خواطر تقرع الأجراس / قل و... قل دحرتُ العدوَّ فدُحِر - فاندحر

No Image
تصغير
تكبير
قل: دحرتُ العدوَّ فدُحِر، وقل: فاندحر

جلس أعرابي يوماً إلى مجلس نحاة، فسمع الشيخ يسأل تلاميذه: «كيف تقولون من تؤزُّهم أزّاً: يا فاعلُ افعلْ؟ وكيف تأتون بمثال «اطْمَأْنَنْت» من: رميت وغزوت؟ فإذا سكتوا ولم يجيبوا قال لهم» يقال في المسألة الأولى: ياآزُّ أزّ، أو أوزِزْ. ويقال في الثانية: ارميَّيْتُ واغْزَوَّوْت !!..

فخرج الأعرابي قائلاً:

قد كان أخذهمُ في النحو يعجبني

حتى تعـاطَوا كلام الزنج والـرومِ

لما سـمعت كلاماً لـست أفهمـه

كـأنـه زجـلُ الغربان والبـوم

تـركت نـحوَهُمُ، والله يعصمني

مـن التَّـقحُّم في تلك الـجراثيم

...

ويصح قوله لو وضعنا كلمة (الصرف) بدل (النحو) في شعره.

وحديثنا اليوم عن المطاوعة في علم الصرف؛ وهي جعل الفعل المتعدي الثلاثي (وغيره أحياناً) متعدياً حاملاً معنى الاستجابة للفعل، إذا كان الفعل دالاً على معالجة حسية ؛ مثل كسَرته فانكسر. وكسَّرته فتكسَّر. ومن غير الثلاثي (على قلة): أطلقته فانطلق. وعدّلته فانعدل. وإذا لم يدل على معالجة حسية فلا نأتي به على وزن انفعلَ بل تفعَّل: علّمتُه فتعلّم، ولا نقول فانعلم.

يقول محمد العدناني في «معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة»:

«يقولون: إن الفعل (اندحر) هو مطاوع الفعل المتعدي دَحَرَ، ولا يؤيد ذلك سوى (الوسيط).وليس الفعل (اندحر) قياسياً؛ لأن الوسيط لا يذكر سوى قياس المطاوعة لوزن فعَّلَ وهو تفعَّل( كسَّرته فتكسَّر). ولا يقول الوسيط إن مجمع اللغة العربية بالقاهرة وافق على استعمال الفعل المطاوع: اندحر، لكي نقبل به، ولذلك نستبدل به الفعل المبني للمجهول: دُحِر»!

ومن يراجع أشهر كتب الصرف يجدْ اعتماد الوزن المطاوع: انفعل، للفعل المتعدي الثلاثي فعَلَ لجعله لازماً. بل إن (الوسيط) ذاته اعتمد وزن انفعل في شرح معنى الفعل المطاوع: «... هو الفعل اللازم للمتعدي، كما في: كسَره فانكسر»!

والغريب العجيب أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أصدر قرارات في مجلده الثامن «البحوث والمحاضرات»، في مؤتمر الدورة الخاصة بسنة 1963- 1964 ومنها: قياسيَّة جميع أفعال المطاوعة.

وفي ص 39، من كتابه (مجموعة القرارات العلمية من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين) قال: «كل فعل ثلاثي متعدٍّ دال على معالجة حسية فمطاوعه القياسي هو:( انفعل). (وهناك شروط أخرى لا تهمنا هنا)... فكيف يقرر العدناني أن المجمع لم يُقِر وزن انفعل».

ونختم بقول الأعرابي الفطري، معدَّلاً:

تـركت «صرفَهمُ»، والله يعصمني

مـن التَّـقحُّم في تلك الـجراثيم

وقال رفيع بن سَلمة من نحاة القرن الثالث (مع تبديلنا «النحو» إلى «الصرف»):

تفكَّرتُ في «الصّرف» حتى مللتُ

وأتعبـت نفـسـي به والبدنْ

وأتعبـت «بكراً» وأصحابه

بطول الـمسائل في كـل فـنْ

...

عصمكِ الله أيتها اللغة الجميلة «من التقحُّم في تلك الجراثيم»!

* شاعر وناقد سوري
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي