نقد
تقنية «الموسقة»... في ديوان «رغبة» لحاتم الجديبا
حاتم الجديبا
«رغبة»
صدر ديوان «رغبة» للشاعر السعودي حاتم الجديبا عن دار الانتشار العربي- بيروت، في 116 صفحة من الحجم المتوسط، وهذا الديوان الشعري الصادر بالتعاون مع النادي الأدبي في منطقة تبوك... لم يكن الإصدار الأول لهذا الشاعر الذي بدأ يشق طريقه في سماء الشعر الواسعة، وكان الشاعر في هذا العمل يحاول اصطياد صور جديدة للتعبير عن الكثير من الحالات الإنسانية، وانقلابه على الشكل الخليلي الموجود في ديوانه السابق «حظي اشتكى حظي» نابع من «رغبة» متعمدة في التحرر من السياقات التعبيرية الجاهزة الخالية من الجهد والعناء، مع تمسكه الواضح بشكل الوحدة التفعيلية العروضية.
لقد اهتم الجديبا بموسيقاه الشعرية أيما اهتمام، ليس على مستوى العبارات والأشطر، بل على مستوى الكلمة الواحدة التي كانت أشبه بآلة موسيقية قائمة بذاتها، غير أن هذا الاهتمام لم تفرضه الصدفة، بل كان اهتمامًا مقصودًا، وعملاً مرسومًا بدقة، ينم عن رغبة الشاعر في البحث عن ما يخدم صوره الفنية، فكانت «الموسقة» الشعرية أهم دعائم هذا العمل.
وينطلق الشعراء من نبض الشوارع، ويتحدثون بضمير المجموع، وهم يتعاطون مع صوت الإنسان الذي لا يعرف التنظير والتأطير، وحينما حار الباحثون في ترويض الكلمات الأجنبية استطاع الإنسان البسيط تطويع لغة الأجنبي وتعريبها ببساطته الواضحة، حيث أوجدوا أفعالاً وصيغا تعبيرية للعديد من المصطلحات الحديثة، فقالوا عن «السناب»- يسنّب- سنّيْت، وقالوا عن «رتويت»- يرتْوِت، وربما هناك استعمالات لغوية أخرى غابت عني الآن وأنا أكتب هذه الأسطر.
ما دعاني للبدء بهذه المقدمة كلمة شعرية وجدتها في ديوان «رغبة» للشاعر السعودي الشاب حاتم الجديبا، ضمن قصيدة «سلطنة نهد»، وذلك في قوله:
جرّعتنا الريح...
سوسنةً
موسقتْ في حبّنا الهذرا
«هل تخافين؟!»... ارْفضي جدلاً
عند فنجان الهوى انكسرا
يقظة الأطياف في فمنا
هل تعالتْ
تحرق الحذرا؟!
فامسحي الأسوار
عن غدنا
حين يعدو الودُّ منتشرا
فكلمة «موسقتْ» المشتقة من- موسيقا- جعلتني أتوقف عند هذا الاستعمال الذي لم يعرّب الكلمة فحسب، بل أوجد لها اشتقاقًا لغويًّا، وكأنها كلمة عربية، حالها كحال أي كلمة عربية أخرى.
هذا «التموسق»- من الموسيقا- الذي نحاه الشاعر، كان شديد الوضوح عنده مع عدد لا بأس به من المفردات الشعرية التي كان الإيقاع الصوتي متحكمًا في جرسها الموسيقي.
بعيدًا عن الإيقاع الخارجي القائم على الوزن والقافية، وبعيدًا عن الإيقاع الداخلي المرتبط بتتابع الأنساق الصوتية للجمل الشعرية، فإن الشاعر حاتم الجديبا كان له إيقاعه الخاص، إيقاع يرتبط بتقابلات الأحرف في الكلمة الواحدة، أو المفردة الشعرية الواحدة. وكان هذا الإيقاع يتحرك في مسارين مختلفين، رغم كونهما يدوران في فلك «التموسق» الشعري القائم على ما بالكلمة- المفردة- الواحدة من ترديد موسيقي.
1 - الموسقة المتكاملة
يتمركز موضوع هذه القراءة حول موسيقا الكلمة الواحدة، وذلك من خلال الأصوات المترددة في المفردة الشعرية، وهو المعروف بتكرار الحروف، وهذا الجانب، وهو «الموسقة المتكاملة» يظهر في العديد من نصوص وفقرات ديوان الشاعر حاتم الجديبا مثل قوله: «هدهدتها شفاه الحريرْ- هنالك زقزقةٌ- ويُضفي على همهمات الحياة» وكذلك قوله:
ويُضفي على همهمات الحياة
سلاماً قريرْ
وكذلك قوله في نص آخر بعنوان «غفران»:
أستلُّ أردية المعنى...
ألوذ بها؛
لعلّني أنزوي عن جمر نجواها
فغرغرتْ حكمتي بالارتباك
فهذه الكلمات ذات الأصوات المترددة، وكأنها الصدى المنبعث من عمق الوادي تشير لحالة الموسقة الشعرية التي حضرت بشكل كلّي متكامل، ولم تكن فقط هذه الكلمات، فالذي يسير في تصفح أوراق الديوان سيجد أمامه عددًا لا بأس به من هذا الحضور الكثيف لمثل هذه الدلالات الصوتية، أمثال «هسهساتٌ- والوسوسات تَقَوْقَعَتْ أفلاكها- الذبذبات- شِنْشِنَةُ الليالي- بالوسوساتِ- ثرثراتٌ»، إضافة لجمل وعبارات شعرية أخرى جاءت ضمن هذا السياق في عناوين شعرية مختلفة:
يحتذي خبثهُ الخساساتِ أصلا
...
شَرْشَرَتْ فوقه الدناءاتُ نعلا
...
ضحكةٌ أنعشتني... فدندنتِ الروحُ من دهشتي!
...
وخان التنحنحُ نصف الكلامْ
...
رسمتْ خمرةُ الصعود انكساراً
كهبوطٍ مزلزلٍ...
...
ربّما وسوس الشكُّ للأتقياءْ
...
على كركرات الدجى:
...
كأنّ اللحود السُّود...
تسري قصيدة ً لحسراتهمْ..
لكنّها تتلجلجُ
هذه الموسقة الشعرية القائمة على تقنية تكرار الحروف في الكلمة الواحدة منحت العبارات الشعرية أجراسًا موسيقية، ليس على مستوى الجمل الشعرية، أو على مستوى التقطيع التفعيلي كحال «تتلجلجُ» التي هي وحدة تفعيلية متكاملة «متفاعلن»، وإنما الكلمة بحد ذاتها أصبحت حركة موسيقية، كقول الشاعر الجديبا: «على كركرات الدجى» فكلمة «كركرات» لم تكن وحدة تفعيلية قائمة بحد ذاتها، إذ إن «كر» مضافة لحرف الجر الذي قبلها «على كر = فعولن» بينما بقية أحرف الكلمة وحدة تفعيلة أخرى قائمة بذاتها، وهذا هو سر الجمال الموسيقي في ما قدمه الشاعر السعودي الشاب حاتم الجديبا في هذا الديوان.
2 - الموسقة المتداخلة
المقصود بهذا العنوان، تلك الأنغام الأحرفية التي لم تكتمل أصواتها، إذ كان «التموسق» فيها ناقص البناء الصوتي، أو تلك التي دخلت عليها حروف أخرى فقللت من وقعها الجرسي، مثل هذه الأمثلة «أسرارها- ضلال- إحساسها- ضوضائه- الملهمات- تهندمتْ- الشرور- الأسرار- برّرتها- الغرور»، والمقصود بالأحرف الناقصة «غرور- ظلال» حيث كان الصوت الموسيقي في كلا الكلمتين «رور- لال» أما تلك التي دخلت عليها أحرف قللت من وقعها الموسيقي مثل «الملهمات- تهندمتْ»، وكان ذلك ضمن الأمثلة الشعرية التي تناثرت في ديوان «رغبة» للشاعر حاتم الجديبا، وهذا الفعل الشعري الحاصل في الديوان وجه آخر للموسقة التي تدور حول الكلمة الشعرية
بقول الجديبا في قصيدة «إفاقة من غيبوبة الأمنيات»:
على تراتيل الندى
في الشتاتِ
كَشُرْفَةٍ عطريّةٍ...
من شفاهٍ جفّتْ بتيهِ الصمت والمشكلاتِ
كرقّة الأمواج
عند التجلّي للبدر...
يهديها بهاء الصِّلاتِ
كالماء ينوي خدعة الرمل؛
حتى يذوق طعم الشمس قبل النباتِ
***
ما أفظع الأوجاع...
كانتْ لصوصاً
تكفّر الآمال بالوسوساتِ!
تنهّدتها الروح...
حتى رمتها
نيازك الإرجاف بالتُّرَّهَاتِ
دمي يهاب القولَ...
والقولُ سمٌّ
إنْ لاح ثارتْ لعنة المفرداتِ
ثم يقول في قصيدة «سبخ الآهات»
على سبخ الآهات...
أشرعتُ حرقتي
سلالم جرحٍ هادرٍ... يتمركزُ
تَمَرَّغْتُ في حمض الحكايات...
أقتفي ملاماً...
بأطنان الشناعات يرمزُ
ويقول كذلك في قصيدة بعنوان «تشرّد»:
كأنّ الريح تغلي بأمره
تسمّرهمْ بالزمهرير،
وتسمجُ
هذا التداخل كقوله «الملهمات» أو الاقتطاع الموسيقي «ضوضائه» قد أحدث جلبة موسيقية ضمن الكلمة الواحد، وكان رافدًا نغميًّا أكسب الصوت الموسيقي مرونة في الانعتاق من تردد الأحرف المتكررة، كما كان في «الموسقة المتكاملة»، وذلك في تكرار أصوات الأحرف الشعرية «فغرغرتْ»- على سبيل المثال- المكونة من قاطعين صوتيين «غر- غر» بعد حذف حرف العطف «الفاء» وتاء التأنيث الساكنة، كونهما حالتين طارئتين على الكلمة، وهذا الإيقاع الموسيقي المتكامل في تشكيل التكرار الصوتي يختلف عما هو عليه الحال في «ضلال- ضوضائه»، ففي كلمة «ضلال» حصل اقتطاع، بينما في «ضوضاء» حصل تحوير إذ حل الألف الممدود بدل حرف «الواو»، وهذا الشيء وإن أخفى صوت الصدى المتردد في المفردة الشعرية، إلا أنه كان انعطافة في رسم البيان الموسيقي في تعامل الشاعر مع حالات «الموسقة» الشعرية التي ازدانت بها قصائد ديوانه الشعري الجميل.
لقد اهتم الجديبا بموسيقاه الشعرية أيما اهتمام، ليس على مستوى العبارات والأشطر، بل على مستوى الكلمة الواحدة التي كانت أشبه بآلة موسيقية قائمة بذاتها، غير أن هذا الاهتمام لم تفرضه الصدفة، بل كان اهتمامًا مقصودًا، وعملاً مرسومًا بدقة، ينم عن رغبة الشاعر في البحث عن ما يخدم صوره الفنية، فكانت «الموسقة» الشعرية أهم دعائم هذا العمل.
وينطلق الشعراء من نبض الشوارع، ويتحدثون بضمير المجموع، وهم يتعاطون مع صوت الإنسان الذي لا يعرف التنظير والتأطير، وحينما حار الباحثون في ترويض الكلمات الأجنبية استطاع الإنسان البسيط تطويع لغة الأجنبي وتعريبها ببساطته الواضحة، حيث أوجدوا أفعالاً وصيغا تعبيرية للعديد من المصطلحات الحديثة، فقالوا عن «السناب»- يسنّب- سنّيْت، وقالوا عن «رتويت»- يرتْوِت، وربما هناك استعمالات لغوية أخرى غابت عني الآن وأنا أكتب هذه الأسطر.
ما دعاني للبدء بهذه المقدمة كلمة شعرية وجدتها في ديوان «رغبة» للشاعر السعودي الشاب حاتم الجديبا، ضمن قصيدة «سلطنة نهد»، وذلك في قوله:
جرّعتنا الريح...
سوسنةً
موسقتْ في حبّنا الهذرا
«هل تخافين؟!»... ارْفضي جدلاً
عند فنجان الهوى انكسرا
يقظة الأطياف في فمنا
هل تعالتْ
تحرق الحذرا؟!
فامسحي الأسوار
عن غدنا
حين يعدو الودُّ منتشرا
فكلمة «موسقتْ» المشتقة من- موسيقا- جعلتني أتوقف عند هذا الاستعمال الذي لم يعرّب الكلمة فحسب، بل أوجد لها اشتقاقًا لغويًّا، وكأنها كلمة عربية، حالها كحال أي كلمة عربية أخرى.
هذا «التموسق»- من الموسيقا- الذي نحاه الشاعر، كان شديد الوضوح عنده مع عدد لا بأس به من المفردات الشعرية التي كان الإيقاع الصوتي متحكمًا في جرسها الموسيقي.
بعيدًا عن الإيقاع الخارجي القائم على الوزن والقافية، وبعيدًا عن الإيقاع الداخلي المرتبط بتتابع الأنساق الصوتية للجمل الشعرية، فإن الشاعر حاتم الجديبا كان له إيقاعه الخاص، إيقاع يرتبط بتقابلات الأحرف في الكلمة الواحدة، أو المفردة الشعرية الواحدة. وكان هذا الإيقاع يتحرك في مسارين مختلفين، رغم كونهما يدوران في فلك «التموسق» الشعري القائم على ما بالكلمة- المفردة- الواحدة من ترديد موسيقي.
1 - الموسقة المتكاملة
يتمركز موضوع هذه القراءة حول موسيقا الكلمة الواحدة، وذلك من خلال الأصوات المترددة في المفردة الشعرية، وهو المعروف بتكرار الحروف، وهذا الجانب، وهو «الموسقة المتكاملة» يظهر في العديد من نصوص وفقرات ديوان الشاعر حاتم الجديبا مثل قوله: «هدهدتها شفاه الحريرْ- هنالك زقزقةٌ- ويُضفي على همهمات الحياة» وكذلك قوله:
ويُضفي على همهمات الحياة
سلاماً قريرْ
وكذلك قوله في نص آخر بعنوان «غفران»:
أستلُّ أردية المعنى...
ألوذ بها؛
لعلّني أنزوي عن جمر نجواها
فغرغرتْ حكمتي بالارتباك
فهذه الكلمات ذات الأصوات المترددة، وكأنها الصدى المنبعث من عمق الوادي تشير لحالة الموسقة الشعرية التي حضرت بشكل كلّي متكامل، ولم تكن فقط هذه الكلمات، فالذي يسير في تصفح أوراق الديوان سيجد أمامه عددًا لا بأس به من هذا الحضور الكثيف لمثل هذه الدلالات الصوتية، أمثال «هسهساتٌ- والوسوسات تَقَوْقَعَتْ أفلاكها- الذبذبات- شِنْشِنَةُ الليالي- بالوسوساتِ- ثرثراتٌ»، إضافة لجمل وعبارات شعرية أخرى جاءت ضمن هذا السياق في عناوين شعرية مختلفة:
يحتذي خبثهُ الخساساتِ أصلا
...
شَرْشَرَتْ فوقه الدناءاتُ نعلا
...
ضحكةٌ أنعشتني... فدندنتِ الروحُ من دهشتي!
...
وخان التنحنحُ نصف الكلامْ
...
رسمتْ خمرةُ الصعود انكساراً
كهبوطٍ مزلزلٍ...
...
ربّما وسوس الشكُّ للأتقياءْ
...
على كركرات الدجى:
...
كأنّ اللحود السُّود...
تسري قصيدة ً لحسراتهمْ..
لكنّها تتلجلجُ
هذه الموسقة الشعرية القائمة على تقنية تكرار الحروف في الكلمة الواحدة منحت العبارات الشعرية أجراسًا موسيقية، ليس على مستوى الجمل الشعرية، أو على مستوى التقطيع التفعيلي كحال «تتلجلجُ» التي هي وحدة تفعيلية متكاملة «متفاعلن»، وإنما الكلمة بحد ذاتها أصبحت حركة موسيقية، كقول الشاعر الجديبا: «على كركرات الدجى» فكلمة «كركرات» لم تكن وحدة تفعيلية قائمة بحد ذاتها، إذ إن «كر» مضافة لحرف الجر الذي قبلها «على كر = فعولن» بينما بقية أحرف الكلمة وحدة تفعيلة أخرى قائمة بذاتها، وهذا هو سر الجمال الموسيقي في ما قدمه الشاعر السعودي الشاب حاتم الجديبا في هذا الديوان.
2 - الموسقة المتداخلة
المقصود بهذا العنوان، تلك الأنغام الأحرفية التي لم تكتمل أصواتها، إذ كان «التموسق» فيها ناقص البناء الصوتي، أو تلك التي دخلت عليها حروف أخرى فقللت من وقعها الجرسي، مثل هذه الأمثلة «أسرارها- ضلال- إحساسها- ضوضائه- الملهمات- تهندمتْ- الشرور- الأسرار- برّرتها- الغرور»، والمقصود بالأحرف الناقصة «غرور- ظلال» حيث كان الصوت الموسيقي في كلا الكلمتين «رور- لال» أما تلك التي دخلت عليها أحرف قللت من وقعها الموسيقي مثل «الملهمات- تهندمتْ»، وكان ذلك ضمن الأمثلة الشعرية التي تناثرت في ديوان «رغبة» للشاعر حاتم الجديبا، وهذا الفعل الشعري الحاصل في الديوان وجه آخر للموسقة التي تدور حول الكلمة الشعرية
بقول الجديبا في قصيدة «إفاقة من غيبوبة الأمنيات»:
على تراتيل الندى
في الشتاتِ
كَشُرْفَةٍ عطريّةٍ...
من شفاهٍ جفّتْ بتيهِ الصمت والمشكلاتِ
كرقّة الأمواج
عند التجلّي للبدر...
يهديها بهاء الصِّلاتِ
كالماء ينوي خدعة الرمل؛
حتى يذوق طعم الشمس قبل النباتِ
***
ما أفظع الأوجاع...
كانتْ لصوصاً
تكفّر الآمال بالوسوساتِ!
تنهّدتها الروح...
حتى رمتها
نيازك الإرجاف بالتُّرَّهَاتِ
دمي يهاب القولَ...
والقولُ سمٌّ
إنْ لاح ثارتْ لعنة المفرداتِ
ثم يقول في قصيدة «سبخ الآهات»
على سبخ الآهات...
أشرعتُ حرقتي
سلالم جرحٍ هادرٍ... يتمركزُ
تَمَرَّغْتُ في حمض الحكايات...
أقتفي ملاماً...
بأطنان الشناعات يرمزُ
ويقول كذلك في قصيدة بعنوان «تشرّد»:
كأنّ الريح تغلي بأمره
تسمّرهمْ بالزمهرير،
وتسمجُ
هذا التداخل كقوله «الملهمات» أو الاقتطاع الموسيقي «ضوضائه» قد أحدث جلبة موسيقية ضمن الكلمة الواحد، وكان رافدًا نغميًّا أكسب الصوت الموسيقي مرونة في الانعتاق من تردد الأحرف المتكررة، كما كان في «الموسقة المتكاملة»، وذلك في تكرار أصوات الأحرف الشعرية «فغرغرتْ»- على سبيل المثال- المكونة من قاطعين صوتيين «غر- غر» بعد حذف حرف العطف «الفاء» وتاء التأنيث الساكنة، كونهما حالتين طارئتين على الكلمة، وهذا الإيقاع الموسيقي المتكامل في تشكيل التكرار الصوتي يختلف عما هو عليه الحال في «ضلال- ضوضائه»، ففي كلمة «ضلال» حصل اقتطاع، بينما في «ضوضاء» حصل تحوير إذ حل الألف الممدود بدل حرف «الواو»، وهذا الشيء وإن أخفى صوت الصدى المتردد في المفردة الشعرية، إلا أنه كان انعطافة في رسم البيان الموسيقي في تعامل الشاعر مع حالات «الموسقة» الشعرية التي ازدانت بها قصائد ديوانه الشعري الجميل.