لعل من فضل الله وحسن التدبير، استضافة أرض وطني الكويت لبطولة كأس الخليج لهذا العام «خليجي 23».
وإذا سألتني... لماذا؟
فأقول لك لما شاهدته.
حيثما نكون... في الشارع والسوق والمنتجع والفندق والديوانية والمسجد والأماكن العامة المفتوحة والمجالس الخاصة... كنا نصادف جميع مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الستة، نراهم يقبلون على بعضهم بعفوية وتلقائية صادقة خالية من حسابات الحذر المقيت، يتبادلون التحايا والأخذ بالأحضان والاشتراك في المناسبات وعلى الموائد في جو ولا أروع من التراحم والتلاحم والتآلف والتكاتف، ما أدخل السرور على كل خليجي نقي القلب والسريرة، وجلب السعادة للجماهير الغفيرة من الناس، تلك الروح الإيجابية والوعي بالواقع والتمسك بالثوابت، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن أخوتنا أكبر وأرسخ من خلافات السياسيين طالت أو قصرت.
كما تدل على أن الذين يستغلون المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما هم إلا دخلاء شواذ في سلوكياتهم وأخلاقهم، مدفوعون من جهات لها مصالحها الخاصة الضيقة التي تقدمها على حساب المصلحة العامة للدول والشعوب ومستقبلها، ولعل جمعاً غير قليل من هؤلاء الذين تعارف الناس على تسميتهم بـ (الذباب الإلكتروني) مشبوهون لا علاقة لهم بأخلاق وقيم وثوابت أهل الخليج، وإنما يدينون بالولاء لأجندات وصفقات وتحالفات غربية وغريبة، تتسلل إلينا من خلف البراري والبحار!
مهما علت أصوات عصابات الفتنة وعويل (مافيات) بث الفرقة من أبواق النفاق السياسي والاجتماعي والتكسب الرخيص، فإن ما يجمع شعوبنا الخليجية من مشتركات الأرض والدين واللغة والتاريخ والرحم والنسب والامتداد القلبي والعائلي والمصالح الخاصة والعامة أكبر من أن يمزقها (الهُمزة اللمُزة).
دائماً نذكر بأن السياسيين والحكومات يختصمون اليوم ويتصالحون غداً، ونحن (الشعوب) لم يكن لنا يد في هذا الصراع ولم نُستشر في اتخاذ قراراته ولا رسم مساراته، فلماذا نكون وقوداً لمعارك نخسر فيها ما لا ينبغي أن يُمس، وهو الأخوة والمحبة والتراحم.
هذا لا يعني ألا يقف المواطن مع بلده أو يقصر في ولائه لوطنه، ولكن قبل ذلك، لا بد من وعي الحدث والتحرر من النظرة العنصرية الشعوبية الضيقة، والوقوف مع الحق أياً كان صاحبه، وعدم الانخراط في الافتراء والتجني على الآخر مجاملة أو تبعية لمن أحب وأنتمي، فالعدالة فوق الجميع، والحق أحق أن يتبع.
مع العلم أن الخطأ والصواب في هذا الصراع السياسي البغيض متوزع ومتناثر ومتداخل بين الجميع، ومتشابك ومعقد فيه الظاهر والباطن والمعلن والمؤجل وما تحت الطاولة وما فوقها، بل وما قبل خلق الطاولة والارتباطات الدولية الاقتصادية وما لا نعرف!
وهو صراع يتمدد هنا وينكمش هناك، وأحياناً تتبدل وتتناقض الولاءات والاصطفافات بين الرفاق أنفسهم!
علينا نحن كشعوب الوقوف مع كل مبادرة (تصلح ذات البين) تقترح الحلول وتجسر مسافة الخلاف وتحجم تصاعد الصراع، وتقف بجانب من يرفعون شعار (فأصلحوا بين أخويكم) بدلاً من الاصطفاف إلى جانب من (إذا خاصم فجر) من دعاة التفرقة والكراهية وتصفية الحسابات، مع من يفترون ويتآمرون ويزيدون من صب البنزين على النار حتى وإن قاد ذلك لحرق المنطقة.
والأهم من ذلك أن نحتفظ بأخوتنا التي تجلت عملياً في ما شاهدناه بين جماهير دول مجلس التعاون على أرض الكويت.
والمثير للإعجاب حقاً، هو أن تمارس شعوب مجلس التعاون وعيها وتعزيز أخوتها وتقدم درساً عظيماً خالداً في جعل الروح الرياضية سارية ومنتصرة ويتم تصديرها إلى أصحاب القرارات السياسية!
mh_awadi@