pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

حوار / أول من قدَّم «العدنيات» في الكويت... ويحتفي به مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي

راشد الحملي لـ «الراي»: تكريمي غداً... وسام على صدري

أغاني محمد جمعة خان ... أستمع لها بشغف منذ طفولتي

من أولى الأغاني التي قدمتُها مع الأصدقاء أغنية «ناجت عيوني»

تعلمتُ العزف على الكمان من محمد زويد ومحمد راشد الرفاعي

أول لحن لي بعنوان «بشيري بأيام الوصال» من مقام الرست

نصرالله محمد النصرالله من أقرب العازفين إلى قلبي

من الشعراء الذين يعجبونني إسماعيل صبري

فنون الصوت الكويتية تشتمل على الشامي والعربي والخيالي والعاشوري والرودماني وهندي

أفضل أن أصنف نفسي شاعراً غنائياً فقط

ابتعدت عن الموسيقى 10 أعوام... وعدت بالتمرين اليومي في 1986

كان همي الأكبر هو حفظ وإتقان أداء الألحان المحلية والعربية بأجود ما يمكن من أداء موسيقي وغنائي

كتاب عن المغني محمد بن فارس تضمَّن أخطاء فنية حفزتني إلى اكتشاف الدور الحقيقي لعبدالله الفرج في موسيقى الخليج
فنان من الزمن الجميل!

وُلد في أواخر عصر ما قبل النفط ، فانعكست على موسيقاه ذكرياتُ الديرة القديمة، وروعة الخليج الذي تنسكب وشوشات أمواجه مداعبةً رماله في إيقاعات تشبه «سمرات» الكويتيين، وحكايات البحارة، ممزوجة مع لوعات الحب البريء، وأشواق الأهالي للمسافرين في رحلات التجارة والغوص!

إنه المطرب والملحن الكويتي الكبير راشد الحملي، الذي شُغف بالغناء منذ طفولته، وتأثر بمطربين كبار آنذاك، وعندما صار يافعاً نظم الشعر المغنَّى، وبرع في العزف على العود، ثم صار ملحناً له نهجه الخاص وأنغامه المتفردة، وأصبح له الكثير من المريدين على ساحة الموسيقى استماعاً وتأثراً وتقليداً.

واحتفاءً بمكانة الفنان الكبير الفنان راشد الحملي، وتقديراً لمسيرته الطويلة وعطاءاته السخية التي رفد بها تاريخ الموسيقى الكويتية، بادر مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي إلى تكريمه بإقامة حفل - على شرفه - غداً يصدح فيه بأشهر أعماله الغنائية ثلاثة من الفنانين الشباب، ليرددوا أمام جمهور المركز من محبي الفنان القدير وعشاق فنه، أجمل أغانيه التي تنوعت بين فنون الطرب المختلفة، في استدعاءٍ احتفالي لأحد رموز الزمن الجميل.

الحملي خصّ «الراي»، بهذا الحوار الحصري، بمناسبة تكريمه، ليفتح - أمام جمهوره الكبير - نوافذ البوح والذكريات، لنعرف كيف كانت البدايات، وما الظروف والتحديات التي صاحبت رحلته الطويلة، وكيف يحدد المنعطفات المهمة في مسيرته الفنية، وما الحكايات التي يود أن يكشف الغطاء عنها، ومن هؤلاء الذين تأثر بهم، ومن الذين أثر فيهم، وكيف توزعت على طريقه الإبداعي خريطة الآمال والآلام.

«الراي»، زارت الحملي في مكتبه، استباقاً للحفل الكبير التكريمي الذي سيقيمه على شرفه «مركز جابر الثقافي» غداً... وعادت بحصاد وفير ومتنوع تأتي تفاصيله في هذه السطور:

? فلنبدأ من الغد، حيث الحفل التكريمي الذي سيقيمه غداً على شرفك مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي؟

- هذه مبادرة كريمة للغاية، وقد أثرت في وجداني تأثيراً كبيراً. وأنا أشكر كل من فكروا فيها، وأُثمِّن غالياً جهود مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، الذي يُعد بحق إضافة كبرى للمشهد الثقافي الكويتي، بل والخليجي. وهذا الكرم الكبير ليس بغريب عليهم، والحقيقة أنني أعتبر هذا التكريم وساماً على صدري، حيث سيكون الحفل كله خاصاً بألحاني، وسيؤديها ثلاثة من الشباب الفنانين الرائعين، وهم عبود خواجة، وفواز المرزوق وصاحبة الصوت الواعد فاطمة بودستور، وسيقدمون الكثير من ألحاني الموزعة على طيف الفنون الغنائية ما بين العدنيات والألحان الكويتية كالسامري والخامري والصوت.

? هل لنا أن ننتقل إلى البدايات، كي تحدثنا عن بطاقتك الشخصية؟

- اسمي راشد حمدان عبدالعزيز الحمدان، ومشهور براشد الحملي، وأنا من مواليد 1948 في منطقة المرقاب.

? متى بدأت علاقتك بالموسيقى؟

- وأنا صغير، وربما كان عمري حينذاك 11 سنة، كان عندنا «راديو» يعمل على بطارية السيارة، ولا يلتقط سوى بث محطتين فقط هما إذاعة لندن وإذاعة هندية، فكنت أستمع كل يوم للأغاني الهندية، وأما إذاعة لندن فقد كانت تبث ألوانا مختلفة من الأغاني العربية عصركل يوم، ومنها أغاني محمد جمعة خان، وكنت أستمع لها بشغف منذ طفولتي.

? ومن هنا تأثرتَ بمحمد جمعة خان؟

- أعجبتُ به منذ البداية، لكن زاد إعجابي وإدراكي لموسيقاه لاحقا، مع احتكاكي بالحضارمة، فقد كان بيت جدي بيتاً كبيراً (بيت حمولة)، وكانوا يعدون الكثير من الطعام ويرسلون جزءاً منه للجيران، وكانت مهمتي هي إيصال هذه الوجبات مساء لأصدقاء خالي، وكانوا من الحضارمة ويسكنون بالقرب من فريجنا، وكلما ذهبت لهم بالطعام يطلبون مني الانتظار حتى ينتهوا من وجبتهم كي آخذ الأواني معي، وفي فترة انتظاري هذه كانوا يديرون مسجل البكرات، ويُسمعونني أغاني محمد جمعة خان، فتولعت به، وأذكر أن أول أغنية سمعتُها عندهم هي «مايس القد فتنة للعباد».

? متى تعلمتَ العود؟

- تعلمتُ العزف على العود في المرحلة نفسها التي تعرفت فيها على محمد جمعة خان، أي في سن الحادية عشرة تقريبا، حيث كان خالي محمد الحملي وأخي الأكبر عبدالعزيز يعزفان على العود أغاني مثل «حمام يللي على روس المباني» و«تحبون الله ولا تقولون»، وعند خروجهما من المنزل كانا يتركان العود داخل الخزانة، فلم يكن مسموحا لي بلمس العود. وفي أحد الأيام قررت أن أخرج العود من مخبئه وأجرب العزف عليه، وما كدت ألمسه حتى أفلت الوتر من مكانه، وجربت أن «أدوزن» الوتر، فكان أن تعلمت الدوزان قبل العزف، وبعدها بدأت بعزف ما أسمعه من خالي وأخي.

? ومتى بدأت تسمر وتعزف مع أصدقائك؟

في العام 1962 كنت أعزف وأغني، وفي بدايتي كنت أقدم الأصوات على أسلوب الأستاذ حمد خليفة، وكنت مولعاً به جداً... كان خليفة يقدم اليمانيات بجانب الأصوات، ومشيت على خطاه، فكنت أقدم الأصوات بالسمرات وأقدم أغنية أو اثنتين من النوع اليماني الذي كان يقدمه حمد خليفة مثل «أنا خلي زعل» و«سرق سارق من القرية القريبة». وكان الأستاذ حمد متأثراً بأغاني عمر محفوظ غابّة. وفي ذلك الوقت كان كل غناء يمني يسمى يماني، حتى أغاني محمد جمعة خان كانت تسمى يمانيات، لكن لاحقاً غلب اسم العدني على أغاني خان.

? وهل اقتصرتَ على هذه النوعية من الغناء؟

- كنت في بعض الأحيان أقدم الأغاني الشرقية، خصوصا التي كان يلحنها محمد القصبجي، لأنه كان ملهماً لي في عزف العود، فقد كنتُ معجباً بألحانه، بالإضافة إلى ألحان محمد عبدالوهاب، وأذكر أني كنتُ أردد كثيراً قصيدة فلسطين. أما الغالب على هذه السمرات فهو أغاني الصوت التي كانت تهيمن على ما كنتُ أقدمه في تلك الأيام. المهم أنني بعد فترة مللت ترديد الأصوات، وبدأت البحث عن التغيير، فكان ذلك عبر أغاني محمد جمعة خان. قلت لأصدقائي إنني أجيد غناء العدنيات، فسألوا: وما العدنيات؟ وبدأت أقدم لهم أغاني خان، ومن أولى الأغاني التي قدمتُها مع الأصدقاء أغنية «ناجت عيوني»، وقد سجلها محمد جمعة خان في الكويت في العام 1960.

? كيف كنتَ تقدم العدنيات في غياب عازفي إيقاع مختصين بهذا الفن؟

- مع تحولي إلى غناء العدنيات تحول الرَّبع، وأغلبهم من ضاربي المرواس، مثل عبدالله الدخيل ومنذر الوزان، إلى تعلم الإيقاع اليمني لمصاحبتي. وأذكر أن أول من صاحبني على الإيقاع كويتي اسمه عبدالله، واستمر معي إلى أن تعلم الأصدقاء هذا اللون من الإيقاع ودأبوا على مصاحبتي. ولاحقا صاحبني صالح السليم (عرف لاحقا باسم صالح يسلم) الإيقاع، وهو يمني من حضرموت.

? ومن كان يصاحبكَ على الكمان؟

- في البدايات لم يكن هناك عازفون على الكمان، كانوا نادرين جداً. حتى انني تعلمتُ العزف على الكمان لمصاحبة المطربين الآخرين، ومنهم محمد زويد ومحمد راشد الرفاعي.

? ومن غيرك كان يقدم اليمانيات؟

- مثل ما ذكرت لك، حمد خليفة، وأيضا مطرب قديم توفي اسمه إبراهيم حسن، وكان يقدم اليماني بأسلوب مختلف عما شاع لاحقا في الكويت.

? كيف انتشرت اليمانيات أو العدنيات أمام الأصوات؟

- كان فنّنا الأول هو الصوت، ولكني طلبت من أصحابي تعلم الضرب على إيقاع الدمبك لأجل غناء أعمال محمد جمعة خان، لتغيير مزاج السمرة. ولاحقا مع زيادة عدد الحضارمة، تعرفتُ على مجموعة من فنانيهم، ومنهم أحمد وأخوه حداد مبارك، الذي لم يكن يضرب على الإيقاع، ولكنه سافر إلى اليمن وقضى فيها سنة تقريباً، ليعود ويفاجئنا بإجادته للإيقاعات.

? إذاً، كنتَ أول من كان يقدم العدنيات في الكويت؟

- نعم، كنتُ أولَّ كويتي يقدم هذه الأغاني، وتبعني لاحقا الكثير من الفنانين مثل جمعة الطراروة وحمد سنان، ولكن هذا الاهتمام بالعدني أثر كثيرا في شعبية الصوت، حتى أصبحت أقدم صوتين في السمرة وبقية الأغاني من نوع العدني في حين كان الموجود سابقا هو العكس. وما دعم انتشار هذا الفن هو وجود الفنانين الحضارمة، وأذكر أن خالد المطرف، وهو صديق عزيز عليّ، أخبرني مرة بأنه قد أعد مفاجأة لي في المساء، وعندما حضر كان برفقته شخص يرتدي القميص والبنطلون ويحمل الكمنجة بيده، وعرفني عليه قائلاً هذا سعيد عبدالإله، الكمنجاتي المرافق لمحمد جمعة في كثير من تسجيلاته.

? لاحظنا بين أوراقك أنك تكتب القصيدة وتضع عليها ملاحظات موسيقية تساعدك على طريقة أداء اللحن، هل هذا صحيح؟

- نعم، فأنا أحب الوضوح والدقة في الأداء، لذلك في بعض الألحان أكتب بعض الكلمات التي تذكرني بطريقة أداء الأغنية، ومن هذه الملاحظات أسماء النغمات: محير أو كردان أو حسيني... إلخ، لأعرف كيف «تنزع»، كيف يؤدي اللحن، ومن أي نغمة يبدأ. أي أنها مجرد تذكير لي، ولن يدركه أي فنان آخر، فأنا أكتبه لنفسي بطريقة مختصرة، وهذه طريقتي منذ بدايتي الغناء.

? ماذا عن التلحين، متى بدأتَ؟ وما أول لحن؟

- في مرحلة الستينات كنتُ في طور التعلُّم ولم أبادر بالتلحين. وفي السبعينات بدأت خطواتي إلى النضج، وإدراك كيفية التلحين والأداء، لذلك جاء أول لحن لي في تلك المرحلة بعنوان «بشيري بأيام الوصال» من مقام الرست، وهو على الأسلوب العدني لشدة تأثري بمحمد جمعة خان في ذلك الوقت. وأما النص فقد وجدتُه في كتاب القصائد النبوية، وهو نص صوفي جميل ورقيق. وكذلك لحن «هوينا في هواكم» على أسلوب السامري، وعلى مقام غريب وهو طراز جديد، وأما الأصوات فقد كان لحن «أثار هواك» أول صوت ألحنه، وهو على مقام الجهاركاه.

? وماذا عن مصادر الشعر؟

- أنا كنت ولا أزال من عشاق القراءة، وخصوصا في مجال الشعر، وكنت دائما أسعى وراء دواوين الشعر، خصوصا في مرحلة الستينات، حيث كانت نادرة وغير متوافرة بسهولة. ومن الشعراء الذين يعجبونني إسماعيل صبري، وهو شاعر مصري مجهول يطابق اسمه اسم الشاعر المصري الشهير إسماعيل صبري باشا، فهناك شاعران مصريان يحملان الاسم نفسه، وأنا أقصد غير المعروف منهما. كذلك كانت مصادري كتبا مختلفة، مثل نفحة اليمن وألف ليلة وليلة والأغاني والنفحات القدسية في الأناشيد الدينية والقصائد العرفانية والموشحات الأندلسية.

? من كان يصاحبك من الموسيقيين في فترة الستينات والسبعينات؟

- كان يصاحبني أحمد الخريصان على الكمنجة، وهو يمني وصاحب فرقة الحضارمة، وقد تعرفتُ عليه عن طريق صالح السليم، وسجلت معه بعض التسجيلات التي طرحتها بشكل رسمي في الأسواق. كذلك كان نصرالله محمد النصرالله من أقرب العازفين إلى قلبي، وهو صديق قديم وفنان كبير، وكنا نعزف مع بعض الأغاني الشرقية والقطع الموسيقية. وأما القانون فقد كان يصاحبني محمد الرويشد، خصوصاً في الألبومات التجارية، وكذلك الراحل راشد الخضر، ولكن في السمرات فقط.

? في مرحلة السبعينات كان الغالب على السمرات هو العدني وأصوات حمد خليفة ومحمد زويد، لكنك كنتَ تقدم أصوات عبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي وغيرهما، سواء في الألبومات أو في الجلسات، كيف اتجهتَ إلى هذه الألحان؟

- أنا من طبعي الحرص على الإتقان والجودة في الحفظ والأداء، وبعد أن أتقن أي عمل أشعر بالملل وأبحث عن غيره من ألوان الغناء، لا أحب تكرار الأغاني نفسها كثيراً، لذلك بعدما أجدتُ فن محمد جمعة خان انتقلت إلى أغاني عبداللطيف ومحمود وفضالة وغيرهم، فاخترتُ أجود أعمالهم وقدمتها في حفلاتي وسمراتي.

? ما عدد أنواع الأصوات الكويتية؟

- صوت شامي وصوت عربي وصوت خيالي وصوت عاشوري وصوت رودماني وصوت هندي. وكل صوت له إيقاع يميزه عن الأصوات الأخرى.

? وماذا عن نظمك للشعر، كيف نظمتَ الشعر؟ ولماذا؟

- عندما بدأتُ بتلحين الأغاني على مختلف ألوان الغناء الكويتي، مثل الخماري والسامري، واجهتني صعوبة شديدة في الحصول على النصوص الملائمة والأوزان المناسبة، لذلك بدأت بالكتابة لنفسي حتى أستطيع التلحين بالشكل المناسب. وأنا لست بشاعر، وأرفض هذه التسمية، وأفضل أن أصنف نفسي كشاعر غنائي فقط. وجاءت هذه القدرة على كتابة الشعر الغنائي بسبب تعلمي في المعهد الديني الذي طور من لغتي العربية وجعلني أفهمها بشكل لا بأس به. كانت أول قصيدة لي موجهة إلى الأخ فهد السعد ومطلعها «يا فهد ونيت من فرقى الحبيب». وأغلب شعري باللهجة الكويتية. أذكر أنني أسمعت والدتي فن «يا سامر هيضتني بألحان»، فقالت: «يا وليدي هذا جنه من أغاني عواد سالم»، ففرحت بهذا التعليق، وقلت: «هذا اللي نبيه»، فهذا يعني أن اللحن والنص يحملان الصبغة الكويتية الأصيلة.

? كان ابتعادكَ عن الموسيقى طويلاً، ما بين ثماني وعشر سنوات، فكيف استطعت أن تستعيد لياقتك الموسيقية وحسك الفني الذي يفترض أنه ضمر في سنوات الركود والابتعاد؟

- في بداية عودتي، ربما في بداية 1986، قضيت بضعة شهور في التمرين اليومي، فكنت أذهب يومياً إلى مكان خاص لصديق لي قد أعطاني مفتاحه وتركتُ فيه العود. كان برنامجي هو الإفطار صباحاً، تقريبا الساعة 7:30، ثم المغادرة إلى مكان صديقي للتمرين، وكان يصاحبني عازف الكمان فهد السعد (بوصقر)، لنتمرن على كل القطع الموسيقية التي تعلمتها سابقاً بالمعهد الموسيقي من دون كلل أو ملل. بعد مرور ثلاثة شهور استطعت استعادة لياقتي الموسيقية بشكل كامل، ولا أبالغ إذا قلت إن مستواي بعد الانقطاع كان أفضل منه قبل ذلك، بسبب التمرين الطويل الذي لم يتخلله توقف.

? كنتَ قبل توقفك عن الموسيقى من أبرز من يقدم الغناء العدني أو غناء محمد جمعة خان، بالإضافة إلى الأصوات الكويتية وأصوات حمد خليفة. بعد عودتك، هل استمررتَ على هذا، أم اتبعت منهجية مختلفة في تقديم الأغاني؟

- في بدايات عودتي قدمت الألوان نفسها التي كنتُ أجيد تقديمها قبل ذلك، لكن مع الوقت بدأت في الاتجاه نحو تقديم ألوان مختلفة من الغناء الكويتي، حتى وجدت نفسي منغمسا أكثر فأكثر في أداء التراث الكويتي والفنون الكويتية دون غيرها. لاحقا بدأتُ بتلحين الأغاني على الأساليب الكويتية الموجودة بالتراث الموسيقي، وكان من أول الألحان بهذه الطريقة فن «يا سامر»، وهو أيضا من كلماتي.

? وما الألبومات التي أصدرتَها في الثمانينات؟

- أصدرتُ ألبوماً عدنياً، وكان يصاحبني صالح السليم وأحمد الخريصان، وألبوماً عراقياً من ألحان صالح الكويتي، بالإضافة إلى ألبوم موسيقي منوع يحتوي على ألحان كويتية، لكن بتوزيع حديث وتنفيذ مجدي طلعت، وكان أول ألبوماتي في الثمانينات.

? أول ألبوماتك كان موسيقى مكتوبة وموزعة بطريقة حديثة، ما الذي جعلك تنتهج هذا المنهج، وخصوصا أنك من أساتذة الفنون الشعبية التي تعتمد فقط على الآلات القليلة والارتجال بالغناء؟

- أنا أحب التحدي وأحب التطوير وأكره الجمود والخوف. كذلك كنت معجباً بما أنتجَه بعض الملحنين في تطوير الأصوات، مثل أحمد الزنجباري، لذلك أقدمت على تقديم ألحاني الكويتية بطريقة محدثة.

? منذ بدايتك حتى وصولك إلى الشهرة في السبعينات وانتشارك بين المستمعين الكويتيين، ثم دراستك للموسيقى، هل كان لديك هذا الوعي بأهمية عبدالله الفرج وتأثيره وإنتاجه الموسيقي، وما السبب في اتجاهك نحو الفرج وتراثه الموسيقي؟

- قبل مرحلة التسعينات كانت ثقافتي الموسيقية شاملة لمختلف أنواع الغناء العربي، وخصوصاً المحلي، وكان همي الأكبر هو حفظ وإتقان أداء هذه الألحان المحلية والعربية بأجود ما يمكن من أداء موسيقي وغنائي. وكنت أكتب ألحاني بتأثير مما كنت أتقن غناءه. وجاءت نقطة التحول بعد العام 1991، عندما ظهر كتاب «محمد بن فارس: أشهر من غنى الصوت في الخليج» للباحث البحريني مبارك العماري، وتضمن الكتاب الكثير من المعلومات غير الدقيقة والمجحفة في حق الصوت الكويتي ومؤديه، وفي حق «أبي الأصوات» عبدالله الفرج.

كنت أرى هذه الأخطاء ويصعب علي الرد بسبب عدم ولوجي مجال البحث التاريخي، حيث كنت قد ركزت فقط على نقل التراث من دون البحث فيه، لكن بعد قراءتي للكتاب بدأت في البحث والكتابة لتبيان أو اكتشاف دور عبدالله الفرج الحقيقي في الموسيقى في الكويت والخليج، سواء في غناء الصوت أو غيره.

وفي مرحلة سابقة، في طفولتي، كنت أزور ديوان جدي خليفة الحملي، وكان الحضور في بعض الأحيان يتحدثون عن عبدالله الفرج، وأنا لا أعرف من هذا الشخص ولماذا يتكلمون عنه. وأذكر أن أحد الحضور قال لخالي: إذا أردتَ أن تعرف عن عبدالله الفرج فارجع إلى كتاب اسمه «الأغاني»، ففيه كل شيء عنه! وهذا كان أول عهدي بعبدالله الفرج. وأما كتاب «الأغاني» فقد رسخ في ذهني اسمه، وبعد سنوات طوال، عند توظفي في البلدية العام 1962، كنتُ أسأل عن الكتاب في المكتبات وكان الجواب دائماً: «لا نعرف هذا الكتاب». وفي إحدى المرات جاء أحد الأشخاص من الجنسية الفلسطينية إلى البلدية، وكان يتجول بين الموظفين لبيع الكتب، فاشتريت منه كتاب «العِقد الفريد»، وسألته عن كتاب «الأغاني» فقال إنه قيد الطبع حالياً، ومتى ما صدر سأجلب لك نسخة منه. وبعد فترة عاد ومعه كتب كثيرة، فسألت: ما هذه الكتب؟ فقال: هذا كتاب «الأغاني» الذي طلبته، وكان من 16 جزءاً فقط، مصورة عن نسخة دار الكتب المصرية.

? هل كان لك ظهور في التلفزيون والإذاعة؟

- لي مقابلات عديدة في التلفزيون والإذاعة، كذلك عملتُ على تقديم عدد من البرامج الموسيقية للإذاعة الكويتية، ومنها برنامج «أصالة ونغم»، وفيه استعرضتُ أعمال كثير من الفنانين الأصيلين في منطقة الخليج العربي. كما قدمت وأعددت برنامج «أعلام غناء العرب»، وهو حول أبرز المغنين والمغنيات منذ صدر الإسلام مرورا بالعصور الإسلامية اللاحقة، وفيه أشرتُ مثلا إلى أن أول من استخدم الوتر هو الكندي وليس زرياب، كما هو شائع لدى الناس، كذلك قدمتُ برنامجاً عن غناء العدنيات.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي