دراسة / هذا هو النموذج الكويتي للإصلاح (الحلقة الثالثة)

هل نريد الكويت... سوهاج جديدة أم كوبنهاغن الشرق الأوسط؟

تصغير
تكبير
خيارنا كان خاطئاً منذ البداية باللجوء إلى القانون المدني المصري

تطوير القوانين خطوة أولى يليها تسريع إجراءات التقاضي

كل ما سيفعله الرهن العقاري في ظل قلة المعروض هو رفع الأسعار

منع الوافدين من ممارسة التجارة ينبغي أن يكون أولوية قصوى

قطاع السياحة المحلي يستحق أن تبذل الحكومة فيه... مجهوداً
... الحديث الممل ذاته عن جدية الحكومة في حل أزمة السكن لا يغير من الحقيقة شيئاً. علينا فهم جوهرية القيمة المعنوية لامتلاك سكن خاص حتى في أهميته للاستقرار السياسي أو تأثيراته الاجتماعية.

الآن في 2017 هناك ما يقارب 130 ألف طلب إسكاني (100 ألف طلب إسكاني في الجداول الرسمية، إضافة لنحو 30 ألف طلب تم تخصيص أراض لهم على المخطط، ولن يسكنوا قسائمهم قبل 2022 بأفضل سيناريو) ثم إن أفضل أداء سنوي في تاريخ المؤسسة العامة للإسكان كان توزيع 12 ألف قسيمة في 2015 - 2016، يقابل ذلك متوسط نمو سنوي في عدد الطلبات السكانية يقف عند نحو 8 إلى 9 آلاف طلب في السنة.


إذاً إنجاز المؤسسة العامة للإسكان بالكاد يغطي الزيادة السنوية الطبيعية. ذلك يعني أن أفضل سيناريو ممكن أن تراه بعد 5 سنوات من الآن هو أن تنخفض الطلبات الإسكانية من 100 ألف إلى 80 الف طلب عالق في جداول المؤسسة العامة للإسكان، هل تعتبر ذلك حلاً للقضية الإسكانية؟ المعضلة مرة أخرى هي في ندرة المعروض من أراض، وهنا تكمن أهمية ما ندعو اليه من استعجال استصلاح للأراضي عن طريق القطاع الخاص.

لا تستمع لكل تفاهات الرهن العقاري فكل ما سيفعله الرهن العقاري في ظل قلة المعروض هو رفع الأسعار صاروخياً مرة أخرى، هذا مجرد تطبيق عملي مبسط لآلية العرض والطلب. إما إذا كانت النية هي استبدال قرض الحكومة السبعيني ببرنامج رهن عقاري عن طريق البنوك فهذا شيء آخر. صحيح كلفة القروض الإسكانية كبيرة على الدولة لكن في النهاية هي قروض واجبة السداد سيضعها أصغر محاسب كأصول مستردة في الحساب الختامي للدولة، ثم فكر في «الفرصة البديلة» فإذا كانت شهية الساسة مفتوحة لإجراءات جذرية ذات كلفة سياسية كبيرة، أليس من الأفضل توجيهها لنواح أخرى لها مردود ايجابي على ميزانية الدولة (في بالي باب الرواتب) بدلاً من استهداف القروض العقارية التي هي في الأخير أصول للدولة نستطيع استعجال تحصيلها.

معالجة أفضل لكلفة هذه القروض العقارية على ميزانية الدولة يجب أن تكون من خلال رفع قيمة القسط الشهري لتقليل مدة سداد القرض (تصل حالياً إلى 58 سنة لذوي الرواتب الضعيفة، و42 سنة لمتوسط الرواتب في القطاع الحكومي) لن أذهب إلى رفع مباشر لقيمة القسط الشهري كنسبة من الراتب، لكن يجب شمول الدخل الشامل للأسرة عند حساب قيمة القسط (أعني راتب الزوج والزوجة معاً) فبالنهاية القرض العقاري مخصص للأسرة بأكملها، لماذا القاء عبء سداده على الرجل فحسب؟ كما أن قيمة القسط الشهري يجب أن تكون متحركة ارتفاعاً أو انخفاضاً تبعاً لمركز صاحب القرض المالي وتدرجه الوظيفي (حالياً القسط كنسبة 10 في المئة من إجمالي الراتب يحسب مرة واحدة عند طلب القرض دون النظر إلى الارتفاعات اللاحقة على هذا الراتب في 20 - 30 سنة المقبلة) سأقترح إعادة حساب القسط كنسبة من إجمالي دخل الأسرة كل 4 سنوات، ثم لماذا حساب القسط حسب راتب المستفيد وزوجته فحسب؟ الأولى حسابه وفقاً لإجمالي دخل الأسرة، آخذين في الاعتبار أي استثمارات أو أعمال حرة (مع كنز الداتا التي ستوفره الضرائب التي سأقترحها لاحقاً سيكون من السهل تحديد دخل أي شخص).

أرى هذه الإصلاحات وحدها كفيلة بخفض فترة سداد القروض الحكومية إلى 25 سنة على الأقل، وهي فترة السداد القياسية عالمياً، ثم إذا كانت الشهية مفتوحة لإصلاحات جذرية فنستطيع النظر في جعل القرض

(Means Tested) أي حصره على مستحقيه. سنتفق جميعاً أن أغنى 20 في المئة من الكويتيين لا يحتاجون لمساعدة إسكانية، ثم إني أشك فعلياً أنهم سيسكنون المنازل الحكومية التي سيحصلون عليها، ولن يعرضوها للإيجار

(مرة أخرى بكنز الداتا التي توفرها الضريبة سنستطيع معرفة ثروة أي شخص) هكذا بضربة واحدة لا تخلو من العدالة الاجتماعية تخلصت من 20 في المئة من قروضك العقارية، وطلباتك الإسكانية.

إصلاحات أخرى للقطاع العقاري تشمل تصويب وضع العقارات المخالفة في القطاع الاستثماري، بدلاً من التمنّع في إصدار شهادات أوصاف تعيق بيع هذه المخالفات التي تباع بسعر أقل من نظيراتها في السوق. الأفضل للدولة تحصيل الفارق السعري بين الإثنتين على شكل غرامة تحصلها خزينة الدولة، ثم إن هذا أفضل مثبط مستقبلاً لأي صاحب عقار في البناء المخالف عندما ينعدم الحافز المالي.

لأجل خلق سوق يعمل بدلاً من حالة فشل السوق الراهنة (Market Failure) سنحتاج لترديد ما قلناه مسبقاً عن ضرورة أن يكون المستهلك مستنيراً (Informed Consumer) ولا يكون كذلك إلا إذا وضعت بين يديه كافة المعلومات التي تجعله قادراً على القيام بالاختيار الصحيح وفقاً لقناعاته ورغباته. إذاً سنحتاج لإصلاح السجل العقاري بإنشاء سجل عقاري مركزي منشور يوضح قيمة ومواصفات كل صفقة عقارية. بذلك فقط ينتظم سوق العقار، هذا مثال لاستنارة المستهلك لكنها لا يجب أن تتوقف هنا. إصلاح وتنظيم سوق الإيجار العقاري يأتي ثانياً، أولاً سنحتاج لتوثيق رسمي للعقود الإيجارية، وسنتفق أن التسجيل الإلكتروني هو الخيار الأسهل خصوصاً لجهة دفع واستلام الإيجار الشهري، بعدها تستطيع حماية المستأجرين من أي زيادات غير قانونية. الحماية ستغطي أيضاً شراة العقارات الذين كثيراً ما يُفاجأون بمدخول أقل مما توقعوه. سنحقق الشفافية والعدالة في سوق أقل ما يوصف بالفوضوية.

ثانياً، بدلاً من طريق المحاكم الطويل، فإن إنشاء مركز لفض المنازعات الإيجارية هو الطريق للأمام. لا نحتاج إلا قص ولصق لما تفعله دبي. أول ميزة لهكذا نظام هو عدم الحاجة للاستعانة بخدمات محام في ظل إجراءات مبسطة. ثاني المميزات هي سرعة الفصل في النزاعات خلال 75 يوماً. الاقتصاد الحر الذي نسعى لبنائه لا يستقيم مع قانون الإيجار القديم الأقرب للاشتراكية. على القانون الجديد أن يكون أكثر مرونة لناحية حق المالك في الإخلاء عند انتهاء العقد مع إعطاء المستأجر مهلة إخلاء بلا مقابل، عليها أن تكون متناسبة مع فترة إيجاره للوحدة (15 يوماً لكل سنة إيجار تبدو معقولة بدلاً من 6 أشهر حالياً).

فتح المنافسة بين مقدمي الخدمات هو شرط أساسي لعلاج فشل السوق الكويتي في الخدمات المالية احتكار البنوك لحصصها السوقية يجب أن يتوقف، حرية التنقل بين البنوك ونقل القروض هو إجراء طبيعي عالمياً يفتح السوق لمزيد من المنافسة التي لن تصب الا في صالح مزيد من التخفيض في فوائد القروض، ثم إن توحيد سعر الفوائد دون النظر لاعتبارات تاريخ العميل الائتماني يجب أن ينتهي بما يربط سعر الفائدة بمستوى الخطر الائتماني الذي يشكله المقترض. كنز الداتا لدى «الساي نت» يستطيع أن يلعب دوراً في هذا. كذلك للبنك المركزي توجيه أدواته للبنوك لتحجيم الحصص السوقية للتسهيلات الائتمانية التي تذهب إلى سوق العقار المتضخم أصلاً، وتوجيهها لقطاعات منشطة للنمو الاقتصادي، كما للشركات المتوسطة والصغيرة.

آخر الإحصائيات المتوافرة تقول إن حصة الشركات الصغيرة والمتوسطة انخفضت إلى 5.3 في المئة من إجمالي محفظة قروض البنوك في 2016 (33)، معيار كفاية رأس المال يجب أن يعطي وزن مخاطرة أقل وأكثر تفضيلية لتمويل هذه المؤسسات، مقارنة بوزن المخاطر المعياري المعتاد للتمويل التجاري (يجب خفضه من 75 إلى 50 في المئة) لكن هذه خطوة أولوية سأشك بأن يكون لها التأثير الذي نريد. الترغيب لن ينفع هنا كثيراً فسنحتاج إلى نسب إلزامية محددة لحصة قروض الشركات المتوسطة والصغرى من إجمالي محفظة قروض كل بنك محلي (كهدف أولي لنطمح إلى 10 في المئة بعد 4 سنوات. الخزانة البريطانية عملت شيئاً مشابهاً في مشروع ميرلن في 2011)، لكن هذا ليس كل شيء فيجب التوسع في تقديم تسهيلات ائتمانية مصغرة للشركات الصغيرة بالضمان الشخصي لصاحب الرخصة، أين سيهرب إذا تهرب من السداد؟

إذا أتينا للحديث عن الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن دعم المشاريع الشبابية الصغيرة الواجب لعبها لدور أكبر في الاقتصاد خصوصاً لجانب خلقها لفرص عمل سيكون وفقاً للمحاور التالية: ستحتاج لحصر المشاريع الصغيرة والمتوسطة على المشاريع المسجلة في الباب الخامس في نظام التأمينات الاجتماعية (34) ثم خصص حصة من مناقصات الدولة تذهب حصراً للمشاريع الصغيرة لتتنافس في ما بينها (35)، ثم بما أن الحصة الأكبر من مناقصات الدولة هي مناقصات مليارية لا تستطيع الشركات الصغيرة دخولها، فإننا نستطيع إلزام الشركات الفائزة بتلزيم نسبة من مناقصات الباطن للشركات الصغيرة.

لاحظ أن هامش الربح في المناقصات الصغيرة الأقل من 100 ألف كبير جداً (قد يصل إلى 40 في المئة) وهذا لوحده قادر على إبقاء هذه الشركات الصغيرة حية ورابحة.

رغم اختلافي مع نهج الخصخصة إلا أني أرى قطاعات سنستفيد جميعاً من خصخصتها. الجمعيات التعاونية مثلاُ أقترح أن تحتفظ بنشاطها في سوقها الأهم، وهو بيع المواد الغذائية لكن مع خصخصة للدجاج الذي يبيض ذهباً:

المحلات التجارية ذات الحصرية في مناطق السكن الخاص ذات الإنفاق العالي، تخصيص هذه المحلات على الشباب سيخلصك من توظيف 2000 شاب مع أثر ذلك علي الباب الاول في الميزانية (36) (37)، كالعادة لا مانع من التمهل والتجربة في شكل هذه الخصخصة قبل تعميمها، ثم هذا التخصيص لا يجب أن يتوقف عند الجمعيات التعاونية تستطيع أيضاً تعميمه على المجمعات التجارية الخاصة بإلزامها بنسب إشغال محصورة على هذا النوع من الشركات الصغيرة (لا تذهب فوق 10 في المئة).

لكن الأهم هو النظر في شكل الدعم المالي و الاستشاري الذي يقدمه الصندوق الوطني للمشاريع الصغيرة كجهة مكلفة بالصرف من مال عام عليها دائماً النظر بتحفظ وحذر قبل اعتبار أي مشروع لضمان ربحيته، ومن ثم استرجاع هذا المال العام، لكن هذا مقيد لكثير من المشاريع الجديدة والمبتكرة خصوصاً في القطاع التكنولوجي، الآن الصندوق يستثمر في مشاريع شبابية، سيخسر بعضها وسيربح البعض الآخر. مشاريع الخسارة يتحملها المال العام لكنه لا يشارك بربح المشاريع الرابحة، هذا يجعل الصندوق أكثر خجلاً في التمويل، من أين سيعوض خسارته في المشاريع الخاسرة؟ من سيعدل الكفة؟ لاحظ أن لنا سابقة، ففي تسعينات القرن الماضي، وبسبب الاستثمار في مشاريع فاشلة، فإن الشركة الكويتية لتطوير المشاريع الصغيرة سلف الصندوق في تمويل المشاريع الصغيرة أفلست تماماً، ما اقترحه بسيط ومباشر تحويل هذا الصندوق من آلة تمويل كسولة إلى صندوق للرأسمالية المغامرة (Venture Capital)، اقترح دخوله كشريك فاعل في الربح والخسارة، لا ممول فقط. أرباحه من حفنة مشاريع ناجحة ستثير شهيته لمزيد من الاستثمار، ومزيد من المخاطرة التمويلية، ثم لماذا الصندوق يعمل كشريك صامت؟ على الصندوق المفترض خبرة القائمين عليه في تأهيل الشركات الناشئة أن يعزز دوره الاستشاري والتعليمي لشباب يخوضون العمل التجاري للمرة الأولى. إما حكمنا على هذه المشاريع الشبابية والدعم الذي تستحقه فيجب أن يكون وفقاً لمسطرة عدد الوظائف الوطنية التي تخلقها هذه المشاريع. ما فائدة أن توجهاً كويتياً للعمل الحر فقط ليجلب 6 أو 7 من العمال الأجانب يثقل بهم البنية التحتية؟

لن أمانع للدورة المستندية في تأسيس وإدارة الشركات أن تتحسن قليلاً، لكن دعنا لا نحملها أكثر مما تحتمل، أخشى أنها بدأت في التحول لشماعة يعلق عليها الشباب فشلهم أو كسلهم، لكن بطء الدورة المستندية لا يمنع أحداً من تأسيس شركته الخاصة، ولا يحمل أحداً خسارة لا يستحقها، ثم الجهد المبذول في تأسيس عمل تجاري هو جهد مستحق سريعاً ما سترى استحقاقه عندما تبدأ في حصر أرباحك الشهرية.

بدلاً من تصديق نصائح البنك الدولي المعلبة على الجهد الحكومي المستنزف في معالجة الدورة المستندية لتأسيس شركات تجارية أن يوجه لجوانب أخرى، مثلاً منع الوافدين من ممارسة التجارة في الكويت يجب عليه أن يأخذ أولوية قصوى، لا لا لا لم يصبني رهاب الوافدين (Xenophobia) لكني إلى الآن أعجز عند العثور على دولة واحدة في هذا العالم تسمح للوافدين بمزاحمة أبناء البلد في العمل الحر، ما رأيك أن تخبرني إذا عثرت على واحدة؟ لن نخلق فرص عمل جديدة للشباب الكويتي طالما ظل الوافد ينافس الكويتي في الأعمال التجارية فلابدّ من وقف فوري لنشاط «التضمين» آلية كشف التضمين ستمر عبر مراقبة بسيطة لحسابات البنوك فهي الحلقة الأسهل في كشف صاحب العمل الحقيقي.

من الصين سأستعير مرة أخرى نموذجاً ناجحاً لشكل آخر من التدخل الحكومي في القطاع الخاص. الفكرة اختيار قطاعات من السوق وخلق شركات حكومية عملاقة بها (State Owned Enterprise) لتكون بمثابة أبطال وطنية (National Champion) تحظى بالدعم الحكومي الكامل، بعد نجاحها المحلي المتوقع لن ترى هذه الشركات إلا وهي تحلق عالياً في الاقتصاد العالمي.

أنا لا آتي بنموذج جديد، فهكذا قلب التنين الصيني كفة الاقتصاد العالمي. أولاً لا تزاحم شركات القطاع الخاص بل استكشف قطاعات جديدة غير مستغلة وتوسع بها. ثانياً الخوف مبرر من الإدارة الحكومية التقليدية في فشلها وفسادها، فابحث عن الخبرات المتراكمة الأجنبية عند شغلك للإدارة العليا (نعم نعم نعم سنطالب بإدارة عليا أجنبية، كوّت الإدارة العليا وسترجع لتسألني في 5 سنوات عن أسباب فشل هذه الشركات) ثم لا تنس أن تعطي هذه الإدارة الاستقلالية.

ثالثاً في هذه الشركات المجال الواسع لتوفير المزيد من فرص العمل الجادة ثم صبغة هذه الشركات الحكومية ستوفر أماناً وظيفياً يعجز القطاع الخاص عن توفيره، مما سيرفع جاذبيتها التوظيفية.

رابعاً سوق هذه الشركات جاهز بانتظارها، هو السوق المحلي برمته يتقدمه القطاع الحكومي، فقطاعات مرشحة لمثل هؤلاء «الأبطال الوطنيين» تشمل قطاع الأدوية الطبية (300 - 400 مليون دينار حجم السوق السنوي الحكومي فقط)، قطاع التطوير العقاري الذي يحتاجه كل بلد (شاهد نقلة شركة إعمار النوعية في دبي أو ما فعلته سوليدير في بيروت) قطاع البتروكيمياويات هو مرشح دائم لوفرة النفط الخام محلياً، ثم سأقولها بوجه جاد قطاع السياحة في الكويت يستحق أن تبذل فيه مجهوداً حكومياً، لكن ابق توقعاتك منخفضة أنت لن تحصل على سياح أجانب، لكن كمركز سياحي إقليمي ستحصل على الكثير من الزوار الخليجين حين يسأمون من دبي وهؤلاء كفاية الآن. بلا دعم حكومي استطاعت الكويت أن تتحول لمركز إعلامي خليجي أولاً في صناعة التلفزيون، وأخيراً في الإعلام الاجتماعي، فهذا يستدعي استثماراً حكومياً في هذا القطاع لتوفير بنية تحتية تعزز هذا المركز.

أما أهم قطاع على الحكومة رعايته بشركة حكومية داعمة، فيجب أن يكون قطاع التكنولوجيا و«إنترنت الأشياء» هذا ما سيعطيك أفضلية في الأعوام العشرة المقبلة، ثم لغياب المنافس هذه فرصة لن تتكرر لقيادة هذا السوق الواعد إقليمياً.

خامساً، هذه الشركات ستحقق «اقتصاديات حجم» (Economics Of Scale) ستمنحها أفضلية تنافسية لا تتوافر لغيرها، مما سيعزز هوامشها الربحية، لكن ميزتها الأساس أن بعد اكتسابها للخبرة اللازمة محلياً، ومع المال الحكومي الرخيص سنجدها متجهة للعالمية بلا تردد، هذا تنويع مصادر الدخل الذي نريده!

إما إذا اردت شكلاً جديداً لتوزيع الثروة تستطيع دائماً بيع أسهم جزء من هذه الشركات على المواطنين.

«نادراً ما يجتمع تجار معاً إلا وتنتهي المحادثة بمؤامرة ضد الجمهور أو باتفاق على رفع الأسعار» كاتب هذه العبارة ليس ماركسي ينتهج اللينينية يحلم بهدم النظام الاقتصادي الرأسمالي برمته بل هو آدم سميث أبو الاقتصاد الليبرالي.

ومن يوم كتابتها أخذت الحكومات على عاتقها مهمة رفع تنافسية السوق ومنع الممارسات الاحتكارية. ستحتاج أن تفهم المنافسة كمكينة تدفع الشركات للابتكار لترفع إنتاجيتها من جهة، وتخفض الأسعار على المستهلك من الجهة الآخرى.

الآن في الكويت، القطاع الخاص لا يمل من الشكوى من الطبيعة الاتكالية - الريعية للمجتمع الكويتي وقطاعه البيروقراطي المترهل، لكنه يتجاهل أصل الداء في هيكليته الأولجاركية الاحتكارية. هم ينادون بإصلاح اقتصادي وسياسة ليبرالية هم أبعد الناس عنها، فأول ما ستعمله الليبرالية الاقتصادية هي تفكيك ممارساتهم الاحتكارية، إذاً ما الذي اقترح عمله لرفع تنافسية السوق الكويتي؟

أولاً، نبدأ بالوكالات التجارية، هي اختيار تعاقدي بين أطراف ذات إرادة حرة لا تستطيع ولا أريدك أن توقفه، لكن نتيجة لعوج مقصود في القانون المحلي تجد الشركات العالمية أصبحت رهينة للوكيل المحلي، الشركة العالمية، تستطيع سحب الوكالة من الوكيل المحلي، لكنها ستفقد حقها في دخول السوق الكويتي برمته أو تسجيل وكيل آخر لحجم السوق الكويت ذي القدرة الشرائية العالية على مضض تتحمل الشركات العالمية ممارسات وكلائها المحليين، كفة العلاقة بين الوكيل والموكل مائلة في الاتجاه الخطأ. من سيرغم الوكيل المحلي على الاستثمار أكثر في المنتج؟ من سيرغم الوكيل المحلي على خفض أسعاره لأخذ حصة أكبر من السوق، بما يفيد ليس فقط المستهلك، لكن الشركة العالمية التي تريد أن تبيع أكثر وأكثر؟ هل عرفت الآن لماذا أسعار ذات المنتجات ترتفع 30 - 100 في المئة عن مثيلاتها في دبي أو حتى باريس ولندن رغم كلفة هذه المدن العالية؟

سأكون واقعياً مرة أخرى، ولن أخذ في المطالبة بإلغاء الوكالات التجارية، ففي الأخير هي عقود قانونية بين أطراف ذات إرادة حرة، لكن العوج القانوني يجب تصويبه في السماح للشركات العالمية بحرية إلغاء توكيلاتها المحلية وتسجيل وكلاء آخرين، عندها فقط سترتفع جودة الخدمات من ناحية، وتنخفض الأسعار نسبياً من ناحية أخرى.

ثانياً، اقتصاديات جانب العرض (Supply - Side Economics ) تدعو لرفع حواجز دخول السوق لخلق سوق أكثر تنافسية. الليبرالية التي يقوم عليها اقتصاد السوق تقوم على «دعه يمر... دعه يعمل». اشتراطات تأسيس الشركات تحتاج إعادة نظر، مثل ما الذي يجعلك تحصر رخص الصيدليات في صيادلة كويتيين يؤجرونها بالباطن؟ افتح السوق للاعبين جدد وسترى قوى السوق تعمل بكفاءة، ذات المبدأ ينطبق على اشتراطات المراكز الطبية والمكاتب الهندسية، والجامعات الخاصة، وغيرها الكثير. افتح السوق، اشعل المنافسة، اجعل الاختيار بيد المستهلك (deregulation) أي تقليص الضوابط التنظيمية البيروقراطية على الأعمال التجارية يأتي لاحقاً.

ثالثاً، قبل كل شيء، كلنا يعلم أن «أي استثمار في مشاريع البنية التحتية سيسدد نفسه تلقائياً» (38) لكن هذا ليس كل شيء، ففي اقتصاديات جانب العرض هذا الاستثمار له دور إضافي في تمهيد التربة أمام مزيد من النمو الاقتصادي برفعه لتنافسية البلد برمته. إذاً سنحتاج مزيداً من الإنفاق الحكومي. ابدأ في قطاعات المواصلات، ووسائل النقل، فهي بحاجة ماسة لتجديدات جذرية (شبكة مواصلات حديثة ضرورة قصوى، بعدها قد تحل أزمة الزحام المروري) سأكرر جوهرية الإنفاق الحكومي على مشاريع الإسكا،ن واستصلاح الأراضي للأغراض التجارية والصناعية (أكبر حاجز دخول للسوق في الكويت، هو ارتفاع قيمة خلو أصغر وحدة تأجيرية فقد تشكل أحياناً أكثر من 60 في المئة من رأس المال المستثمر لوحدها)، لا داعي لمزيد من الاستثمار في المشاريع الصحية، فما هو تحت الإنشاء أكثر من المطلوب في المستقبل القريب، خصوصا مع التشغيل الفعلي لمستشفيات الضمان الصحي للأجانب، لكن دائماً تستطيع الاستثمار في البنية التحتية الناعمة (Soft Infrastructure). الآن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية غالباً ما يكون استثماراً ضخماً بشراكة أجنبية، فلا تنس إلزام هذه الشركات الأجنبية بنوع ما من نقل التكنولوجيا إلى الشركات الكويتية مع تدريب وتأهيل للعمالة الوطنية.

رابعاً - الإصلاح الرقابي - القانوني: الإصلاح الهيكلي للدولة - المجتمع سيستدعي إصلاحاً قانونياً، وآخر للأجهزة الرقابية البيروقراطية. سيادة القانون ستكون ضرورة ليس فقط لخلق بيئة مشجعة للنمو الاقتصادي، لكن أيضاً لإصلاح هيكلية مجتمع آخذ الفساد ينخر في أعمدته، ثم رأس المال معروف بجبنه لذلك وجود آلية حل منازعات سريعة، لكن رخيصة بأقل تكاليف تعاملات ممكنة (Transaction Cost) هي أفضل ما تستطيع عمله لتخليصه من خوفه.

سنحتاج أيضاً لعملية تحديث فورية لقوانين دولة لاتزال تفكر بعقلية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، سأبقي على قانون الأحوال الشخصية الإسلامي، لكن ما غير ذلك مصيره سلة المهملات، حججي بسيطة ومباشرة: إذا استوردنا قانوناً مصرياً سنصبح سوهاج أخرى، تأتي بقانون نرويجي أو دنماركي؟ من يعلم ربما نصبح كوبنهاغن أخرى. الآن، قل لي هل تريد الكويت سوهاج جديدة، أم كوبنهاغن الشرق الأوسط؟

كما أن خيارنا كان خاطئاً منذ البداية باللجوء إلى القانون المدني المصري ذي الأصل الفرنسي بدلاً «Common Law» الإنكليزي، على الأقل من ناحية الاقتصاد، فالدراسات تذهب إلى أن الدول ذات الإرث القانوني الإنكليزي أكثر ديناميكية اقتصادياً منها عن الدول التي اتبعت القانون المدني الفرنسي.

تطوير القوانين الكويتية لا يجب أن يكون بتلك الصعوبة، فلن تكون إلا عملية قص ولصق لقوانين دول العالم الأول مع بعض التعديلات التي تناسب خصوصيتنا الكويتية.

تطوير القوانين خطوة أولى تليها خطوة تسريع إجراءات التقاضي بدءاً بالإعلان القضائي، وانتهاء بتنفيذ الأحكام القضائية، في دولة مدنية في 2017 من الصعب تفهم كيف نعجز عن الوصول لشخص ما وإخطاره بدعوى تخصه.

كل ما نحتاجه هو تحديث الداتا المفترض وجودها في هيئة المعلومات المدنية أولاً، والقليل من الرقابة والشدة مع مأموري الإعلان ثانياً.

لكن لوم مماثل سيصح توجيهه إلى إدارة التنفيذ في وزارة الداخلية، فمن غير المعقول أن تبقى هذه الأعداد المهولة من الأحكام الجنائية والمدنية على حد سواء بغير تنفيذ. القصور التشريعي في قانون المرافعات القديم لجهة آلية تنفيذ الأحكام سيحتاج لمراجعة سريعة، ثم في خضم طبيعة حياة آخذة في التعقيد، فإن المحاكم المتخصصة أصبحت ضرورة.

عدد ضخم من القضايا التي تبطئ سير عجلة العدالة هي جنج بسيطة أو خلافات مالية أبسط، سأقترح لها إنشاء محاكم اليوم الواحد لمثل هذه النزاعات القضائية البسيطة، لكن لدينا مشكلة أكبر في الطريقة التي يصل بها القاضي لحكمه بعد قراءته لمذكرات دفاع يغلب عليها الحشو الإنشائي، أريد أن نسمع رأي أهل الأختصاص في هذا الصدد كما أريد أن نرى جميعاً آلية كيف يصل القضاة لأحكامهم في فرنسا مثلا.

أما معاونو القضاء من خبراء هندسيين أو محاسبيين فأقل ما يقال عنهم إنه يعوزهم التدريب الكافي. غربلة كاملة لهذا الجهاز مستحقة سريعاً.

لكن الإصلاح الرقابي البيروقراطي لا يقل أهمية عن إصلاح القضاء، الهدف هنا سيكون تعزيز صلاحيات الأجهزة الرقابية الحكومية بصلاحيات إضافية. الآن الأجهزة الحكومية عاجزة لقصور تشريعي عن وقف أي مخالفات تواجهها فتبقى أغلب المخالفات أسيرة دهاليز البيروقراطية الحكومية، وحتى حين تحاول هذه الجهات العمل، فأفضل ما تستطيع فعله هو تحويل المخالفات إلى عدالة بطيئة غالباً لن تفهم جوهر الشكوى أو ستحكم بعدم صحة إجراءات إثباتها، لكن هذا ليس النهج العالمي، الأفضل تعزيز صلاحيات الجهات الرقابية في المحاسبة والمخالفة وفرض الغرامات مع احتفاظ المخالف بحق التظلم إلى القضاء، جهات رقابية ستستفيد من هذا الإصلاح هي جهات أكثر التصاقاً بحياة الكويتي اليومية، وستشمل وزارات التجارة، والتربية، والبلدية، والصحة، وهيئة القوى العامة. (39) ما نحتاجه بسيط ومباشر، لائحة تنفيذية صريحة لا تحتاج تأويلاً، الاستقلالية في اتخاذ القرار لدى مسؤولي هذه الجهات، طاقم إداري كاف من المفتشين والمراقبين، تعزيز صلاحية هذه الجهات في المراقبة والإشراف الدوري على الجهات التابعة حتى بدون وجود شكاوى، ثم نستطيع أن نجعل حوافز هذه الجهات البيروقراطية مرتبطة باقتسامها لجزء من حوض الغرامات والعقوبات المالية التي تستطيع تحصيلها، صدقني عندها ستتوقف «الواسطة» هنا وتتبعها الرشاوى فوراً، أما إنتاجية الموظفين فستعجز عن إيجاد مثيلها، لكن معضلة الكويت الآن أن اليأس من التغيير أو الإصلاح وصل لمراحل متقدمة في سيكولوجية الممواطنين.

علاج هذا، أقترح نشراً دورياً لكافة الشكاوى والمخالفات المرصودة (موقع الكتروني سيكون الخيار الأسهل) مع بيان ما تم عمله في كل حالة على حدة، بهذا سيتمكن الجمهور من الحكم على فعالية كل جهة رقابية، كذلك كونهم تحت المجهر الشعبي المباشر ربما سيكون دافعاً لهذه الجهات الرقابية على العمل بصورة أكثر جدية.

هوامش

33 انظر تقرير الاستقرار المالي 2016 الصادر عن بنك الكويت المركزي.

34 غير ذلك ستجد الشباب يستنزفون الباب الأول من الميزانية برواتبهم السخية في القطاع الحكومي، ويأخذون في الوقت ذاته في العمل الحر كمصدر دخل إضافي، لكن هذا ليس ما نريده.

35 مثلا على المستوى الفيديرالي الأميركي حصة الشركات الصغيرة من المشتريات والمناقصات الحكومية لا تقل قانونياً عن 23 في المئة، مع أن بعض الولايات تفرض نسباً أعلى من ذلك أيضاً، تطبيق نصف هذه النسبة سيكون أكثر من مناسب لنا في الكويت.

36 لاحظ أن أصغر محل بنشر يحظى باستخفافك في منطقة سكنية ذات كثافة سكانية متوسطة سيولد صافي دخل لمستثمره الشاب يفوق ما يتقاضاه رئيس تنفيذي في شركة استثمارية متوسطة الحجم، لكن مدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية.

37 من جهة أخرى، سأشدد على أهمية الدور التي تقوم به الجمعيات التعاونية في مواجهة غلاء الأسعار. يجب دعمها حكومياً ونسيان أي حديث فارغ عن خصخصتها أو تسليمها للقطاع الخاص، رغم كل ما يحوط به من شبهات فساد، فإن القطاع التعاوني لا يزال له دور ليلعبه في مواجهة التضخم الذي لنا أن نتوقع ارتفاعه بسبب كل هذه الإصلاحات المقترحة. أريدك أن تعتبر معي الجمعيات التعاونية صمام أمان أدنى للطبقة الوسطى - الدنيا التي سينالها الكثير من الهبوط قي قدراتها الشرائية.

38 دراسة استقصائية لصندوق النقد الدولي وصلت الى هذا الرأي، انظر

http://www.imf.org/external/pubs/ft/survey/so/2014/res093014a.htm

39 مثلا الرقابة التجارية في وزارة التجارة تقف مشلولة عند أي حالة غش تجاري، وتكتفي بإحالة الشكوى برمتها إلى النيابة التجارية التي بدوره ستحولها إلى القضاء لتدخل في عجلة العدالة البطيئة، فتستطيع توقع الحكم بعد 3 سنوات من الواقعة.

إدارة التعليم الخاص في وزارة التربية تماثلها شللاً في وجه مخالفات المدارس الخاصة ليس فقط عند رفعها الرسوم الدراسية، لكن حتى في مخالفتها لقواعد الأمن والسلامة في المباني المدرسية. رقابة بلدية الكويت شهدت بعض التحسن على صعيد مخالفات البناء الخاص، لكن مازالت صلاحيات التفتيش والمحاسبة قاصرة ليس فقط في مخالفات البناء لكن أيضاً في النظافة والصحة العامة ثم بلاء البلدية الرئيسي هو في داء الواسطة المستشري بها، فكم من مخالفة أخفيت في الأدراج رغم ارتباطها الحيوي بصحة وسلامة المواطنين، ما زالت الأجهزه الرقابية في وزارة الصحة عاجزة عن فرض رقابتها على العيادات والمراكز الطبية الخاصة، هل سمعتوا عن الطبيب الذي قام بتصوير مريضته أثناء عملية جراحية في مارس الماضي؟ في أي دولة بلا قانون يمر مثل هذا من دون محاسبة أو وقف للطبيب؟ فقط في الكويت.

لاحظ أن الموضوع أخذ حيزاً إعلامياً، ومع ذلك لم يحرك المسؤولون ساكناً، فما بالك عن ما يحدث يومياً من مخالفات لا يعلم بها الجمهور؟ ثم لاحظ أن الإعلانات التجارية للأطباء في كل مكان رغم صراحة القانون المانع لذلك، لكنني سأعتبر هيئة القوى العاملة الأفشل في فرض رقابتها على مخالفات الشركات الخاصة في تسجيل العمالة الوطنية الوهمية أولاً وعلى مخالفات العمالة الوافدة المتسيبة ثانياً.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي