حفظه الله عند افتتاحه دور الانعقاد الحالي الذي دعا فيه إلى وجوب تعاون السلطتين من أجل الكويت، واحترام الخطوط الحمراء التي حددها سموه في خطابه السامي، وهي تعيين رئيس الوزراء، والوحدة الوطنية وعدم المساس بها بأي حال من الأحوال!
قد نتفق على بعض محاور الاستجواب، التي بينت ضعف أداء الحكومة، ولكننا في الوقت نفسه، نرى أن الاستجواب قد جاء في توقيت غير مناسب بتاتا أمام انهيار البورصة العالمية، وانهيار أسعار النفط العالمية وتراجع الاقتصاد.
إذاً نحن أمام قضايا عالمية وكوارث حقيقية أثرت سلبا على الدولة، وعلى برامجها التنموية بشكل عام، وعلى الحكومة والبرلمان العمل على ايجاد الحلول المناسبة لمواجهة هذه الكوارث، لا أن نتجه نحو تأزيم وإثارة الأوضاع السياسية والاقتصادية معاً، كما ان النائب محمد المطير وهو أحد مقدمي الاستجواب قد أثار إعجابي عندما انسحب من الاستجواب بناء على تجاوب الحكومة مع مطالب النواب، حيث اكتفى المطير بإجراءات الحكومة المتمثلة بتقديم بيانها الرسمي من وزارة الداخلية الذي يرتكز على ابعاد السيد الفالي عن البلاد، وهذا بحد ذاته يعتبر تعاونا مثمرا، ففي النهاية على المستجوبين تحمل تبعات الاستجواب وتحمل مسؤولية قرارهم الذي اتخذوه على الرغم من المساعي النيابية الرامية إلى احتواء هذه الأزمة.
إن الأوضاع السياسية بين الحكومة والمجلس قد وصلت إلى عنق الزجاج بعد أن تداول طرح استجواب سمو رئيس مجلس الوزراء خلال الأسبوعين الماضيين، فنحن الآن أمام مفترق طرق إما استقالة الحكومة في أي ظرف كان وتشكيل حكومة جديدة، وإما حل المجلس وتعليق الحياة الدستورية خلال الأيام القليلة المقبلة، فضلا عن احتمالات رفع الحكومة كتاب «عدم تعاون» إلى صاحب السمو أمير البلاد مرفقاً باستقالات جميع السادة الوزراء، وهي الخطوة التي اعتادت الحكومة أن تسلكها في حال إغلاق جميع أبواب التعاون بين السلطتين، والسؤال المطروح هنا: هل تتوجه الحكومة إلى اتخاذ خطوة الحل الدستوري أم أن خطوة تشكيل حكومة جديدة هي المخرج الوحيد لها من أزمة الاستجوابات المتكررة؟
فالكويت حكومة وشعباً تمر في مرحلة سياسية حرجة نتمنى فيها على الجميع الحرص على الوحدة الوطنية، ونبذ الخلافات جانباً للعبور بالبلد إلى بر الأمان. «حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه».
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]