إضاءة
سفر عابر مع ثلاثة شعراء
هذه وقفات عابرة، توقفت عندها في أثناء مسيرتي مع الكتابة. كانت مع هؤلاء الشعراء الذين جلت في رحاب كلماتهم، أتفحص جمال عباراتهم، وأنيق ما سطرت قرائحهم الشعرية، غير أن الظروف لم تشأ بأن أسهب بالحديث أكثر مما كتبت، لذا فضلت جمعهم هنا، مع الفصل بين كل شاعر وشاعر.
-1-
مع الشاعر: محمد إبراهيم يعقوب
مـديـنٌ إلـى كلّ الضـلالات بالشـجـــى
ولـي فـي فـضـاء الوقـت عشــقٌ مـمـرّدُ
وإن كـنـتُ مطـعـوناً فللــجـرح وثـبـةٌ
ولـلآه مـوّالٌ... ولـلـحـزن مـنـشـــد
في هذين البيتين للشاعر محمد إبراهيم يعقوب، وربما في كل القصيدة المجتزأ منها هذا الكلام للشاعر السعودي القادم من عبق الجنوب، بما فيه من تاريخ وأصالة عربية، يظهر هنا في هذين البيتين إيقاع تراثي عربي مفعم بعبق الماضي السحيق، لكن ليس فيه من الشعور بالرتابة الدالة على الكلاسيكية.
في هذين البيتين جرس جميل ينمُّ عن وقار ومهابة، ليس على مستوى علاقة المفردات بعضها ببعض, التي تعبر عن طبيعة وجدان الشاعر، وحالته النفسية، بل على على مستوى الأداء الخارجي للإيقاع كون هذين البيتين من بحر الطويل الدال في تقاطيعه العروضية الأربعة على طريقة قيام الجمل وابتعاده عن الأرض في الوقوف، ومن ثم حركته الأولية في المسير، وكأني أقرأ مع هذا الكلام للبشمفرى «أقيموا بني أمي صدور مطيّكم» غير أن الصيغ التعبيرية هنا لا تدلُّ على النفس التراثي بقدر ما بها من روح العصرنة بما فيها من ضلالات وشجى.
هذه الحركة الإيقاعية المتناغمة مع طريقة الجميل في النهوض أو المسير الوئيد تنكشف بجلاء مع البيت التالي أكثر من البيت الأول، لأن هذا البيت مقسّم بشكل متساوي الأضلاع بطريقة موسيقية لغوية جميلة.
-2-
مع الشاعرة: خديجة عياش
الخَريفُ جَاء / لمْ أدَّخِرْ كِسْرَةً للجُوعِ
تسُدُّ فَاهَ الرِّيح / لمْ أدَّخرْ للَّه دُعَاء
يتِيمَةٌ حَبَّةُ القَمْح / تسْتَجْدي قَلْبَ الثَّرَى
تسْتَجْدِي كَفَّ فَلَّاحٍ / يُهَدهِدُ صِبَاهَا
يُمَشِّطُ حُلْمًا / وَطِئَتْهُ قلُوبُ الهَارِبينَ بِلَا
وَطَن بلاَ وَجْهٍ / كَفَزَّاعَةٍ ألِفَهَا العَرَاء
الخَرِيفُ جَاء / فلِمَ يَا أُمَّاهُ / لا نَقْتَرضُ دِفْئًا
ومَنْ ذَا يَا أمَّاهُ / يُعِرْنَا بعْضَ انْتِمَاء
العنصران اللذان يمثلان المشاعر في هذه المقطوعة الشعرية النثرية للشاعرة خديجة عياش هما «الخريف- الريح» الخريف بما يحمل من دلالات الاصفرار القريبة والموحية من الموت، ولذا قالت الشاعرة «لمْ أدَّخِرْ كِسْرَةً للجُوعِ» والريح الموحية بالاقتلاع لأنها رمز التدمير، وهي على النقيض من كلمة «الرياح» التي لم تأتِ بها خديجة هنا الموحية بالخير والحياة، جاءت بالريح التي لا ينفع معها أي تميمة أو دعاء وكأنها تستحضر كل مشاهد العذابات المتنوعة الواردة للأقوام السابقة في القرآن الكريم.
على ضوء هذه المشاهد تتقاطر الكلمات الموحية بالتماهي مع هذه السياقات، وذلك من أجل تكثيف دلالات الجوع والفناء والشعور بالاغتراب والغربة «ومَنْ ذَا يَا أمَّاهُ يُعِرْنَا بعْضَ انْتِمَاء». إن هذه اللوحة المزخرفة بكل هذا الجمال الفني تحمل في أرحامها الجوع والوطن الذي بلا وجه والإنسان الذي يطلب النجدة من القرى والفلاح بعدما أصبحت «حبة القمح» بين يديه يتيمة.
-3-
مع الشاعر: عبد الإله الجعيب
اضْربْ عَصَاكَ فَمَوْجُ الْبَحْرِ قَدْ وَثَبَا
وَاسْلُكْ طَرِيْقَكَ لاخَوْفًا وَلاهَرَبَا
وَكُنْ كَمَا شِئْتَ لا مَا شَاءَ سَادِنُهَا
وَاتْبَعْ لَهَا سَبَبًا تَلْقى بِهَا سَبَبَا
شَاخَتْ على تَعَبِ الأَيَّامِ رَاحِلَتِيْ
لَمْ أُبْق ِ مِنْ جَمَلِيْ رَأْسًا وَلا عَقِبَا
في هذه الإطلالة لبعض قصيدة الشاعر عبد الإله الجعيب، والتي ستكون الأخيرة لنا في هذه الزاوية إن شاء الله تعالى.
هذه القصيدة ككل، قصيدة بعث وانتعاش أكثر من كونها قصيدة حماسية، فهي تحفر في الألم من أجل إيقاظ ما به من ضمير متصدع، صدعته العولمة وزيفه النظام العالمي الجديد.
تبدأ هذا الأبيات بأفعال أمر أربعة «اضرب- اسلك- كن- اتبع» والمتأمل في حال هذا الأفعال يستوحي بأن الشاعر يوقظ النائم الغافل حينما خاطب ذاته الواعية أو اللا واعية أو صاحبه على عادة الشعراء الأوائل ؛ لهذا استعمل أداة الفعل «اضرب» لأن النائم يغط في سبات عميق تجاوز صدى زفير نومه الجوزاء، مطالبًا «أن يسلك الطريق لأن الجميع ساروا قبله، ومضت بهم الركائب، يلفها الأفق البعيد، موصياً بأن يكون ذاتًا فاعلة على هذه البسيطة، منبهًا إياه أن يتبع السبل النافعة الناجعة، لأن عمقه العربي القادم من الزمن البعيد»راحلتي» قد شاب، ولم يبقَ من مكتسباته الثقافية والقومية شيء أمام هذا الطوفان.