اختلال منظومة القيم

No Image
تصغير
تكبير
المعلوم أن نظامنا التعليمي مازال منشغلاً بترسيخ المعارف المختلفة من دون العناية بالأخلاق أو السلوك العام، رغم أن التأثير التربوي على المتعلم شامل لا حدود له- عمقاً واتساعاً- بحسب ما يرصد له من الأهداف والفلسفات التربوية. فهو تأثير يمتد إلى عقول ووجدان كل متعلم... وصور السلوك لدى المتعلمين سواء كان سلباً أو إيجاباً إنما هي انعكاسات لنتاج العمل التربوي. فالمؤسسة التربوية أكثر الجهات تأثيراً في تشكيل السلوك إذا ما قورنت بغيرها من المؤسسات الأخرى.

والسلوك يرتبط بمفهوم «القيم» التي تزرعها التربية في نفوس النشء. لأنها أساساً تشكل مكوناً من مكونات السلوك أو الاتجاهات التي يفترض أن يعتني بها النظام التعليمي ضمن أهدافه وفلسفاته. إن التقصير في بناء مكون القيم يقود إلى انهيار في السلوك العام، وفي التصرفات التي تخلق الفوضى في التوجيه والاتزان.

والمقصود بالقيم هي جملة الأحكام التقويمية التي تحدد صورة السلوك بوجه عام. فهي أحكام على الفكر والعقل والانفعال، ويتعلق بمفاهيم الخطأ والصواب، والخير والشر، والقبح والجمال، والنفع والضرر. والإنسان عادة ما نجده يفاضل بين السلوك باستخدام القيم كأداة يحدد شكل السلوك الذي يرتضى به ويميل إليه، وقد يعزف عن أخرى. وهذا يقودنا للقول إن اختلاف السلوك لدى الأفراد يأتي حسب المواقف المختلفة، وهي بالتالي قيم نسبية تبعاً لاختلاف السلوك لديهم. فلو على سبيل المثال ظهر في سلوك شخص مثل (س) قيم الولاء أو النزاهة أو التعاون أو مساعدة الغير فهذه ليست بالضرورة توجد في قيم مثل شخص (ص) بافتراض ثبات الموقف المتولد فيه إظهار مكون القيم في الشخصية.

إن العوامل المؤثرة في القيم كثيرة وأشدها أثراً النظام التربوي. فترسيخ مفاهيم تربوية مثل المواطنة والانتماء والتعاون والصدق والخير وغيرها من مفاهيم في نفسية الإنسان، إنما يعني تعزيز مبدأ القيم في هذه المفاهيم بحيث يكون تعزيزاً شاملاً حقيقياً لا غيبياً. فالمواطنة مثلاً مفهوم لا يمكن تمثيله حقيقياً إلا عبر طريق أدوات التربية وأهدافها. فمن خلال المحتوى والوسائل والتدريب يحقق قيمة المفهوم، وبالتالي لابد من تعزيزه بالتدريب عليه وبالتطبيع فيه... فغرس قيمة المواطنة مثلاً تعد خبرة معاشة بين المواطن والوطن متصلة بعلاقة وشيجة تعكس حقوق وواجبات المواطن تجاه الوطن، والعكس صحيح. هذه الصورة من العلاقة بين الطرفين تجعل مفهوم المواطنة في نفس المواطن راسخة حقيقية تظهر بطرق شتى في سلوكه.

فإذا شعر الإنسان في وطنه أنه يعيش بكرامة وتقدير له حقوقه من دون نقصان، ويحميه القانون وله الرعاية والعدل والكفاية، فإن هذه الحقوق من الطبيعي جداً أن تنتج في نفس هذا المواطن قيم المواطنة والانتماء، وهو بالتالي سيعبر عنها وبكل الوسائل كالجد والمثابرة والإخلاص والدفاع عن الوطن وحماية المكتسبات وغيرها. إنها صور لبيان أوجه العلاقة بين أثر تكوين القيم في الإنسان على أوجه سلوكه وتكوين اتجاهاته.

yaqub44@hotmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي