حوار / أديب وناقد سعودي صاحب ملتقى «الروح الثقافي»
محمد العرفج: الموروث الشعبي... يجسّد هوية الإنسان وثقافته
محمد العرفج
هناك تناقض ما بين مناهضي الاستفادة والرجوع للموروث الشعبي وبين استدلالاتهم بموروثات من فنون أخرى
محمد العرفج... شاعر وأديب وناقد، وديبلوماسي سابق، ومثقف موسوعي جمع بين أصالة الموروث وروح الحضارة. تفرع في فنون العطاء الأدبي بين النقد التحليلي والسرد القصصي والروائي، أقام مشروعه الثقافي «ملتقى الروح الثقافي» في مدينة شيكاغو (ولاية إيلينوي الأميركية). ويرى أن الرواية كانت هاجساً لديه منذ الطفولة، مؤكدا أن موروثنا زاخر بالكثير من الفنون التي يتطلع إليها العالم الآخر ليعرف هويتنا، ورؤى أخرى باح لنا بها العرفج خلال هذا الحوار الذي نورد إليكم نصه:
• في البداية حدثنا عن مشروعك الثقافي «ملتقى الروح الثقافي» في شيكاغو؟
- كانت فكرة ملتقى الروح الثقافي عبارة عن رؤية لمشروع كبير، إلا أن المشروع لم يكتمل بتلك الصورة المرجوة، لكنها على الأقل قامت بما يتوجب عليها القيام به، فهي تشابه الرابطة القلمية التي كان جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا ابو ماضي وغيرهم في اجتماعهم وطرح مناقشاتهم للقضايا التي تخص الثقافة. فقد تكوّن الملتقى من أهم الاسماء مثل الروائي محمود سعيد والشاعر محمد بدر الدين البدري والقاصة والشاعرة والصحافية نجوى عبدالله، والروائية ليلى قصراني، بالإضافة إلى التشكيلي دنخا زومايا، واستضفنا شخصيات عدة من خارج أميركا وداخلها بالإضافة إلى إقامة أمسيات ثقافية وأدبية بالشراكة مع نوادٍ ومراكز وكليات مهتمة بالثقافة العربية. وقد تخلل ذلك قيام معارض تشكيلية وتكريم شخصيات والحوار بين الثقافات والتلاقح بينها، وتوقيع الكتب، وزيارات ثقافية، والتعريف بالضيوف في الصحافة المحلية خاصة العربية منها، فقد استضفنا من السعودية شعراء منهم عبدالله الخشرمي وأحمد عائل فقيهي وعبدالإله المالك، كما أقمنا أمسيات وندوات في جامعة شيكاغو وجامعة دي بول وغيرهما.
• ما الذي دعاك للاتجاه للرواية؟ وكيف تقيّم المشهد الروائي في المملكة العربية السعودية؟
- الرواية كانت هاجساً لدي منذ الطفولة، صحيح أنه سبقها كتابة الشعر بالإضافة إلى الدراسات الأدبية ومن ثم القصة القصيرة، ولكن تلك السوابق دائماً ما تفرض على أي كاتب للرواية لأنها هي الملاذ الأخير له بعد تجربة طويلة في الكاتبة، والرواية حينما تأسست في روسيا سبقها محاولات في القصة القصيرة، حتى وضعت القصة بصمتها على يد نيقولاي قوقول قبل أن يكتب الرواية الأولى «الأنفس الميتة» في تاريخ الأدب الروسي والعالم، وبعض المؤرخين يذكر بأن هناك من شارك قوقول خطواته مثل ادغار ألن بو حيث أن كليهما ولد عام 1809، بالإضافة إلى أن هناك روايات سابقة في العالم هنا وهناك تعود لما يربو على خمسمئة عام تم إحياء ذكراها كأول رواية في التاريخ الإنساني، أما المشهد الروائي السعودي فهو مشهد خصب، وقد كانت هناك تجارب جميلة كما عند عبدالعزيز مشري، والمشهد السعودي ينتظر منه الكثير.
• طالبتم في كتابكم «الموروث الشعبي في السرد العربي» ضرورة عدم الترفع على هذا الموروث، ما الذي دعاك لهذا الاتجاه؟
- لأن هناك تناقضا ما بين مناهضي الاستفادة والرجوع للموروث الشعبي وبين استدلالاتهم بموروثات من فنون أخرى، فالسياسي يقتبس من الموروث السياسي تاريخيا وجغرافيا، والاقتصادي كذلك منذ ابن خلدون وآدم سميث، والمفكر من الفلسفات اليونانية الإغريقية والصينية وغيرهما، والمصلح الاجتماعي كذلك، حتى الحداثي يأتي على ذكر تواريخ وأحداث واقتباسات واسماء تعد الموروثات فهذا تناقض لمن يناهض! الموروث الشعبي هو هوية الإنسان وثقافته النابعة من بيئته المحلية التي تكون واجهة أمام الآخرين فمن لا ماضي له لا حاضر له، وموروثنا زاخر بالكثير من الفنون التي يتطلع إليها العالم الآخر ليعرف هويتنا، كما أن جميع الأمم المتحضرة تظهر وتتبنى موروثاتها بل أن بعضها ينسب موروثات حضارية أباد شعوبها لتبنى عليها دول قامت بإحياء وتقديم تلك الموروثات على أنها ماضٍ لأجداده!
• هل تجد تأثير الموروث في بنية السرد الروائي السعودي؟
- بالتأكيد، فمن يقرأ لأبرز الروائيات والروائيين يجد ذلك، من خلال توظيف الشعر الشعبي والحكاية والمثل واللهجات في الرواية، أو من خلال تناص الحكاية الشعبية مع المتن الروائي، فمثلا نجد توظيف عبدالرحمن منيف القصائد النبطية المواكبة لكل منطقة أو حقبة موافقة، كما نجد أحمد الدويحي يفعل ذلك، وعواض شاهر العصيمي يكتب القصيدة النبطية على لسان شخوص الرواية، كما نجد توظيف الحكاية الشعبية عند روائيين مثل العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي والسوري ياسين رفاعية، وروائيات مثل أميمة الخميس حيث وظفت حكاية مقتبسة من كتاب عبدالكريم الجهيمان «أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب»، أيضا لا ننسى التجارب العربية مثل تجارب السوريين مثل حليم بركات ومحمد رشيد الرويلي ولينا هويان الحسن واليمني علي المقري والعراقي عبدالخالق الركابي والليبي إبراهيم الكوني والإماراتي علي ابو الريش.
• عندما قدّم الدكتور عبدالعزيز المقالح لكتاب «جذور الشعر النبطي في فن الترنيم والأوزان وتأصيل الشعر النبطي ومراحل تطوره وتأثره بالحميني والمدرسة الصوفية» يتضح مدى التلاحم الثقافي عند المثقف العربي مع الموروث الشعبي... لكن لا نكاد نلاحظه هنا في المملكة؟
اختلف معك في هذا، فالأديب السعودي المبدع والمثقف بحق يكتب أو يوظف الموروث، نجد مثلا عند أهم شعراء الحداثة في المملكة ومنهم محمد الثبيتي وسليمان الفليح وعبدالله الصيخان وظفوا قصائد محمد بن حمد بن لعبون ومحسن العثمان الهزاني ومحمد العبدالله العوني في المتن الشعري، بالإضافة إلى قامات كبرى من المثقفين السعوديين الذين جلدوا سطوراً خالدة في فنون الموروث الشعبي عبر كتب أو مجلدات أو قاموا بالرجوع إليها مثل حمد الجاسر وابو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري وسعد العبدالله الصويان وسعيد السريحي وغيرهم، وغالبا ما يبحث المثقفون والأدباء في مراجع باحثين جادين للنهل منها ومراجع مهمة، وأذكر أن روائية كانت تسأل عن مجلدات محمد بن عبدالعزيز القويعي (تراث الأجداد) ليكون مرجعا لها في رواية تعتمد على فترة زمنية قديمة.
• في البداية حدثنا عن مشروعك الثقافي «ملتقى الروح الثقافي» في شيكاغو؟
- كانت فكرة ملتقى الروح الثقافي عبارة عن رؤية لمشروع كبير، إلا أن المشروع لم يكتمل بتلك الصورة المرجوة، لكنها على الأقل قامت بما يتوجب عليها القيام به، فهي تشابه الرابطة القلمية التي كان جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا ابو ماضي وغيرهم في اجتماعهم وطرح مناقشاتهم للقضايا التي تخص الثقافة. فقد تكوّن الملتقى من أهم الاسماء مثل الروائي محمود سعيد والشاعر محمد بدر الدين البدري والقاصة والشاعرة والصحافية نجوى عبدالله، والروائية ليلى قصراني، بالإضافة إلى التشكيلي دنخا زومايا، واستضفنا شخصيات عدة من خارج أميركا وداخلها بالإضافة إلى إقامة أمسيات ثقافية وأدبية بالشراكة مع نوادٍ ومراكز وكليات مهتمة بالثقافة العربية. وقد تخلل ذلك قيام معارض تشكيلية وتكريم شخصيات والحوار بين الثقافات والتلاقح بينها، وتوقيع الكتب، وزيارات ثقافية، والتعريف بالضيوف في الصحافة المحلية خاصة العربية منها، فقد استضفنا من السعودية شعراء منهم عبدالله الخشرمي وأحمد عائل فقيهي وعبدالإله المالك، كما أقمنا أمسيات وندوات في جامعة شيكاغو وجامعة دي بول وغيرهما.
• ما الذي دعاك للاتجاه للرواية؟ وكيف تقيّم المشهد الروائي في المملكة العربية السعودية؟
- الرواية كانت هاجساً لدي منذ الطفولة، صحيح أنه سبقها كتابة الشعر بالإضافة إلى الدراسات الأدبية ومن ثم القصة القصيرة، ولكن تلك السوابق دائماً ما تفرض على أي كاتب للرواية لأنها هي الملاذ الأخير له بعد تجربة طويلة في الكاتبة، والرواية حينما تأسست في روسيا سبقها محاولات في القصة القصيرة، حتى وضعت القصة بصمتها على يد نيقولاي قوقول قبل أن يكتب الرواية الأولى «الأنفس الميتة» في تاريخ الأدب الروسي والعالم، وبعض المؤرخين يذكر بأن هناك من شارك قوقول خطواته مثل ادغار ألن بو حيث أن كليهما ولد عام 1809، بالإضافة إلى أن هناك روايات سابقة في العالم هنا وهناك تعود لما يربو على خمسمئة عام تم إحياء ذكراها كأول رواية في التاريخ الإنساني، أما المشهد الروائي السعودي فهو مشهد خصب، وقد كانت هناك تجارب جميلة كما عند عبدالعزيز مشري، والمشهد السعودي ينتظر منه الكثير.
• طالبتم في كتابكم «الموروث الشعبي في السرد العربي» ضرورة عدم الترفع على هذا الموروث، ما الذي دعاك لهذا الاتجاه؟
- لأن هناك تناقضا ما بين مناهضي الاستفادة والرجوع للموروث الشعبي وبين استدلالاتهم بموروثات من فنون أخرى، فالسياسي يقتبس من الموروث السياسي تاريخيا وجغرافيا، والاقتصادي كذلك منذ ابن خلدون وآدم سميث، والمفكر من الفلسفات اليونانية الإغريقية والصينية وغيرهما، والمصلح الاجتماعي كذلك، حتى الحداثي يأتي على ذكر تواريخ وأحداث واقتباسات واسماء تعد الموروثات فهذا تناقض لمن يناهض! الموروث الشعبي هو هوية الإنسان وثقافته النابعة من بيئته المحلية التي تكون واجهة أمام الآخرين فمن لا ماضي له لا حاضر له، وموروثنا زاخر بالكثير من الفنون التي يتطلع إليها العالم الآخر ليعرف هويتنا، كما أن جميع الأمم المتحضرة تظهر وتتبنى موروثاتها بل أن بعضها ينسب موروثات حضارية أباد شعوبها لتبنى عليها دول قامت بإحياء وتقديم تلك الموروثات على أنها ماضٍ لأجداده!
• هل تجد تأثير الموروث في بنية السرد الروائي السعودي؟
- بالتأكيد، فمن يقرأ لأبرز الروائيات والروائيين يجد ذلك، من خلال توظيف الشعر الشعبي والحكاية والمثل واللهجات في الرواية، أو من خلال تناص الحكاية الشعبية مع المتن الروائي، فمثلا نجد توظيف عبدالرحمن منيف القصائد النبطية المواكبة لكل منطقة أو حقبة موافقة، كما نجد أحمد الدويحي يفعل ذلك، وعواض شاهر العصيمي يكتب القصيدة النبطية على لسان شخوص الرواية، كما نجد توظيف الحكاية الشعبية عند روائيين مثل العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي والسوري ياسين رفاعية، وروائيات مثل أميمة الخميس حيث وظفت حكاية مقتبسة من كتاب عبدالكريم الجهيمان «أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب»، أيضا لا ننسى التجارب العربية مثل تجارب السوريين مثل حليم بركات ومحمد رشيد الرويلي ولينا هويان الحسن واليمني علي المقري والعراقي عبدالخالق الركابي والليبي إبراهيم الكوني والإماراتي علي ابو الريش.
• عندما قدّم الدكتور عبدالعزيز المقالح لكتاب «جذور الشعر النبطي في فن الترنيم والأوزان وتأصيل الشعر النبطي ومراحل تطوره وتأثره بالحميني والمدرسة الصوفية» يتضح مدى التلاحم الثقافي عند المثقف العربي مع الموروث الشعبي... لكن لا نكاد نلاحظه هنا في المملكة؟
اختلف معك في هذا، فالأديب السعودي المبدع والمثقف بحق يكتب أو يوظف الموروث، نجد مثلا عند أهم شعراء الحداثة في المملكة ومنهم محمد الثبيتي وسليمان الفليح وعبدالله الصيخان وظفوا قصائد محمد بن حمد بن لعبون ومحسن العثمان الهزاني ومحمد العبدالله العوني في المتن الشعري، بالإضافة إلى قامات كبرى من المثقفين السعوديين الذين جلدوا سطوراً خالدة في فنون الموروث الشعبي عبر كتب أو مجلدات أو قاموا بالرجوع إليها مثل حمد الجاسر وابو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري وسعد العبدالله الصويان وسعيد السريحي وغيرهم، وغالبا ما يبحث المثقفون والأدباء في مراجع باحثين جادين للنهل منها ومراجع مهمة، وأذكر أن روائية كانت تسأل عن مجلدات محمد بن عبدالعزيز القويعي (تراث الأجداد) ليكون مرجعا لها في رواية تعتمد على فترة زمنية قديمة.