سلسلة التوحيد العملي / عجائب وأسرار القلوب

تصغير
تكبير
تأمل عجائب القلوب مع الله في قلب قاتل المئة نفس، وحارق عظامه، وبلعام العابد، وسحرة فرعون. قال ? «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِئَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ» رواه مسلم. تأمل السر في محراب قلبه، تأمل قول الملائكة «جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ».

وأما قلب من قال احرقوا عظمي قال ? «إن رَجُلاً حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي، وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي، فَامْتَحَشْتُ، فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا، ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ فَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ. فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» رواه البخاري. تأمل سر الخشية لله في قلبه. تأمل ان هؤلاء اعمال جوارحهم تقذف بهم الى النار قذفا، ولكنها هي اسرار قلوبهم حتى كان لهما من الله الجنة. بينما بلعام العابد، أعبد بنى اسرائيل الذي آتاه الله آياته وعَلِمَ اسم الله الاعظم الذي إذا دُعىَّ به أجاب وإذا سُئل به اعطى يدخل النار، قال تعالى «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ» هذا محراب قلبه هواه، وهواه أهواه في النار.

والآن قارن بين مشاهد البداية والنهاية في قلب بلعام العابد وقلوب سحرة فرعون الذين جاءوا من أجل المال والجاه، وعجز التاريخ عن تفسير سجدة الإيمان وصيحة التوحيد التي جمعتهم كلهم في مواجهة وعيد «لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ»، قال تعالى «وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ...إلى... وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ».

لقد رفضوا المال والجاه بل قدموا أرواحهم بصرخة التحدي «قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» صرخة فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، إنها قلوب تركت هواها لله، والنهاية أن قلب بلعام أراد الارض وقلوب السحرة أرادت السماء، إنها عجائب القلوب.

إن القرآن جاء بالقصص لنرى التوحيد العملي حياً وواقعاً متجسداً في حياة البشر ولنعيشه في حياتنا ونطبقة، لا أن نتخذ القصص حكايات عن أزمان غابرة، القرآن الكريم يحدثنا عن أنفسنا فكم من عاصٍ وبلعام وفرعون وسحرته يعيشون بيننا، بل والله إن الواحد منا يعيش أياماً هو هو هذا أوهذا أوهذا...

القلب والتوحيد العملي

إن التوحيد العملي يبدأ من القلب في كل فعل من أفعالك، يبدأ بأن ترجو أن يكون فعلك خالصاً لوجه الله، وهذا هو محراب قلب المؤمن، لينال رضا الرب. إن التوحيد العملي تراه في تطبيق حديث النيات، هذا الحديث الذي يجعل عمل الجوارح من غير القلب هباءً منثوراً قال ? «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات، وَإِنَّمَا لكل اِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» رواه البخاري. وحديث النبي ? «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه مسلم، هذا يبين لك شرف القلب وأنه الوحيد منك محل نظر الرب، و يفسر لك كيف يكون ثواب صلاتك عشرة أضعاف ثواب صلاة من بجوارك بالصف قال ? ««إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَلَعَلَّهُ أَلاَ يَكُونَ لَهُ مِنْ صَلاَتِهِ إِلاَّ عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمُنُهَا أَوْ سُبُعُهَا» رواه احمد وصححه شعيب. نعم بالقلب تتحول العادة إلى عبادة، بالقلب رأى عمر الشام من مكة فهتف يا سارية الجبل وبالقلب كانوا يشمون رائحة الجنة، فهذا أنس بن النَّضر يقول لسعد، والله إني لأشم رائحة الجنة دون أُحُدٍ! بالقلب تقف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

محاريب القلوب والسعادة

والآن ما محراب قلبك؟ أهو المال أم الجمال أم الأعمال أم العيال أم الرياسة أم الزعامة أم نفسك أم هواك أم رضا الله جل جلاله؟ هكذا طلب الناس السعادة في المال والجمال والأعمال والرياسة والزعامة وملذات الدنيا وما وجدوها.

قال ابن القيم «فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبداً وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده».

أخي الحبيب هذه سعادة الدنيا وهي سعادة الآخرة، ولقد بدأت معك بسرد أعمال القلب ثم منزلته ثم تفضيله على العقل ثم تقلبه ثم أبواب علمه ووقفنا مع القلب في القرآن ثم رأينا من عجائبه وأسراره، ونحن أحوج ما نكون إلى تزكيته واستقامته وطهارته، وأن يكون محرابه دائماً رضا الله جل جلاله، قال تعالى «وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي