هذا هو النموذج الكويتي للإصلاح (الحلقة الرابعة)
لإيجاد نظام عادل للترقيات... والعلاوات الحكومية
طالما لم نر قيادياً يُفصل من عمله أو تُخفّض درجته ... فلن نرى إصلاحاً
لتخفيض الإجازات المرضية المدفوعة إلى 10 أيام بالسنة
في بلد الفقاعة العقارية لم يخطر على بال أحد فرض ضريبة عقارية
لتخفيض الإجازات المرضية المدفوعة إلى 10 أيام بالسنة
في بلد الفقاعة العقارية لم يخطر على بال أحد فرض ضريبة عقارية
... جانب من نموذجنا الإصلاحي الهادف لعملية إعادة هيكلة جذرية للدولة والمجتمع الكويتي، سأخصصه لتعديلات أساسية في بنية البيروقراطية الحكومية. لابدّ من فهم حجم التأثير العميق الذي تمارسه البيروقراطية الكويتية على المجتمع والفرد.
أولاً هي تتحكم في شكل وآلية توصيل الخدمات الحكومية للمواطنين، وثانياً هي صاحب العمل الرئيسي في الاقتصاد (أكثر من 80 في المئة من الكويتيين يعملون في القطاع الحكومي)، أما ثالثاً، فعليها يقع عبء التنفيذ العملي للسياسات الحكومية العليا.
هنا، علينا استيعاب أن سوء الخدمات الحكومية العامة هو السبب الرئيس للسخط الشعبي العام على السلطة، ثم كون البيروقراطية الحكومية هي رب العمل الرئيسي يفتح مجالاً إضافياً للنقمة الشعبية على السلطة، حين يبدأ الموظفون - المواطنون في الإحساس بالظلم في الترقيات والعلاوات.
معنى ذلك أن أولوية إصلاح هذا القطاع مقدمة على ما سواها، ليس فقط لجدواها الاقتصادية والإصلاحية، لكن أيضاً لدورها في تحقيق الاستقرار السياسي المرجو.
سأحاول التصويب على أهداف 3 سأزعم جوهريتها في إعادة هيكلة الدولة - المجتمع، أولاً لابدّ من العمل على رفع مستوى جودة الخدمات الحكومية المقدمة للجمهور، ثانياً في مواجهة عجز مالي آخذ في التصاعد، علينا تقليل الهدر المالي الحكومي، ثالثاً، سنوجد نظاماً عادلاً للترقيات والعلاوات الحكومية، يضمن ليس فقط العدالة الاجتماعية لكن يسهم أيضاً في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ما سيؤدي مرة أخرى لرفع مستوى الخدمات الحكومية.
لتحسين الخدمات الحكومية، الخطوات الآتية مطلوبة، أولاً التحول إلى شكل كامل من الحكومة الالكترونية، وتقديم الخدمات الحكومية عبرها بالكامل، ثانياً معالجة كنز الداتا لدى الجهات الحكومية لاستخدامه في تحسين مستوى الخدمات المستقبلية، ثالثاً على غرار التجربة البريطانية أقترح اتفاقيات خدمة عامة
(Public Service Agreements) تحدد أهداف وغايات الحكومة لفترة 3 سنوات مقبلة.
أولاً - رقمنة الحكومة ستُبسط الخدمات التي تقدمها للجمهور، وتُوفر المال، وتُعزز جودة حياة المواطنين في نفس الوقت (40)، حتى الفساد ستجده ينخفض بنسب أكبر مما تتصور (41)، أما إذا كان همك الأساسي هو عجز الميزانية فلا أفضل من الرقمنة «كسائق اقتصادي رئيسي الدور في تسريع النمو الاقتصادي وخلق المزيد من الوظائف» (42) الخطوة الأولى هنا أن تبدأ بالتركيز على رقمنة عدد بسيط من الخدمات التي عليها الكثير من الطلب ثم تأخذ في التوسع في خدمات إضافية، كون الحكومة توفر آلاف الخدمات عليها تحديد أولوياتها الرقمية بما يتماشى مع أهدافها الاستراتيجية الكبرى (43)، مع التوقيع الالكتروني الجديد كأداة تعريفية لا خدمة حكومية بعيدة عن الرقمنة، علينا الحرص على أن تكون تجربة المستخدم في هذه الخدمات سهلة وميسرة، الربط الآلي بين الجهات الحكومية ضروري أولاً.
على الهدف أن يكون خلق بيروقراطية رقمية بالكامل: لا مراجعات لدائرة حكومية بعد اليوم، لو تفكر بما أقول قليلاً وتستحضر تجارب الدول الأخرى ستكتشف أن حتى أصعب الخدمات أو المعاملات الحكومية قابلة للرقمنة: نقل ملكية العقار (في سنغافورة ينقلونها أونلاين)، نقل ملكية مركبة (الإيرلنديون ينقلونها أونلاين) دفع الضرائب (النرويجيون يدفعونها أونلاين) طلب وتسلم معونات اجتماعية (الاميركيون يطلبونها ويتسلمونها أونلاين) أما أستونيا ذلك البلد الصغير في شمال أوروبا بعدد سكان أقل من الكويت، فاستطاع تحويل نفسه لأكثر دولة متقدمة في مجال الخدمات الالكترونية الحكومية (حتى فتح حساب بنكي، العملية الأكثر صعوبة في أوروبا يتم أونلاين).
ثانياً - بعد تقديم الخدمات الحكومية «أونلاين» نأتي إلى محاولة تحسينها باستخدام «البيانات الضخمة» كمزود للخدمة فإن لدى الحكومة كنزا من هذه البيانات يغطي كل ما يخطر، وما لا يخطر ببالك. عالج الداتا المتوفرة باستخدام تكنيكات مثل التنبؤات التحليلية (Predictive Analytics) وتحليلات سلوك المراجع (Consumer Behaviors Analysis) وستستطيع تحسين الكثير من الخدمات.
التنبؤات التحليلة تجعلك تستخدم الداتا التاريخية للبحث عن الأنماط وتحديد الميول التي يمكن استخدامها لإعادة تنظيم الخدمات التي تقدمها وتوقع الاحتياجات المستقبلية، ومنع الأزمات قبل وقوعها. لم تفهم شيئاً؟ توقّعت ذلك، سأعتمد على الأمثلة للتوضيح أكثر.
بالاعتماد على البيانات التاريخية نستطيع استباقياً التنبؤ بعدد المراجعين لمركز خدمة حكومي في يوم ما، وبالتالي نستطيع زيادة عدد موظفي الخدمة في ذلك اليوم أو تقليلهم حسب الحاجة، مثلاً كل صيف تتكرر ذات الأزمة في تجديد جوازات السفر، وقلة المتوافر من الجوازات الخام، لكن أبسط «خوارزمية» (Algorithm) ستخبرك بالضبط كم جواز ستحتاج إعداده في أي شهر من السنة.
أهمية مثل هذه التنبؤات ترتفع إذا طبقنا ذات التكنيك في القطاع الصحي، ورفعنا أو خفضنا عدد الأطباء المناوبين في مستشفى ما بناء على عدد المرضى المتوقع دخولهم ذلك اليوم، هذا كله يدخل في باب تحسين الخدمات الحكومية، وتقليل فترات الانتظار للمراجعين. على المدى البعيد في المدارس نستطيع التنبؤ بأكثر الطلبة المرشحين للفشل الدراسي، وربما تخصيص مزيد من الجهد لهم. دائما يحاول الاطباء توقع الأزمات القلبية لمرضاهم وينجحون في ذلك بنسبة 30 في المئة من المرات، لكن استخدام مثل هذه التكنيكات سيرفع هذه النسبة إلى 80 في المئة. هذه تكنيكات مبتكرة للتو بدأت دول العالم المتقدم في تطبيقها فالفرصة سانحة أمام الكويت لتقفز إلى المستقبل كأول دولة شرق أوسطية تعتمد على الداتا لحل مشاكلها.
ثالثاُ - اتفاقيات الخدمة العامة (Public Service Agreements) (44) ستحدد أهداف وغايات الحكومة على المدى القصير. الاتفاقيات ستكون بمثابة تعهدات حكومية بإنجاز أهداف قد تكون صغرى، لكنها ذات عناوين رنانة وتحمل معها تأثيراً مباشراً على جودة حياة المواطنين. مرة أخرى اعتمادك على الداتا كمعيار تبدأ به. الاتفاقيات يستحسن أن تكون على الغرار التالي، سنحسن درجات طلبة المرحلة الثانوية بمقدار 10 في المئة خلال سنتين، سنخفض وقت الانتظار في العيادات الخارجية إلى النصف خلال سنة، سنقلص فترة التقاضي في قضايا الأحوال الشخصية بمقدار 4 أشهر خلال سنتين.
هذه الاتفاقيات هي أدوات طموحة للحكم والإدارة عبرها تستطيع تحسين تحديدك للأوليات، تحفز الوزراء والبيروقراطيين الكبار على العمل عبر تحديد أهداف عليهم الوصول لها، توفر لك آلية تحكم بها على مدى كفاءة أداء «بيروقراطينك» تحدد بها من يستحق الترقية المقبلة، ثم دور هذه الآلة في رفع كفاءة الجهاز البيروقراطي برمته وليس فقط نجاحها في تحقيق أهدافها الصغيرة مثبتاً ومتكرراً.
المفهوم الآخر الذي أريد أن آتي به من بريطانيا هو وحدة رئيس الوزراء للتسليم أو تقديم الخدمات الحكومية (Prime Minister Delivery Unit)، هي وحدة منفصلة مفوضة لاستخدام صلاحيات رئيس الوزراء في التركيز على تحسين النتائج في عدد محدود من الخدمات أو المشاريع ذات الأولوية، إزالة العقبات التي تظهر عندما يكون الإنجاز خارج مساره الصحيح، إضافة لدورها في فرض التعاون بين الجهات الحكومية المختلفة، وإشرافها اللصيق على المشاريع الحيوية (45).
الجانب الآخر من الإصلاح البيروقراطي الذي أريده، سيعمل على إعداد القيادات والموارد البشرية القادرة بالفعل على الإنجاز والعمل. أنا قادرعلى كتابة المجلد خلف المجلد لإصلاح الكويت، لكن طالما لم نر قيادياً يُفصل من عمله الحكومي، أو آخر تُخفض درجته الوظيفية، فلن نرى إصلاحاً في القطاع الحكومي إلا في أحلام ما بعد الغداء.
سأصر على جوهرية مبدأ الثواب والعقاب، به فقط يستقيم «الماندريون» لكن الأهم من العصا والجزرة هو تطبيق العدالة الاجتماعية على موظفي القطاع الحكومي، حيث يعمل أكثر من 80 في المئة من الكويتيين، والأهم أيضاً من تطبيق هذه العدالة الاجتماعية، هو أن يشعر هؤلاء الموظفون - المواطنون بتطبيقها، كما أن إصلاح البيروقراطية يستدعي الاختيار الصحيح للقيادات الحكومية.
سأقترح وأقرأ جيداً الاصلاحات الآتية: إذ جردنا ديوان الخدمة المدنية من صلاحياته بوقفنا لأغلب التوظيف الحكومي (راجع القسم الأول من هذه الدراسة) فسنوجد له دوراً مركزياً في تقييم موظفي القطاع الحكومي، إذاً ننقل لديوان الخدمة المدنية كجهة أفترض حيادتها صلاحيات تقييم وترقية ونقل وعقاب موظفيي الوزارات بدلاً من جعلهم عرضة لأهواء ومزاجات المسؤول المباشر أو الوزير، لكن هذا يستدعي شكلاً جديداً لطريقة التقييم يربطه بالإنتاجية والأداء السابق. سنحتاج معايير محددة تسجل الإنتاجية حسابياً. أقترح أن شيئاً مماثلاً لنظام تقييم بيروقراطية هونغ كونغ سيكون مناسباً للكويت، الهدف سيكون ليس فقط ضمان حيادية هذا التقييم، ولكن نجاحه في دفع وتحفيز الموظفين على رفع مستويات أدائهم. أما آلية اختيار الوظائف الإشرافية فيجب فتحها للمنافسة أيضاً تحت مظلة ديوان الخدمة المدنية. ملف إنجازي لكل موظف يسطر به ما يعتقد أنها إنجازاته (مرة أخرى علينا استخدام الداتا: أنا مهندس أشرفت على كذا مشروع، ونجحت في إنهائهم ضمن الإطار الزمني بلا عقبات، أنا دكتور نجحت في إجراء كذا عملية بلا مضاعفات، أنا رئيس قسم أدرت هذا المركز، ونجحت بتحسينه في كذا وكذا وكذا) سيوفر لك هذا الأمر آلية للمفاضلة والاختيار العلمي، لكني سأزعم أن لا إصلاح فعلياً من دون تقليل صلاحيات الوزراء في التعيين والنقل والترقيات، ونقل هذه الصلاحيات للبيروقراطية الحكومية التي ستكون دوماً خاضعة لسلطان، وأحكام ديوان الخدمة المدنية التي أطمح لمزيد من التوسيع في صلاحياته، تقليلاً للضغوط السياسية على الوزراء.
ثم حتى إذا استثقلت هذا النقل للصلاحيات إلى ديوان الخدمة المدنية على الأقل، أعط الديوان حق النظر في تظلمات الموظفين وفرض قراراته، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل مخالفات إدارية على الجهة المعنية.
مصدر صداع مزمن للقطاع الحكومي هو في نظام الإجازات المرضية الذي يدفع الموظفين دفعاً للتسيب. تغييره السريع سيكون مطلوباً لرفع الإنتاجية، حالياً أول 15 يوماً في السنة هي إجازة مرضية مدفوعة، ثاني 15 يوماً تكلف الموظف نصف راتب اليوم، ثالث 15 يوماً تكلفه 75 في المئة من راتب اليوم، مع نظام كهذا لا أحد يستطيع لوم الموظفين على محاولاتهم التلاعب به، فالنظام يغريهم بهذا.
للإصلاح سأقترح تخفيض الإجازات المرضية المدفوعة إلى 10 أيام بالسنة، بعدها يتحمل «الموظف المريض» الكلفة كاملة بخصم كامل راتب اليوم، وفجأة سيتعافى الكويتيون، لا مانع من إبقاء النظام الحالي في حالة دخول الموظف المستشفى، يجب علينا ملاحظة أن حتى هذا الاقتراح سخي للغاية، مقارنة مع المعدلات العالمية للإجازات الطبية (في بريطانيا، وأميركا يأخذ الموظفون أقل من 5 أيام من الإجازات الطبية في السنة لا أكثر).
وقف التعينات البراشوتية من خارج السلم البيروقراطي جميعنا يتفق عليه، لكن لا مانع من أن يأتي الوزير بطاقمه الإداري شريطة أن يذهبوا معه أيضاً، لكن هنا عقبة تستوجب الحل، كيف ستدمج هؤلاء بالسلم الإداري الوزاري؟ إذا كنا نتحدث عن شخصيات ذات أوزان ثقيلة (لا تخدع نفسك للإصلاح هذا ما ستحتاجه) فالتأكيد واجب على رفضهم لتعيينات صورية بلا صلاحيات حقيقية كمستشارين في مكتب الوزير، الأفضل استحداث مناصب بيروقراطية موقتة لهم ترتبط ببقاء الوزير في منصبه (كما في بريطانيا).
كذلك التجارب التاريخية في العالم المتقدم أثبتت جدوى تطعيم السلم البيروقراطي بقيادات من القطاع الخاص، ثقافة القطاع الخاص الديناميكية المهوسة دائماً ليس فقط بالإنجاز، ولكن بسرعته هي المطلوب حقنها في بيئة القطاع الحكومي الخاملة المشغولة دائماً بشكل سير العمليات والإجراءات (Process) بدلاً من النتائج (Outcome).
هؤلاء القيادات سيعوضون نقصاً مزمناً طالما عانى منه القطاع الحكومي العاجز عن التطوير الذاتي لمهارات مثل (Project Management) و(Customer Service) و(Contracts Management)، الأفضل إدخالهم في منتصف السلم في مستوى المديرين، الشفافية مطلوبة في آلية وشكل الاختيار الذي يجب أن يكون مفتوحاً للكل.
الأهم من هذا كله، الاعتراف أننا دولة عالم ثالث، وماذا تحتاج دول العالم الثالث؟ تحتاج خبرات أجنبية متطورة، إذاً يجب الاستعانة بمستشارين أجانب. أحضرهم من سنغافورة أو بريطانيا أو اسكندنافيا لكن تأكد أن الشيب يملأ رؤوسهم ثم وزعهم على وزارات الدولة، إذا لم نركن نصائحهم على الرف كالعادة فصدقني سيستحقون ضعف كل دينار يأخذونه.
لا يقل أهمية عن هذا كله هو وجود نظام متكامل لمراقبة جودة الخدمات المقدمة للجمهور (المصدر الأساسي لنقمة المواطنين على الجهاز التنفيذي برمته) سأقترح «برنامج متسوق خفي» يعطينا تقيمات دورية عن مستوى أداء الموظفين والجهات الحكومية (برامج شبيهة مطبقة بنتائج ممتازة في بريطانيا منذ 2011، وفي دبي منذ 2013)
لكن المطلوب من البيروقراطية الكويتية لا يقتصر على إنجاز مشاريع أو تقديم خدمات حكومية، فطبيعة النظام السياسي الذي سيأتي دوماً بوزراء أغلبهم مستقلون بلا أجندات أو برامج عمل مسبقة سيفرض على هذه البيروقراطية أن تتحول إلى آلة لصنع السياسات (Policy Making)، دعني أخبرك أفضل بيروقراطية هي البطيئة في صنع السياسات لكن السريعة في تطبيقها، ستحتاج للتأني في صنع السياسات والتوجهات الجديدة، لا مانع دوما من الاستعانة بذوي الاختصاص من الجمهور وأصحاب الشأن أثناء صنع أي سياسة
(Public Consultation)، قبل النظر في أي سياسة أبحث عن الأدلة التي تدعم أي خيار تنوي اتخاذه،
فـ (Evidence – Based Policy Making) هي الطريق إلى الأمام (46)، ثم أي سياسة جديدة تتدارسها يجب بحثها من وجهة نظر مالية لتحديد تكلفتها على الميزانية أولاً و(Value for money) ثانياً.
الإصلاح الضرائبي
رغم كل ما سطرناه حتى الآن سيبقى السؤال قائماً: من أين سنأتي بالإيرادات الكافية لتغطية العجز المتصاعد في الميزانية؟ صحيح قلصنا حجم العبء التوظيفي في القطاع العام مع ما يلحقه ذلك من التزامات مالية على ميزانية الدولة، وصحيح نجحنا في بيان خارطة طريق لتنويع مصادر الدخل، وتغيير هيكلية الاقتصاد، ثم أصلحنا التعليم والبيروقراطية الحكومية، لكن هذا كله لن يغير من المعادلة شيئاً. في المستقبل المنظور ستبقى كفة إيرادات الخزينة أخف من مصروفاتها، هذا يجعل للسلطة خيار وحيد هو فرض الضرائب.
المدخل إلى تصميم أي نظام ضرائبي يطمح للكمال والنموذجية هو مراعاة الجوانب الآتية: أولاً الهيكل الضريبي يحتاج أن يكون عادلاً، عدالته الأفقية (Horizontal Equity) يجب أن تضمن أن الأفراد ذوي الدخول والأصول المماثلة يدفعون ذات القدر من الضريبة، إما عدالته العمودية الأكثر أهمية (Vertical Equity) فعليها ضمان أن الضرائب المدفوعة من الأفراد والشركات تزداد بزيادة مقدار ما يكسبونه من دخل. جوهر العدالة العمودية أن أولئك الذين لديهم دخل أعلى أو ثروة أكبر عليهم أن يكونوا المساهمين الأساسيين في دعم أصحاب الدخول المنخفضة.
ثانياً، حيادية الضريبة (Tax Neutrality) تستدعى هيكلاص ضريبياً لا يدفع دافعيها إلى تغيير اختياراتهم الاقتصادية فقط لتجنب هذه الضريبة، أنت لا تريد ضريبة مثبطة للاستثمار أوالادخار. بساطة ويقينية الهيكل الضريبي.
ثالثا، الضريبة المثلى (Optimal Tax) هي تلك التي يعلم الجميع مسبقاً طريقة حسابها وجبايتها، موعد استحقاقها، طريقة دفعها، وعقوبة التخلف عن سدادها عند تصميم الضريبة المثلى علينا أولاً حساب.
باعتبار الجوانب السابقة سأقترح نموذجاً لهيكل ضريبي يدعي العدالة الاجتماعية، ولا يشكل في ذات الوقت معوقاً امام الاستثمار.
أولاً لن أضيع الكثير من الوقت في تسخيف كل الآراء الداعية إلى فرض ضريبة القيمة المضافة المقترحة في 2018. الحجة ستأتي بعد الحجة وجميعها ستدفع ضد فرض مثل هذه الضريبة في الكويت لكني سأدعو لشكل انتقائي منها على شكل «ضريبة خطيئة» (Sin Tax)، لن أتوقف هنا، فثانياً سأذهب مباشرة لاقتراح نموذج ضرائبي سنتفق جميعاً على انه الأفضل لنا، ضريبة أعمال وشركات تجارية ستكون الأولى في التطبيق وهدفها الأساسي لا يتوقف عند زيادة الإيرادات فقط، بل يذهب لضمان الاستقرار السياسي للدولة والنظام.
في بلد الفقاعة العقارية لم يخطر على بال أحد فرض ضريبة عقارية، لكني سأفصل في ضرورتها وشكلها، ثالثاً سيكون هدف الضرائب على رواتب موظفي القطاع الخاص السابق ذكرها (Payroll Tax) هو دفع هذا القطاع إلى التكويت السريع لوظائفه.
اقتصادياً ضريبة القيمة المضافة هي مثال نموذجي «للضريبة الرجعية» (Regressive tax) (47) حيث تأخذ الضريبة نسبة أكبر من دخل أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة عن ما تأخذه من دخل البرجوازية العليا، جلّ العبء الضريبي للقيمة المضافة سيثقل كاهل الطبقتين الوسطى والوسطى - الدنيا، تفسير ذلك أنها ضريبة على الاستهلاك وأصحاب الدخل المتوسط أو الضعيف يجنحون اضطراراً لإنفاق أغلب دخلهم على الاستهلاك اليومي بينما أصحاب الدخل العالي لعلو دخلهم يستطيعون التوفير، وليسوا في حاجة إلا لصرف جزء من دخلهم فلا يضطرون لدفع هذه الضريبة، لذلك يتفق الاقتصاديون على ضررها على العدالة الاجتماعية، وعلى التفاوت الاقتصادي داخل المجتمع (Income Inequality)، الدراسات العالمية في أكثر من دولة وجدت النمط ذاته، مثلاُ هذه الضريبة غير العادلة تأخذ 12 في المئة من دخل أفقر 20 في المئة من العوائل البريطانية، لكنها تكتفي بأخذ 5.9 في المئة من دخل أثرى أثرياء بريطانيا (48). هل هذه عدالة بنظرك؟ لماذا تريد ضرراً مماثلاً للكويتيين؟ النتيجة المباشرة التي نتوقعها من هكذا ضريبة هي مزيد من التفاوت الاقتصادي في دخل الكويتيين، سيقترب «معامل جيني» من الواحد وسننجح أخيراً في تحويل المجتمع الكويتي إلى طبقات متفاوتة الدخل.
بكل جرأءة سأذهب الى القول إن حتى ضريبة دخل مباشرة شريطة تصاعديتها ستكون أكثر عدالة. ثم لحظة، لحظة، لماذا الحديث عن هذه الضريبة كأنها خيار حقيقي أو ممكنة سياسياً؟ قليلاً من الواقعية السياسية ستكون مقدرة كثيراً، فخلافاً لدول الخليح الأخرى، فإن شكل أي نظام ضرائبي سيحتاج المرور عبر بوابة مجلس الأمة، طبيعة الديمقراطية الريعية الكويتية ستخبرك أن المستحيل أقرب لك من نجاحك في تمرير ضرائب على الناخبين، السياسة في الأخير هي فن الممكن، وهذا غير ممكن لكني سأمضي معك لآخر الطريق، فحتى افتراض نجاح السلطة في فرض هذه الضريبة لا يجب إلا أن يجعلها تفكر ملياً وجدياً في كلفتها على الاستقرار السياسي على المدى البعيد. فمنذ أن قرر لويس السادس عشر بحماقة أن يفرض الضرائب على الطبقة الثالثة، والحكمة التقليدية تحذر الحكام من مغبة التهور في إجراء ضرائبي جديد، مراجعة «لللتر تشر ريفيولا» ترجع إلا لتؤكد حكمة هذه الحكمة فالاستقرار السياسي دوماً مرهون بعوامله الاقتصادية. نتفق أولاً أن أي أجراء ضرائبي جديد خصوصاً في ظل موازين القوى السياسي - اجتماعية الحالية، سيؤثر سلباً على توزيع الدخل ومستواه للفرد العادي، وسيزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، هذا منطقي جداً، فأي ضريبة على الاستهلاك، بدلا من استهداف الإنتاج ستضرب أكثر ما تضرب الطبقة الوسطى، بينما يستمر تراكم الثروة لدى البرجوازيا العليا، لكن إياك أن تظن أن هذا كله لن يكون له تأثير لاحق على الاستقرار السياسي، الأدلة تجزم أمبريقياً على هذا «فالعوامل الاقتصادية لها تأثير مباشر على الاستقرار السياسي كما وجدت دراسة قديمة فحصت 122 دولة في فترة 1960 - 1988، (49) وأول هذه العوامل كانت العبث بدخل الافراد، ثم عدم المساواة في توزيع الدخل (Income Inequality) ثُبت دورها المهم وارتباطها غير المستقيم في هز الاستقرار السياسي بدراسة 18 دولة لاتينية في فترة 1971-2000 (50) ثم دراسة أخرى لـ 71 دولة في فترة 1960-1985 لم تصل إلا لذات العلاقة (51).
لكن دعنا ننسى هذا كله، وندعي خصوصية كويتية بعيداً عن لويس السادس عشر. دعنا لنتحدث اقتصادياً لا اجتماعياً ولا سياسياً، ما الذي نطمح إليه من وراء فرض هذه الضريبة؟ هل مقدارها السنوي سيسوغ كل رأس المال السياسي الذي ستنفقه في سبيل اقرارها؟ لا تأمل كثيراً، محاكاة اقتصادية لصندوق النقد الدولي تتوقع لإيرادات ضريبة القيمة المضافة في الكويت أن تكون بين 0.8 و1.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (52) متوسط ذلك في 2016، سيعني أن حجم هذه الضريبة سيكون نحو 350 مليون دينار سنوياً، آراه مبلغاً تافةاً مقارنة مع عجز 2015/2016 الواقف عند 5.5 مليار دينار، لتستنزف رأسمالك السياسي، وتتحمل تكلفتها الاجتماعية.
ثم صندوق النقد الدولي يأتي بمفاجأة غير سارة مع هذه المحاكاة فيتوقع أثراً تضخمياً لهذه الضريبة بين 3.6 في المئة و3.9، ثم أنه يعود ويحذر من أن الآثار التضخمية لهذه الضريبة قد تكون أعلى من هذا بكثير لاستغلال التجار مناسبة فرضها لرفع هوامشهم الربحية (53)، ثم حتى إذا قرر تجار الكويت مفاجئتنا وعدم استغلال الفرصة لرفع الأسعار، فإن الأثر التضخمي لهذه الضريبة لوحده مجموعاً مع معدل التضخم العالي في الكويت أصلاً (3.5 في المئة خلال 2016) سيرفع التضخم إلى 7.5 في المئة وما فوق، هذا التضخم سيكون مؤلماً كثيراً للطبقة الوسطى، وسيأكل المزيد من قوتها الشرائية المتضائلة أصلاً (تذكر أن الدينار خاسر لأكثر من 14 في المئة من قيمته أمام الدولار في السنوات القليلة الماضية).
مقاربة أفضل لهذه الضريبة هي في توجيهها لكبح نمط الإنفاق الاستهلاكي، فنحصرها«كضريبة خطيئة على بعض السلع الكمالية، لا توقفها عند مشروبات الطاقة أوالسجائر بل الأوجب شمولها فوق ثمن محدد للسيارات والمجوهرات والساعات الثمينة وحتى الملابس وربما المطاعم والسفر أيضاً، للمحافظة على عدالة الضريبة لا تنس أن تجعلها تصاعدية ترتفع نسبتها بارتفاع قيمة السلعة ثم عناية إضافية ينبغي توجيهها ساعة اختيار العتبة السعرية التي تبدأ منها هذه الضريبة على كل نوع من أنواع السلع».
هذه ضريبة أكثرعدالة أجتماعياً يدفعها كل مستهلك حسب معدل وطبيعة إنفاقه، ثم هي ضريبة اختيارية لا إلزامية، سيختار المستهلك دفعها إذا قرر الاستمرار في نمط استهلاكه المفرط، مثلاً لن يدفعها المستهلك إذا اختار شراء مركبة بثمانية آلاف، لكنه سيدفعها إذا قرر شراء أخرى بـ 15 ألفاً، وسيدفعها مضاعفة إذا ذهب لشراء تلك ذات الـ 25 ألفاً، كما أن هذه الضريبة لن تجمع إيرادات لخزينة الدولة، فحسب بل من يعلم لعلها تنجح في تغيير نمط الإنفاق الاستهلاكي لدى المستهلك، نحو مزيد من الادخار الضروري للنمو الاقتصادي.
لكن الطريق للأمام هو عبر ضريبة أعمال على الشركات لا أقل، هي الوحيدة التي ستكون مع تصميم جيد ضريبة تقدمية كما نريد (Progressive Tax) مؤاءمتها السياسية أسهل بكثير، فالمواطن الناخب العادي من جهة سيرحب بضريبة على ما اعتبره دوماً جشع تجار من دون أن يعي أن في الجهة الأخرى كلفة هذه الضريبة ستنتقل إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى، هذا يجعل قبولها من لوبي التجار ذي النفوذ الواسع ممكن.
جدواها الاقتصادية تحتاج لبحث عميق، عوائدها السنوية ستكون مغرية، مثلا متوسط دخل ضرائب الشركات في دول منظمة التعاون الدولي يقف عند 2.8 في المئة من التاتج المحلي الإجمالي في هذه الدول، افتراض نجاحنا في جباية ذات الدخل (وهو افتراض لا يخلو من الجرأة إذا استحضرنا أن القطاع الخاص في الكويت أصغر حجماً بكثير من مثيله في هذه الدول) يعني جمعاً لنحو 900 مليون دينار سنوياً. لا تجعل تعرفتها أكثر من 7 في المئة وعموماً هذا معدل تعرفة ليس بعيداً عن متوسط تعرفة الضريبة الفعلية (Effective Tax Rate) في دول مجموعة العشرين (وعلى وجه الخصوص الدول النامية في هذه المجموعة)، تطبيقها يواجه بعقبتين، أولاً أنت تريد دوراً أكبر للمشاريع الصغيرة وتشجيع الشباب على العمل الحر، لكن كيف يستقيم هذا مع فرض ضريبة تأكل من أرباحهم؟ لا أحبذ إعطاء إعفاءات ضريبية لا تستطيع إزالتها مستقبلاً، فأفضل إعطاءهم اعتمادات ضريبية (Tax Credits) لأول أربع سنوات تشغيل.
العقبة الآخرى تكمن في الاتحاد الجمركي الخليجي، صحيح النظريات تذهب أن كلما كبر حجم السوق زادت فرص النمو الاقتصادي، لكن هذا لا ينطبق على حالتنا الواقعية، إذ إن فرضنا لوحدنا لضريبة أعمال خليجياً سيضع منتجات الشركات المحلية في منافسة غير عادلة عندما تغرق الشركات الخليجية منتجاتها في السوق المحلية من دون الحاجة لدفع ضرائب محلية. لا أريد أن أبدو حمائياً (Protectionist) لكن هذا يجعل الكويت الخاسر الأكبر فحتى إذا فرضنا ضرائب على الشركات الخليجية ساعة دخولها الكويت، فهذا لن يمنع انخفاض تنافسية الشركات الكويتية عندما تدخل الاسواق الخليجية الأخرى فقط، لتكتشف أنها لوحدها مضطرة لدفع ضرائب في الكويت.
لكن المعضلة الأكبر هو انك واقعياً لا تستطيع فرض ضريبة شركات من دون أن تفرض ضريبة أعمال أيضاً، فالذهاب إلى فرض ضريبة شركات لوحدها يعني عملياً هروب رؤوس الأموال إلى العقار أو الودائع المصرفية، عندها لن تخسر إيرادات ضرائبية فحسب، بل ستحتاج لأن تتعامل مع الانكماش الاقتصادي الناتج من هذا الهروب.
لعل من الأفضل للضريبة أن تكون ضريبة أعمال لتشمل أرباح الاسثتمارات والأسهم والودائع المصرفية كما أرباح المهنيين من محامين ومهندسين وأطباء، ثم التصاعدية في تطبيقها لربما ينجح في إخفاء آثارها التضخمية، لنبدأها من 3 في المئة فقط لترتفع بعد 5 سنوات إلى 5 في المئة، ثم تصل بعد 10 سنوات إلى 7 في المئة، ثم إذا أتينا للحديث عن القطاع العقاري المهيمن فعلياً على الاقتصاد الكويتي، فسأمضي وأقترح ضرائب عقارية أهدافها لا تتوقف عند جمع إيرادات ضرائبية، فحسب بل ستذهب أيضاً إلى إعادة التوازن الى السوق العقاري الذي يأتينا كل دورة اقتصادية بفقاعة عقارية جديدة، ثم إذ أعلم القيمة الرمزية لأهمية امتلاك مسكن خاص كحاجة أساسية أكثر التصاقاً بحياة الناس فلن أتركه كساحة لعب حيث يصنع المقامرون ثرواتهم على حساب الطبقة الوسطى. الحل في مزيد من الضرائب الموجهة، أولاً إعادة النظر في رسوم التسجيل العقاري البالغة 0.5 في المئة واجبة. استثن منها المشتري لأول مرة في القطاع السكني، وأغلبهم شباب يستحقون الدعم، ثم ارفعها تصاعدياً حسب قيمة الصفقة العقارية ولا تتوقف إلا عند 10 في المئة. لا حل إلا بالتعرفة التصاعدية فمن غير المعقول أن تتساوى تعرفة رسم تسجيل أرض سكنية صغيرة القيمة والمساحة مع رسم تسجيل مجمع تجاري، ثم رفع رسوم التسجيل العقاري هي الخطوة الأولى لوقف المزيد من التضخم العقاري وخذها مني كل تضخم محمود إلا في سلعة جامدة كالعقار.
ضريبة على الإيجارات العقارية هي الضريبة الثانية، لكن كون الاستثمار العقاري أكثر أماناً للمستثمر وأقل تنشيطاً للاقتصاد يستدعى تعرفة تفوق تعرفة ضريبة الشركات أو الاعمال المقترحة. هذا الحل الوحيد لدفع رؤوس الأموال الخائفة إلى نشاطات محركة أكثر للدورة الاقتصادية. سنحتاج لجعل تعرفتها أعلى بـ 30 في المئة على الأقل من ضريبة الأعمال (أي 9 - 9.5 في المئة من الإيجارات السنوية).
لا ننسى أن نشمل الإيجارات في السكن الخاص في كل هذه الضرائب لأن غير هذا ستخلق فقاعة جديدة في السكن الخاص لا نريدها حينما تهرب رؤوس الأموال لها (54) ضريبة 2010 على الأراضي الفضاء جيدة لكن يجب تعديل القانون لإلزام الملاك بسدادها سنوياً.
هوامش
40 - Digital by default: A guide to transforming government (2016). Mckinsey Center for
Government. Retrieved from www.mckinsey.com.
41 - Andersen T. B. (2009). E-Government as an anticorruption strategy. Information Economics and Policy, 2009,No. 21, pp. 201-210.
42 - Sabbagh, Karim et all (2013) digitization for economic growth and jobs creation regional and industry.Booz and Company.
43 - قصور النظر الحكومي المعتاد جعل أولى الخدمات المرقمنة نسبياً هي خدمة تأسيس الشركات، الآن قل لي كم شركة ستؤسس طوال حياتك؟ واحدة؟ اثنتان؟ ربما ثلاث إذا حالفك الحظ، لكن في المقابل كم مرة ستضطر لمراجعة الجهات الحكومية لتجديد وإصدار وثائق عائلتك الرسمية أو إصدار تأشيرة عامل أو طلب موعد لمقابلة دكتور أو أخذ موعد أشعة طبية. إذاً الواجب تحديد الأولويات وتركيز الجهود على الخدمات التي يستخدمها أكثر عدد ممكن من المواطنين.
حتى إذا آمنا أن الحكومة كانت تلاحق هدفاً استراتيجياً كبيراً عندما ارتأت البدء في رقمنة الخدمات المقدمة للشركات رغبة منها في تسهيل بيئة الاعمال، ألا ترون سذاجة البدء في تسهيل استصدار رخصة تجارية؟
سأفسر ما أقول ولن أختصر. قد يكون استخراج الرخصة الجارية عملاً مرهقاً ومكلفاً للوقت، لكنها ليست مصدر القلق الرئيسي لقطاع الأعمال فهم يرونه في تعاملهم شبه اليومي مع هيئة القوى العاملة عند استصدار فيزا لعامل أو تجديد إقامة عامل آخر. أما الرخصة التجارية فاستخراجها قد يستغرق شهراً لكن بعد استصدارها الأولي لن أكون بحاجة لمراجعة وزارة التجارة إلا بعد 4 سنوات عند انتهائها.
44 - اتفاقيات الخدمة العامة اختراع بريطاني، أخرجها وزير الخزانة غوردن براون من قبعته عشية ميزانية 1998، وسرعان ما أصبحت أكثر إصلاحاً تصديراً من بريطانيا من كاليفورنيا إلى ماليزيا مروراً بالبيت الابيض والبنك الدولي الجميع سارع لتبنيها. انه دور الكويت لتطبيقها.
45 - Barber, M., et all. (2011), Deliverology: From Idea to Implementation, McKinsey and Co, Washington, DC
46 - اقرأ ثم طبّق
Davies, H.T.O., Nutley, S.M. and Smith, P.C. (2000), What Works? Evidence-Based Policy and Practice in Public Services, ( Bristol: Policy Press )
47 - Tait, M. A. A. (1988). Value added tax: International practice and problems. International Monetary Fund
48 - Murphy, R (2010) Is VAT regressive and if so why does the IFS deny it ?, Retrieved from www.taxresearch.org.uk.
49 - Miljkovic, Dragan & Rimal, Arbindra. (2008). The impact of socio-economic factors on political instability: A cross-country analysis. The Journal of Socio-Economics. 37. 2454-2463..
50 - Blanco, L and Grier, R. (2009) Long Live Democracy: The Determinants of Political Instability in Latin America. Pepperdine University, School of Public Policy Working Papers. Paper 33.
51 - Alesina, A, and Perotti, R ( 1996). Income distribution, political instability, and investment. European Economic Review 40(6): 1203-1228.
52 - “Tax Policy Reforms in the GCC Countries: Now and How?” (2015) IMF. Retrieved from https://www.imf.org/external/np/pp/eng/2015/111015.pdf.
53 - المصدر السابق.
54 - التأجير في السكن الخاص في ما فوق الشقتين لكل وحدة سكنية ممنوع قانوناً ويراه البعض استغلالاً لوضع قائم لكن يجب علينا الاعتراف بأن هؤلاء المطورين العقاريين يقدمون خدمة لسوق يحتاجها، أين سيذهب هؤلاء الآلاف من الشباب الذين يسكنون في هذه الشقق ؟ لاعتبارات اجتماعية هؤلاء الشباب لا يحبذون السكن في مناطق استثمارية. طبق القانون وستخلق أزمة اجتماعية من جهه وارتفاعاً جديداً في إيجارات مناطق السكن الخاص لقلة المعروض من جهة ثانية، لكن تطبيقك لضريبة على هذا القطاع سيجعلك تشاركه أرباحه في صورة إيرادات ضريبية من جانب، ومن جانب آخر تستطيع دائماً التحكم بالمعروض عبر رفع أو خفض تعرفة الضريبة.
أولاً هي تتحكم في شكل وآلية توصيل الخدمات الحكومية للمواطنين، وثانياً هي صاحب العمل الرئيسي في الاقتصاد (أكثر من 80 في المئة من الكويتيين يعملون في القطاع الحكومي)، أما ثالثاً، فعليها يقع عبء التنفيذ العملي للسياسات الحكومية العليا.
هنا، علينا استيعاب أن سوء الخدمات الحكومية العامة هو السبب الرئيس للسخط الشعبي العام على السلطة، ثم كون البيروقراطية الحكومية هي رب العمل الرئيسي يفتح مجالاً إضافياً للنقمة الشعبية على السلطة، حين يبدأ الموظفون - المواطنون في الإحساس بالظلم في الترقيات والعلاوات.
معنى ذلك أن أولوية إصلاح هذا القطاع مقدمة على ما سواها، ليس فقط لجدواها الاقتصادية والإصلاحية، لكن أيضاً لدورها في تحقيق الاستقرار السياسي المرجو.
سأحاول التصويب على أهداف 3 سأزعم جوهريتها في إعادة هيكلة الدولة - المجتمع، أولاً لابدّ من العمل على رفع مستوى جودة الخدمات الحكومية المقدمة للجمهور، ثانياً في مواجهة عجز مالي آخذ في التصاعد، علينا تقليل الهدر المالي الحكومي، ثالثاً، سنوجد نظاماً عادلاً للترقيات والعلاوات الحكومية، يضمن ليس فقط العدالة الاجتماعية لكن يسهم أيضاً في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ما سيؤدي مرة أخرى لرفع مستوى الخدمات الحكومية.
لتحسين الخدمات الحكومية، الخطوات الآتية مطلوبة، أولاً التحول إلى شكل كامل من الحكومة الالكترونية، وتقديم الخدمات الحكومية عبرها بالكامل، ثانياً معالجة كنز الداتا لدى الجهات الحكومية لاستخدامه في تحسين مستوى الخدمات المستقبلية، ثالثاً على غرار التجربة البريطانية أقترح اتفاقيات خدمة عامة
(Public Service Agreements) تحدد أهداف وغايات الحكومة لفترة 3 سنوات مقبلة.
أولاً - رقمنة الحكومة ستُبسط الخدمات التي تقدمها للجمهور، وتُوفر المال، وتُعزز جودة حياة المواطنين في نفس الوقت (40)، حتى الفساد ستجده ينخفض بنسب أكبر مما تتصور (41)، أما إذا كان همك الأساسي هو عجز الميزانية فلا أفضل من الرقمنة «كسائق اقتصادي رئيسي الدور في تسريع النمو الاقتصادي وخلق المزيد من الوظائف» (42) الخطوة الأولى هنا أن تبدأ بالتركيز على رقمنة عدد بسيط من الخدمات التي عليها الكثير من الطلب ثم تأخذ في التوسع في خدمات إضافية، كون الحكومة توفر آلاف الخدمات عليها تحديد أولوياتها الرقمية بما يتماشى مع أهدافها الاستراتيجية الكبرى (43)، مع التوقيع الالكتروني الجديد كأداة تعريفية لا خدمة حكومية بعيدة عن الرقمنة، علينا الحرص على أن تكون تجربة المستخدم في هذه الخدمات سهلة وميسرة، الربط الآلي بين الجهات الحكومية ضروري أولاً.
على الهدف أن يكون خلق بيروقراطية رقمية بالكامل: لا مراجعات لدائرة حكومية بعد اليوم، لو تفكر بما أقول قليلاً وتستحضر تجارب الدول الأخرى ستكتشف أن حتى أصعب الخدمات أو المعاملات الحكومية قابلة للرقمنة: نقل ملكية العقار (في سنغافورة ينقلونها أونلاين)، نقل ملكية مركبة (الإيرلنديون ينقلونها أونلاين) دفع الضرائب (النرويجيون يدفعونها أونلاين) طلب وتسلم معونات اجتماعية (الاميركيون يطلبونها ويتسلمونها أونلاين) أما أستونيا ذلك البلد الصغير في شمال أوروبا بعدد سكان أقل من الكويت، فاستطاع تحويل نفسه لأكثر دولة متقدمة في مجال الخدمات الالكترونية الحكومية (حتى فتح حساب بنكي، العملية الأكثر صعوبة في أوروبا يتم أونلاين).
ثانياً - بعد تقديم الخدمات الحكومية «أونلاين» نأتي إلى محاولة تحسينها باستخدام «البيانات الضخمة» كمزود للخدمة فإن لدى الحكومة كنزا من هذه البيانات يغطي كل ما يخطر، وما لا يخطر ببالك. عالج الداتا المتوفرة باستخدام تكنيكات مثل التنبؤات التحليلية (Predictive Analytics) وتحليلات سلوك المراجع (Consumer Behaviors Analysis) وستستطيع تحسين الكثير من الخدمات.
التنبؤات التحليلة تجعلك تستخدم الداتا التاريخية للبحث عن الأنماط وتحديد الميول التي يمكن استخدامها لإعادة تنظيم الخدمات التي تقدمها وتوقع الاحتياجات المستقبلية، ومنع الأزمات قبل وقوعها. لم تفهم شيئاً؟ توقّعت ذلك، سأعتمد على الأمثلة للتوضيح أكثر.
بالاعتماد على البيانات التاريخية نستطيع استباقياً التنبؤ بعدد المراجعين لمركز خدمة حكومي في يوم ما، وبالتالي نستطيع زيادة عدد موظفي الخدمة في ذلك اليوم أو تقليلهم حسب الحاجة، مثلاً كل صيف تتكرر ذات الأزمة في تجديد جوازات السفر، وقلة المتوافر من الجوازات الخام، لكن أبسط «خوارزمية» (Algorithm) ستخبرك بالضبط كم جواز ستحتاج إعداده في أي شهر من السنة.
أهمية مثل هذه التنبؤات ترتفع إذا طبقنا ذات التكنيك في القطاع الصحي، ورفعنا أو خفضنا عدد الأطباء المناوبين في مستشفى ما بناء على عدد المرضى المتوقع دخولهم ذلك اليوم، هذا كله يدخل في باب تحسين الخدمات الحكومية، وتقليل فترات الانتظار للمراجعين. على المدى البعيد في المدارس نستطيع التنبؤ بأكثر الطلبة المرشحين للفشل الدراسي، وربما تخصيص مزيد من الجهد لهم. دائما يحاول الاطباء توقع الأزمات القلبية لمرضاهم وينجحون في ذلك بنسبة 30 في المئة من المرات، لكن استخدام مثل هذه التكنيكات سيرفع هذه النسبة إلى 80 في المئة. هذه تكنيكات مبتكرة للتو بدأت دول العالم المتقدم في تطبيقها فالفرصة سانحة أمام الكويت لتقفز إلى المستقبل كأول دولة شرق أوسطية تعتمد على الداتا لحل مشاكلها.
ثالثاُ - اتفاقيات الخدمة العامة (Public Service Agreements) (44) ستحدد أهداف وغايات الحكومة على المدى القصير. الاتفاقيات ستكون بمثابة تعهدات حكومية بإنجاز أهداف قد تكون صغرى، لكنها ذات عناوين رنانة وتحمل معها تأثيراً مباشراً على جودة حياة المواطنين. مرة أخرى اعتمادك على الداتا كمعيار تبدأ به. الاتفاقيات يستحسن أن تكون على الغرار التالي، سنحسن درجات طلبة المرحلة الثانوية بمقدار 10 في المئة خلال سنتين، سنخفض وقت الانتظار في العيادات الخارجية إلى النصف خلال سنة، سنقلص فترة التقاضي في قضايا الأحوال الشخصية بمقدار 4 أشهر خلال سنتين.
هذه الاتفاقيات هي أدوات طموحة للحكم والإدارة عبرها تستطيع تحسين تحديدك للأوليات، تحفز الوزراء والبيروقراطيين الكبار على العمل عبر تحديد أهداف عليهم الوصول لها، توفر لك آلية تحكم بها على مدى كفاءة أداء «بيروقراطينك» تحدد بها من يستحق الترقية المقبلة، ثم دور هذه الآلة في رفع كفاءة الجهاز البيروقراطي برمته وليس فقط نجاحها في تحقيق أهدافها الصغيرة مثبتاً ومتكرراً.
المفهوم الآخر الذي أريد أن آتي به من بريطانيا هو وحدة رئيس الوزراء للتسليم أو تقديم الخدمات الحكومية (Prime Minister Delivery Unit)، هي وحدة منفصلة مفوضة لاستخدام صلاحيات رئيس الوزراء في التركيز على تحسين النتائج في عدد محدود من الخدمات أو المشاريع ذات الأولوية، إزالة العقبات التي تظهر عندما يكون الإنجاز خارج مساره الصحيح، إضافة لدورها في فرض التعاون بين الجهات الحكومية المختلفة، وإشرافها اللصيق على المشاريع الحيوية (45).
الجانب الآخر من الإصلاح البيروقراطي الذي أريده، سيعمل على إعداد القيادات والموارد البشرية القادرة بالفعل على الإنجاز والعمل. أنا قادرعلى كتابة المجلد خلف المجلد لإصلاح الكويت، لكن طالما لم نر قيادياً يُفصل من عمله الحكومي، أو آخر تُخفض درجته الوظيفية، فلن نرى إصلاحاً في القطاع الحكومي إلا في أحلام ما بعد الغداء.
سأصر على جوهرية مبدأ الثواب والعقاب، به فقط يستقيم «الماندريون» لكن الأهم من العصا والجزرة هو تطبيق العدالة الاجتماعية على موظفي القطاع الحكومي، حيث يعمل أكثر من 80 في المئة من الكويتيين، والأهم أيضاً من تطبيق هذه العدالة الاجتماعية، هو أن يشعر هؤلاء الموظفون - المواطنون بتطبيقها، كما أن إصلاح البيروقراطية يستدعي الاختيار الصحيح للقيادات الحكومية.
سأقترح وأقرأ جيداً الاصلاحات الآتية: إذ جردنا ديوان الخدمة المدنية من صلاحياته بوقفنا لأغلب التوظيف الحكومي (راجع القسم الأول من هذه الدراسة) فسنوجد له دوراً مركزياً في تقييم موظفي القطاع الحكومي، إذاً ننقل لديوان الخدمة المدنية كجهة أفترض حيادتها صلاحيات تقييم وترقية ونقل وعقاب موظفيي الوزارات بدلاً من جعلهم عرضة لأهواء ومزاجات المسؤول المباشر أو الوزير، لكن هذا يستدعي شكلاً جديداً لطريقة التقييم يربطه بالإنتاجية والأداء السابق. سنحتاج معايير محددة تسجل الإنتاجية حسابياً. أقترح أن شيئاً مماثلاً لنظام تقييم بيروقراطية هونغ كونغ سيكون مناسباً للكويت، الهدف سيكون ليس فقط ضمان حيادية هذا التقييم، ولكن نجاحه في دفع وتحفيز الموظفين على رفع مستويات أدائهم. أما آلية اختيار الوظائف الإشرافية فيجب فتحها للمنافسة أيضاً تحت مظلة ديوان الخدمة المدنية. ملف إنجازي لكل موظف يسطر به ما يعتقد أنها إنجازاته (مرة أخرى علينا استخدام الداتا: أنا مهندس أشرفت على كذا مشروع، ونجحت في إنهائهم ضمن الإطار الزمني بلا عقبات، أنا دكتور نجحت في إجراء كذا عملية بلا مضاعفات، أنا رئيس قسم أدرت هذا المركز، ونجحت بتحسينه في كذا وكذا وكذا) سيوفر لك هذا الأمر آلية للمفاضلة والاختيار العلمي، لكني سأزعم أن لا إصلاح فعلياً من دون تقليل صلاحيات الوزراء في التعيين والنقل والترقيات، ونقل هذه الصلاحيات للبيروقراطية الحكومية التي ستكون دوماً خاضعة لسلطان، وأحكام ديوان الخدمة المدنية التي أطمح لمزيد من التوسيع في صلاحياته، تقليلاً للضغوط السياسية على الوزراء.
ثم حتى إذا استثقلت هذا النقل للصلاحيات إلى ديوان الخدمة المدنية على الأقل، أعط الديوان حق النظر في تظلمات الموظفين وفرض قراراته، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل مخالفات إدارية على الجهة المعنية.
مصدر صداع مزمن للقطاع الحكومي هو في نظام الإجازات المرضية الذي يدفع الموظفين دفعاً للتسيب. تغييره السريع سيكون مطلوباً لرفع الإنتاجية، حالياً أول 15 يوماً في السنة هي إجازة مرضية مدفوعة، ثاني 15 يوماً تكلف الموظف نصف راتب اليوم، ثالث 15 يوماً تكلفه 75 في المئة من راتب اليوم، مع نظام كهذا لا أحد يستطيع لوم الموظفين على محاولاتهم التلاعب به، فالنظام يغريهم بهذا.
للإصلاح سأقترح تخفيض الإجازات المرضية المدفوعة إلى 10 أيام بالسنة، بعدها يتحمل «الموظف المريض» الكلفة كاملة بخصم كامل راتب اليوم، وفجأة سيتعافى الكويتيون، لا مانع من إبقاء النظام الحالي في حالة دخول الموظف المستشفى، يجب علينا ملاحظة أن حتى هذا الاقتراح سخي للغاية، مقارنة مع المعدلات العالمية للإجازات الطبية (في بريطانيا، وأميركا يأخذ الموظفون أقل من 5 أيام من الإجازات الطبية في السنة لا أكثر).
وقف التعينات البراشوتية من خارج السلم البيروقراطي جميعنا يتفق عليه، لكن لا مانع من أن يأتي الوزير بطاقمه الإداري شريطة أن يذهبوا معه أيضاً، لكن هنا عقبة تستوجب الحل، كيف ستدمج هؤلاء بالسلم الإداري الوزاري؟ إذا كنا نتحدث عن شخصيات ذات أوزان ثقيلة (لا تخدع نفسك للإصلاح هذا ما ستحتاجه) فالتأكيد واجب على رفضهم لتعيينات صورية بلا صلاحيات حقيقية كمستشارين في مكتب الوزير، الأفضل استحداث مناصب بيروقراطية موقتة لهم ترتبط ببقاء الوزير في منصبه (كما في بريطانيا).
كذلك التجارب التاريخية في العالم المتقدم أثبتت جدوى تطعيم السلم البيروقراطي بقيادات من القطاع الخاص، ثقافة القطاع الخاص الديناميكية المهوسة دائماً ليس فقط بالإنجاز، ولكن بسرعته هي المطلوب حقنها في بيئة القطاع الحكومي الخاملة المشغولة دائماً بشكل سير العمليات والإجراءات (Process) بدلاً من النتائج (Outcome).
هؤلاء القيادات سيعوضون نقصاً مزمناً طالما عانى منه القطاع الحكومي العاجز عن التطوير الذاتي لمهارات مثل (Project Management) و(Customer Service) و(Contracts Management)، الأفضل إدخالهم في منتصف السلم في مستوى المديرين، الشفافية مطلوبة في آلية وشكل الاختيار الذي يجب أن يكون مفتوحاً للكل.
الأهم من هذا كله، الاعتراف أننا دولة عالم ثالث، وماذا تحتاج دول العالم الثالث؟ تحتاج خبرات أجنبية متطورة، إذاً يجب الاستعانة بمستشارين أجانب. أحضرهم من سنغافورة أو بريطانيا أو اسكندنافيا لكن تأكد أن الشيب يملأ رؤوسهم ثم وزعهم على وزارات الدولة، إذا لم نركن نصائحهم على الرف كالعادة فصدقني سيستحقون ضعف كل دينار يأخذونه.
لا يقل أهمية عن هذا كله هو وجود نظام متكامل لمراقبة جودة الخدمات المقدمة للجمهور (المصدر الأساسي لنقمة المواطنين على الجهاز التنفيذي برمته) سأقترح «برنامج متسوق خفي» يعطينا تقيمات دورية عن مستوى أداء الموظفين والجهات الحكومية (برامج شبيهة مطبقة بنتائج ممتازة في بريطانيا منذ 2011، وفي دبي منذ 2013)
لكن المطلوب من البيروقراطية الكويتية لا يقتصر على إنجاز مشاريع أو تقديم خدمات حكومية، فطبيعة النظام السياسي الذي سيأتي دوماً بوزراء أغلبهم مستقلون بلا أجندات أو برامج عمل مسبقة سيفرض على هذه البيروقراطية أن تتحول إلى آلة لصنع السياسات (Policy Making)، دعني أخبرك أفضل بيروقراطية هي البطيئة في صنع السياسات لكن السريعة في تطبيقها، ستحتاج للتأني في صنع السياسات والتوجهات الجديدة، لا مانع دوما من الاستعانة بذوي الاختصاص من الجمهور وأصحاب الشأن أثناء صنع أي سياسة
(Public Consultation)، قبل النظر في أي سياسة أبحث عن الأدلة التي تدعم أي خيار تنوي اتخاذه،
فـ (Evidence – Based Policy Making) هي الطريق إلى الأمام (46)، ثم أي سياسة جديدة تتدارسها يجب بحثها من وجهة نظر مالية لتحديد تكلفتها على الميزانية أولاً و(Value for money) ثانياً.
الإصلاح الضرائبي
رغم كل ما سطرناه حتى الآن سيبقى السؤال قائماً: من أين سنأتي بالإيرادات الكافية لتغطية العجز المتصاعد في الميزانية؟ صحيح قلصنا حجم العبء التوظيفي في القطاع العام مع ما يلحقه ذلك من التزامات مالية على ميزانية الدولة، وصحيح نجحنا في بيان خارطة طريق لتنويع مصادر الدخل، وتغيير هيكلية الاقتصاد، ثم أصلحنا التعليم والبيروقراطية الحكومية، لكن هذا كله لن يغير من المعادلة شيئاً. في المستقبل المنظور ستبقى كفة إيرادات الخزينة أخف من مصروفاتها، هذا يجعل للسلطة خيار وحيد هو فرض الضرائب.
المدخل إلى تصميم أي نظام ضرائبي يطمح للكمال والنموذجية هو مراعاة الجوانب الآتية: أولاً الهيكل الضريبي يحتاج أن يكون عادلاً، عدالته الأفقية (Horizontal Equity) يجب أن تضمن أن الأفراد ذوي الدخول والأصول المماثلة يدفعون ذات القدر من الضريبة، إما عدالته العمودية الأكثر أهمية (Vertical Equity) فعليها ضمان أن الضرائب المدفوعة من الأفراد والشركات تزداد بزيادة مقدار ما يكسبونه من دخل. جوهر العدالة العمودية أن أولئك الذين لديهم دخل أعلى أو ثروة أكبر عليهم أن يكونوا المساهمين الأساسيين في دعم أصحاب الدخول المنخفضة.
ثانياً، حيادية الضريبة (Tax Neutrality) تستدعى هيكلاص ضريبياً لا يدفع دافعيها إلى تغيير اختياراتهم الاقتصادية فقط لتجنب هذه الضريبة، أنت لا تريد ضريبة مثبطة للاستثمار أوالادخار. بساطة ويقينية الهيكل الضريبي.
ثالثا، الضريبة المثلى (Optimal Tax) هي تلك التي يعلم الجميع مسبقاً طريقة حسابها وجبايتها، موعد استحقاقها، طريقة دفعها، وعقوبة التخلف عن سدادها عند تصميم الضريبة المثلى علينا أولاً حساب.
باعتبار الجوانب السابقة سأقترح نموذجاً لهيكل ضريبي يدعي العدالة الاجتماعية، ولا يشكل في ذات الوقت معوقاً امام الاستثمار.
أولاً لن أضيع الكثير من الوقت في تسخيف كل الآراء الداعية إلى فرض ضريبة القيمة المضافة المقترحة في 2018. الحجة ستأتي بعد الحجة وجميعها ستدفع ضد فرض مثل هذه الضريبة في الكويت لكني سأدعو لشكل انتقائي منها على شكل «ضريبة خطيئة» (Sin Tax)، لن أتوقف هنا، فثانياً سأذهب مباشرة لاقتراح نموذج ضرائبي سنتفق جميعاً على انه الأفضل لنا، ضريبة أعمال وشركات تجارية ستكون الأولى في التطبيق وهدفها الأساسي لا يتوقف عند زيادة الإيرادات فقط، بل يذهب لضمان الاستقرار السياسي للدولة والنظام.
في بلد الفقاعة العقارية لم يخطر على بال أحد فرض ضريبة عقارية، لكني سأفصل في ضرورتها وشكلها، ثالثاً سيكون هدف الضرائب على رواتب موظفي القطاع الخاص السابق ذكرها (Payroll Tax) هو دفع هذا القطاع إلى التكويت السريع لوظائفه.
اقتصادياً ضريبة القيمة المضافة هي مثال نموذجي «للضريبة الرجعية» (Regressive tax) (47) حيث تأخذ الضريبة نسبة أكبر من دخل أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة عن ما تأخذه من دخل البرجوازية العليا، جلّ العبء الضريبي للقيمة المضافة سيثقل كاهل الطبقتين الوسطى والوسطى - الدنيا، تفسير ذلك أنها ضريبة على الاستهلاك وأصحاب الدخل المتوسط أو الضعيف يجنحون اضطراراً لإنفاق أغلب دخلهم على الاستهلاك اليومي بينما أصحاب الدخل العالي لعلو دخلهم يستطيعون التوفير، وليسوا في حاجة إلا لصرف جزء من دخلهم فلا يضطرون لدفع هذه الضريبة، لذلك يتفق الاقتصاديون على ضررها على العدالة الاجتماعية، وعلى التفاوت الاقتصادي داخل المجتمع (Income Inequality)، الدراسات العالمية في أكثر من دولة وجدت النمط ذاته، مثلاُ هذه الضريبة غير العادلة تأخذ 12 في المئة من دخل أفقر 20 في المئة من العوائل البريطانية، لكنها تكتفي بأخذ 5.9 في المئة من دخل أثرى أثرياء بريطانيا (48). هل هذه عدالة بنظرك؟ لماذا تريد ضرراً مماثلاً للكويتيين؟ النتيجة المباشرة التي نتوقعها من هكذا ضريبة هي مزيد من التفاوت الاقتصادي في دخل الكويتيين، سيقترب «معامل جيني» من الواحد وسننجح أخيراً في تحويل المجتمع الكويتي إلى طبقات متفاوتة الدخل.
بكل جرأءة سأذهب الى القول إن حتى ضريبة دخل مباشرة شريطة تصاعديتها ستكون أكثر عدالة. ثم لحظة، لحظة، لماذا الحديث عن هذه الضريبة كأنها خيار حقيقي أو ممكنة سياسياً؟ قليلاً من الواقعية السياسية ستكون مقدرة كثيراً، فخلافاً لدول الخليح الأخرى، فإن شكل أي نظام ضرائبي سيحتاج المرور عبر بوابة مجلس الأمة، طبيعة الديمقراطية الريعية الكويتية ستخبرك أن المستحيل أقرب لك من نجاحك في تمرير ضرائب على الناخبين، السياسة في الأخير هي فن الممكن، وهذا غير ممكن لكني سأمضي معك لآخر الطريق، فحتى افتراض نجاح السلطة في فرض هذه الضريبة لا يجب إلا أن يجعلها تفكر ملياً وجدياً في كلفتها على الاستقرار السياسي على المدى البعيد. فمنذ أن قرر لويس السادس عشر بحماقة أن يفرض الضرائب على الطبقة الثالثة، والحكمة التقليدية تحذر الحكام من مغبة التهور في إجراء ضرائبي جديد، مراجعة «لللتر تشر ريفيولا» ترجع إلا لتؤكد حكمة هذه الحكمة فالاستقرار السياسي دوماً مرهون بعوامله الاقتصادية. نتفق أولاً أن أي أجراء ضرائبي جديد خصوصاً في ظل موازين القوى السياسي - اجتماعية الحالية، سيؤثر سلباً على توزيع الدخل ومستواه للفرد العادي، وسيزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، هذا منطقي جداً، فأي ضريبة على الاستهلاك، بدلا من استهداف الإنتاج ستضرب أكثر ما تضرب الطبقة الوسطى، بينما يستمر تراكم الثروة لدى البرجوازيا العليا، لكن إياك أن تظن أن هذا كله لن يكون له تأثير لاحق على الاستقرار السياسي، الأدلة تجزم أمبريقياً على هذا «فالعوامل الاقتصادية لها تأثير مباشر على الاستقرار السياسي كما وجدت دراسة قديمة فحصت 122 دولة في فترة 1960 - 1988، (49) وأول هذه العوامل كانت العبث بدخل الافراد، ثم عدم المساواة في توزيع الدخل (Income Inequality) ثُبت دورها المهم وارتباطها غير المستقيم في هز الاستقرار السياسي بدراسة 18 دولة لاتينية في فترة 1971-2000 (50) ثم دراسة أخرى لـ 71 دولة في فترة 1960-1985 لم تصل إلا لذات العلاقة (51).
لكن دعنا ننسى هذا كله، وندعي خصوصية كويتية بعيداً عن لويس السادس عشر. دعنا لنتحدث اقتصادياً لا اجتماعياً ولا سياسياً، ما الذي نطمح إليه من وراء فرض هذه الضريبة؟ هل مقدارها السنوي سيسوغ كل رأس المال السياسي الذي ستنفقه في سبيل اقرارها؟ لا تأمل كثيراً، محاكاة اقتصادية لصندوق النقد الدولي تتوقع لإيرادات ضريبة القيمة المضافة في الكويت أن تكون بين 0.8 و1.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (52) متوسط ذلك في 2016، سيعني أن حجم هذه الضريبة سيكون نحو 350 مليون دينار سنوياً، آراه مبلغاً تافةاً مقارنة مع عجز 2015/2016 الواقف عند 5.5 مليار دينار، لتستنزف رأسمالك السياسي، وتتحمل تكلفتها الاجتماعية.
ثم صندوق النقد الدولي يأتي بمفاجأة غير سارة مع هذه المحاكاة فيتوقع أثراً تضخمياً لهذه الضريبة بين 3.6 في المئة و3.9، ثم أنه يعود ويحذر من أن الآثار التضخمية لهذه الضريبة قد تكون أعلى من هذا بكثير لاستغلال التجار مناسبة فرضها لرفع هوامشهم الربحية (53)، ثم حتى إذا قرر تجار الكويت مفاجئتنا وعدم استغلال الفرصة لرفع الأسعار، فإن الأثر التضخمي لهذه الضريبة لوحده مجموعاً مع معدل التضخم العالي في الكويت أصلاً (3.5 في المئة خلال 2016) سيرفع التضخم إلى 7.5 في المئة وما فوق، هذا التضخم سيكون مؤلماً كثيراً للطبقة الوسطى، وسيأكل المزيد من قوتها الشرائية المتضائلة أصلاً (تذكر أن الدينار خاسر لأكثر من 14 في المئة من قيمته أمام الدولار في السنوات القليلة الماضية).
مقاربة أفضل لهذه الضريبة هي في توجيهها لكبح نمط الإنفاق الاستهلاكي، فنحصرها«كضريبة خطيئة على بعض السلع الكمالية، لا توقفها عند مشروبات الطاقة أوالسجائر بل الأوجب شمولها فوق ثمن محدد للسيارات والمجوهرات والساعات الثمينة وحتى الملابس وربما المطاعم والسفر أيضاً، للمحافظة على عدالة الضريبة لا تنس أن تجعلها تصاعدية ترتفع نسبتها بارتفاع قيمة السلعة ثم عناية إضافية ينبغي توجيهها ساعة اختيار العتبة السعرية التي تبدأ منها هذه الضريبة على كل نوع من أنواع السلع».
هذه ضريبة أكثرعدالة أجتماعياً يدفعها كل مستهلك حسب معدل وطبيعة إنفاقه، ثم هي ضريبة اختيارية لا إلزامية، سيختار المستهلك دفعها إذا قرر الاستمرار في نمط استهلاكه المفرط، مثلاً لن يدفعها المستهلك إذا اختار شراء مركبة بثمانية آلاف، لكنه سيدفعها إذا قرر شراء أخرى بـ 15 ألفاً، وسيدفعها مضاعفة إذا ذهب لشراء تلك ذات الـ 25 ألفاً، كما أن هذه الضريبة لن تجمع إيرادات لخزينة الدولة، فحسب بل من يعلم لعلها تنجح في تغيير نمط الإنفاق الاستهلاكي لدى المستهلك، نحو مزيد من الادخار الضروري للنمو الاقتصادي.
لكن الطريق للأمام هو عبر ضريبة أعمال على الشركات لا أقل، هي الوحيدة التي ستكون مع تصميم جيد ضريبة تقدمية كما نريد (Progressive Tax) مؤاءمتها السياسية أسهل بكثير، فالمواطن الناخب العادي من جهة سيرحب بضريبة على ما اعتبره دوماً جشع تجار من دون أن يعي أن في الجهة الأخرى كلفة هذه الضريبة ستنتقل إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى، هذا يجعل قبولها من لوبي التجار ذي النفوذ الواسع ممكن.
جدواها الاقتصادية تحتاج لبحث عميق، عوائدها السنوية ستكون مغرية، مثلا متوسط دخل ضرائب الشركات في دول منظمة التعاون الدولي يقف عند 2.8 في المئة من التاتج المحلي الإجمالي في هذه الدول، افتراض نجاحنا في جباية ذات الدخل (وهو افتراض لا يخلو من الجرأة إذا استحضرنا أن القطاع الخاص في الكويت أصغر حجماً بكثير من مثيله في هذه الدول) يعني جمعاً لنحو 900 مليون دينار سنوياً. لا تجعل تعرفتها أكثر من 7 في المئة وعموماً هذا معدل تعرفة ليس بعيداً عن متوسط تعرفة الضريبة الفعلية (Effective Tax Rate) في دول مجموعة العشرين (وعلى وجه الخصوص الدول النامية في هذه المجموعة)، تطبيقها يواجه بعقبتين، أولاً أنت تريد دوراً أكبر للمشاريع الصغيرة وتشجيع الشباب على العمل الحر، لكن كيف يستقيم هذا مع فرض ضريبة تأكل من أرباحهم؟ لا أحبذ إعطاء إعفاءات ضريبية لا تستطيع إزالتها مستقبلاً، فأفضل إعطاءهم اعتمادات ضريبية (Tax Credits) لأول أربع سنوات تشغيل.
العقبة الآخرى تكمن في الاتحاد الجمركي الخليجي، صحيح النظريات تذهب أن كلما كبر حجم السوق زادت فرص النمو الاقتصادي، لكن هذا لا ينطبق على حالتنا الواقعية، إذ إن فرضنا لوحدنا لضريبة أعمال خليجياً سيضع منتجات الشركات المحلية في منافسة غير عادلة عندما تغرق الشركات الخليجية منتجاتها في السوق المحلية من دون الحاجة لدفع ضرائب محلية. لا أريد أن أبدو حمائياً (Protectionist) لكن هذا يجعل الكويت الخاسر الأكبر فحتى إذا فرضنا ضرائب على الشركات الخليجية ساعة دخولها الكويت، فهذا لن يمنع انخفاض تنافسية الشركات الكويتية عندما تدخل الاسواق الخليجية الأخرى فقط، لتكتشف أنها لوحدها مضطرة لدفع ضرائب في الكويت.
لكن المعضلة الأكبر هو انك واقعياً لا تستطيع فرض ضريبة شركات من دون أن تفرض ضريبة أعمال أيضاً، فالذهاب إلى فرض ضريبة شركات لوحدها يعني عملياً هروب رؤوس الأموال إلى العقار أو الودائع المصرفية، عندها لن تخسر إيرادات ضرائبية فحسب، بل ستحتاج لأن تتعامل مع الانكماش الاقتصادي الناتج من هذا الهروب.
لعل من الأفضل للضريبة أن تكون ضريبة أعمال لتشمل أرباح الاسثتمارات والأسهم والودائع المصرفية كما أرباح المهنيين من محامين ومهندسين وأطباء، ثم التصاعدية في تطبيقها لربما ينجح في إخفاء آثارها التضخمية، لنبدأها من 3 في المئة فقط لترتفع بعد 5 سنوات إلى 5 في المئة، ثم تصل بعد 10 سنوات إلى 7 في المئة، ثم إذا أتينا للحديث عن القطاع العقاري المهيمن فعلياً على الاقتصاد الكويتي، فسأمضي وأقترح ضرائب عقارية أهدافها لا تتوقف عند جمع إيرادات ضرائبية، فحسب بل ستذهب أيضاً إلى إعادة التوازن الى السوق العقاري الذي يأتينا كل دورة اقتصادية بفقاعة عقارية جديدة، ثم إذ أعلم القيمة الرمزية لأهمية امتلاك مسكن خاص كحاجة أساسية أكثر التصاقاً بحياة الناس فلن أتركه كساحة لعب حيث يصنع المقامرون ثرواتهم على حساب الطبقة الوسطى. الحل في مزيد من الضرائب الموجهة، أولاً إعادة النظر في رسوم التسجيل العقاري البالغة 0.5 في المئة واجبة. استثن منها المشتري لأول مرة في القطاع السكني، وأغلبهم شباب يستحقون الدعم، ثم ارفعها تصاعدياً حسب قيمة الصفقة العقارية ولا تتوقف إلا عند 10 في المئة. لا حل إلا بالتعرفة التصاعدية فمن غير المعقول أن تتساوى تعرفة رسم تسجيل أرض سكنية صغيرة القيمة والمساحة مع رسم تسجيل مجمع تجاري، ثم رفع رسوم التسجيل العقاري هي الخطوة الأولى لوقف المزيد من التضخم العقاري وخذها مني كل تضخم محمود إلا في سلعة جامدة كالعقار.
ضريبة على الإيجارات العقارية هي الضريبة الثانية، لكن كون الاستثمار العقاري أكثر أماناً للمستثمر وأقل تنشيطاً للاقتصاد يستدعى تعرفة تفوق تعرفة ضريبة الشركات أو الاعمال المقترحة. هذا الحل الوحيد لدفع رؤوس الأموال الخائفة إلى نشاطات محركة أكثر للدورة الاقتصادية. سنحتاج لجعل تعرفتها أعلى بـ 30 في المئة على الأقل من ضريبة الأعمال (أي 9 - 9.5 في المئة من الإيجارات السنوية).
لا ننسى أن نشمل الإيجارات في السكن الخاص في كل هذه الضرائب لأن غير هذا ستخلق فقاعة جديدة في السكن الخاص لا نريدها حينما تهرب رؤوس الأموال لها (54) ضريبة 2010 على الأراضي الفضاء جيدة لكن يجب تعديل القانون لإلزام الملاك بسدادها سنوياً.
هوامش
40 - Digital by default: A guide to transforming government (2016). Mckinsey Center for
Government. Retrieved from www.mckinsey.com.
41 - Andersen T. B. (2009). E-Government as an anticorruption strategy. Information Economics and Policy, 2009,No. 21, pp. 201-210.
42 - Sabbagh, Karim et all (2013) digitization for economic growth and jobs creation regional and industry.Booz and Company.
43 - قصور النظر الحكومي المعتاد جعل أولى الخدمات المرقمنة نسبياً هي خدمة تأسيس الشركات، الآن قل لي كم شركة ستؤسس طوال حياتك؟ واحدة؟ اثنتان؟ ربما ثلاث إذا حالفك الحظ، لكن في المقابل كم مرة ستضطر لمراجعة الجهات الحكومية لتجديد وإصدار وثائق عائلتك الرسمية أو إصدار تأشيرة عامل أو طلب موعد لمقابلة دكتور أو أخذ موعد أشعة طبية. إذاً الواجب تحديد الأولويات وتركيز الجهود على الخدمات التي يستخدمها أكثر عدد ممكن من المواطنين.
حتى إذا آمنا أن الحكومة كانت تلاحق هدفاً استراتيجياً كبيراً عندما ارتأت البدء في رقمنة الخدمات المقدمة للشركات رغبة منها في تسهيل بيئة الاعمال، ألا ترون سذاجة البدء في تسهيل استصدار رخصة تجارية؟
سأفسر ما أقول ولن أختصر. قد يكون استخراج الرخصة الجارية عملاً مرهقاً ومكلفاً للوقت، لكنها ليست مصدر القلق الرئيسي لقطاع الأعمال فهم يرونه في تعاملهم شبه اليومي مع هيئة القوى العاملة عند استصدار فيزا لعامل أو تجديد إقامة عامل آخر. أما الرخصة التجارية فاستخراجها قد يستغرق شهراً لكن بعد استصدارها الأولي لن أكون بحاجة لمراجعة وزارة التجارة إلا بعد 4 سنوات عند انتهائها.
44 - اتفاقيات الخدمة العامة اختراع بريطاني، أخرجها وزير الخزانة غوردن براون من قبعته عشية ميزانية 1998، وسرعان ما أصبحت أكثر إصلاحاً تصديراً من بريطانيا من كاليفورنيا إلى ماليزيا مروراً بالبيت الابيض والبنك الدولي الجميع سارع لتبنيها. انه دور الكويت لتطبيقها.
45 - Barber, M., et all. (2011), Deliverology: From Idea to Implementation, McKinsey and Co, Washington, DC
46 - اقرأ ثم طبّق
Davies, H.T.O., Nutley, S.M. and Smith, P.C. (2000), What Works? Evidence-Based Policy and Practice in Public Services, ( Bristol: Policy Press )
47 - Tait, M. A. A. (1988). Value added tax: International practice and problems. International Monetary Fund
48 - Murphy, R (2010) Is VAT regressive and if so why does the IFS deny it ?, Retrieved from www.taxresearch.org.uk.
49 - Miljkovic, Dragan & Rimal, Arbindra. (2008). The impact of socio-economic factors on political instability: A cross-country analysis. The Journal of Socio-Economics. 37. 2454-2463..
50 - Blanco, L and Grier, R. (2009) Long Live Democracy: The Determinants of Political Instability in Latin America. Pepperdine University, School of Public Policy Working Papers. Paper 33.
51 - Alesina, A, and Perotti, R ( 1996). Income distribution, political instability, and investment. European Economic Review 40(6): 1203-1228.
52 - “Tax Policy Reforms in the GCC Countries: Now and How?” (2015) IMF. Retrieved from https://www.imf.org/external/np/pp/eng/2015/111015.pdf.
53 - المصدر السابق.
54 - التأجير في السكن الخاص في ما فوق الشقتين لكل وحدة سكنية ممنوع قانوناً ويراه البعض استغلالاً لوضع قائم لكن يجب علينا الاعتراف بأن هؤلاء المطورين العقاريين يقدمون خدمة لسوق يحتاجها، أين سيذهب هؤلاء الآلاف من الشباب الذين يسكنون في هذه الشقق ؟ لاعتبارات اجتماعية هؤلاء الشباب لا يحبذون السكن في مناطق استثمارية. طبق القانون وستخلق أزمة اجتماعية من جهه وارتفاعاً جديداً في إيجارات مناطق السكن الخاص لقلة المعروض من جهة ثانية، لكن تطبيقك لضريبة على هذا القطاع سيجعلك تشاركه أرباحه في صورة إيرادات ضريبية من جانب، ومن جانب آخر تستطيع دائماً التحكم بالمعروض عبر رفع أو خفض تعرفة الضريبة.