الموقف من الإنسان في الشعر الشعبي الحديث (8 - 9)

No Image
تصغير
تكبير
هذه النظرة تتكرر عند الشاعر، لكنها انتقلت من نظرة بسيطة لا تكاد تتعدى مقعد الشاعر الجالس عليه في الصباح لتناول القهوة ولقراءة الصحيفة، لتتحوّل إلى نظرة تتعلق بموقفه من الطبيعة ككل، بدءاً من موقفه مع اليوم كحالة زمنية لتصل إلى مشاعره وتنقله المستمر من مكان إلى مكان آخر إلى أن تصل الحالة به إلى كل شيء يعيشه ويمارسه.

في نص «الصايع» للشاعر الحميدي الثقفي، والذي تحدثنا عن بعض أجزائه في مباحث سابقة من هذا الكتاب، يقول الشاعر بعد أن فعل ما فعل من استراق النظر إلى غرفة جارته ورؤية جاره له بعد ذلك:

قل: يفكر في عذر للجار إذا علّم أبوه بزلته

قل: يبي (كافتيريا) جايع

يبي يشرب وياكل

قل: يدور عن حلول

أو عن مشاكل

قل: يسوي ما يسويه المراهق

انحرافات وخرافات

وسخافات... ومهازل

قل: يغازل

هذا المقطع المبدوء في أغلب أسطره بالمفردة «قل» إنما هو إيحاء بتردد الشاب «الصايع» الذي يحمل اسم «راضي سويكت» كما هو في النص، بأنه شاب مشتت ومشرد الذهن والحركة، أي إنه غير مستقر في حركته، وهذا الوضع خلق لديه حالةً من عدم استقرار بالتفكير، وهو –أي الشاعر- حينما يعرض لنا مثل هذه الحالة، إنما يريد عكس صورة للإنسان المتمرد الذاهل الذي تزاحمه الشهوات وفقدان الحاجة والرغبة بأن يكون شيئاً ضمن الأشياء الأخرى في الحياة، لهذا هو مشتت ومتردد وحائر ما بين البحث عن عذر لوالده في حال إخبار جاره لما فعل، وراغب في الحصول على المأكل والمشرب، ولديه رغبة في ممارسة ما يمارسه المراهقون، وهذا عائد إلى أنه إنسان عاطل عن العمل، لهذا لا يشعر بوجود ذاته الفعلية لأنها معدومة في الأساس، ثم يقول على لسان العسكري في نفس النص:

أنت تربية شوارع

أنت شكلك واحد مسوي سوايا

هات إثبات الهوية

حاضر وما عندي مانع

هاهـ.. هذي الهوية

الاسم: راضي سويكت

المؤهل: جامعي

والمهنة: صايع

من ينظر في هذا الكلام، ويحاول قراءة النص كاملاً يجد أن الشاعر لا يميل مع الخنوع الواضح من اسم صاحب الهوية «راضي سويكت» بل يخفي وراء هذا الاسم مرجلاً يغلي قابلاً للانفجار في أي لحظة، فهذه المشاكسات الحاصلة دليل على عدم رضا الشاعر الإنسان عن سوء أوضاعه المعيشية، وأن إحساسه بالتهميش وهو الشاب الجامعي الذي يحمل الولاء والطاعة النابع من اسمه المركب الدال على مدى القناعة «راضي سويكت» إنما يحمل تحت هذه الأوضاع وهذه الظروف ثورة قابلة للاشتعال في أي ومضة، وهذا ما اتضح في هذا المقطع الدال على الشعور بالفاقة والجوع كما في نص آخر:

على ربوة في العقيق اجتمعنا

نغني (احنا وسود العيوني)

ويا عيوني /‏ عيوني

ويا شجوني /‏ شجوني

ويا ظنوني /‏ ظنوني

ويا ديوني /‏ ديوني

ويا عطوني /‏ عطوني

لحد ما سكتوني

الإنسان في شعر الثقفي إنسان إما أن ظروفه قاسية أو إنسان اتكالي لا يريد أن يعمل أو يفعل شيئاً لهذا نراه يقف في المكان الخطأ، أو أن أحلامه وطموحاته أكبر من إمكانياته لهذا نلحظ أنه يميل لجلد الذات أكثر من انتقادها، هذا الوضع جعل نبرة الذاتية تكون في شعره غالبة على كل شيء، والذاتية في الشعر لا تعد معيبة أو منقصة، لكن نكتشف من وراء هذا الاتكاء عليها اتكالية لا يمكن تفسيرها أو تبريرها. ولأنني هنا في صدد الحديث عن النص لا الناص سأكتفي عند هذا القدر. غير أنه في المقابل يمثل هذا الصوت الإنساني في نصوص الحميدي الثقفي موقف الإنسان من المجتمع ومن ذاته، ولأن كل شاعر وشاعرة في هذا الكتاب عامة، وفي هذا المبحث على وجه الخصوص، إنما يمثل كل واحد منهم زاوية صغيرة من زوايا النفس البشرية المتداخلة لدرجة الاضطراب في بعض الأحيان، وهذه الزاوية غالبًا ما تكون غير مرئية وغير واضحة للعيان، وتحتاج إلى تفكير وتدقيق في النصوص المطروحة للنقاش والقراءة، وعلى هذا الأساس أحاول الفصل بين النص والناص، عازلاً بذلك الشاعر عن مقاطعه الشعرية ما أمكنني ذلك، ولا أستطيع الادعاء أنني نجحت أو سأنجح في هذا المجال، لكنني سأحاول، وفي المحاولة تكمن متعة البحث والتأمل:

أمدّ خلف النافذة يدي

أقبضها.. أردها

ألمس بها شي

وآخذه..

ألقى بها حفنة ظلام

أروح للصنبور

أغسلها وأنام!!

لو أردنا افتراض أن هذا المقطع والمقطعين السابقين له مكملات بعضها لبعض، لقلنا بأن هذا الكلام يعد الحلقة النهائية في مسلسل الانهيار النفسي لإنسان هذا العصر، ودليلاً على إفلاسه، وهو إفلاس نابع من عجزه عن فعل شيء، وإفلاس ناتج عن موقف القدر منه أي إن الظروف تسير في الاتجاه المعاكس لإرادة البشر رغبة منها في شيوع الظلم والفوضى بين طبقات المجتمع، وتكريس مفهوم الطبقية الاجتماعية في النفوس، لهذا يمثل الإنسان بالنسبة للحميدي الثقفي درجة من درجات الشعور بالإفلاس الذي دفعه إلى جلد الذات، والإحساس بالعجز أمام قسوة الظروف، دون العمل على فعل شيء يذكر لمقاومة هذه الأحوال التي تعصف به

يحمل بدر صفوق نفس الهم الإنساني لدى الثقفي غير أنه يختلف عنه من حيث الرؤية للحياة، ولا يشابهه من حيث الميل للشاعرية، إذ تبدو الروح الشاعرية عند بدر تتفوق على ذات الموقف، وهو في هذا التناول يتمرجح بين المعادل الموضوعي والقناع، وذلك من خلال حضور أكثر من شخص في نصوصه، وهذا ما عمّق الشاعرية لديه:

كان حزن يمر

في عيونه

ولا في يوم فاته

***

كلما رتب حروفه

في مقاس الحزن

يلقى الدمع فاضي

يرسم بدر صفوق صورة للإنسان في شعره من خلال غمسه في عالم الحزن، هذا الحزن الذي يلازمه في كل شيء، إذ يكون معه في حله وفي ترحاله «ولا في يوم فاته» حيث يمر أمام عيونه أينما ذهب، ولم يكتفِ عند هذه النقطة التي جعل الحزن من خلالها ملازماً لهذا الإنسان، بل نراه -أي الحزن- مندمجاً في حديثه وكلامه، أي نلحظه من ترددات أنفاسه وصدى كلماته، غير أنه لا يكون بعد ذلك منسجماً معه، حيث تكون هناك فجوة بين الألم الساكن فيه «كلما رتب حروفه في مقاس الحزن» يكون المحسوس منه أقل من ذلك الشيء المجرد في الوجدان «يلقى الدمع فاضي» وهذا التفاوت بين الخيال والواقع يزيد من حجم الإحساس بهذه المعاناة، الخيال من كون الحزن حالة مجردة يسعى الشاعر لعكسها على الورق بعد ذلك، والواقع من خلال محاولة استنزاف الدموع لتكون إفرازا نفسيا لما هو كائن في الوجدان.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي