مشهد / وابتدى المشوار

No Image
تصغير
تكبير
على وقع نغمات أغنية الفنان الراحل عبدالحليم حافظ «وابتدى المشوار»، والتي شكلت لجيلنا نقلة نوعية في الغناء الكلاسيكي العربي، أقول إن العام الدراسي قد شرع أبوابه واسعة لاستقبال فلذات أكبادنا لتلقي العلم والمعرفة وتعلم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

بدأ العام الدراسي وها هو دبيب أقدام أبنائنا يعزف سمفونية موسيقية على الأرض، وها هي أصواتهم المجلجلة تناهز عنان السماء، وتلك هي الحافلات والمركبات تصدر هديرا عاليا حين تقل كل منهم إلى وجهته، ترتسم على وجوههم علامات الرضا والسعادة للقاء الأصحاب والزملاء بعد فراق دام ما يقارب أربعة أشهر، في حين أن البعض الآخر يتذمر من الإفاقة مبكرا وعودة روتين الواجبات المنزلية والالتزامات اليومية والمملة (على حسب قولهم) تكشف سريرتهم معالم وجوههم البينة الواضحة.

هذا في الصباح أما في الفترة المسائية فهذا هو صرير الأقلام يطرب أسماعنا، وصراخ الأمهات يشعل بيوتنا، ولهاث الآباء بين الأسواق والمكتبات لجلب ما أمكن من عدة المدرسة وعتادها من قرطاسية وحقائب وعصائر ومأكولات خفيفة.

ومع بداية هذا العرس السنوي، تتخذ وزارة التربية إجراءاتها التحضيرية الكفيلة بتأمين انسيابية العملية التعليمية والتربوية، جهد عظيم لا ينكره إلا جاحد أو حاقد، إلا أن ذلك لا يمنع من توجيه بعض سهام النقد غير اللاذعة للقائمين على هذه المسؤولية الجبارة التي ينوء بحملها أولي العصبة من الرجال، وبالتحديد في ما يخص الحقيبة المدرسية الثقيلة التي ترهق كاهل الطلبة، والتكدس الشديد في الفصول وتحديدا في المدارس العربية الخاصة التي يبدو أنها أنشئت كمشاريع تجارية وليست كمؤسسات تربوية، في حين أن الدروس الخصوصية تتربع على رأس قائمة المواضيع الأكثر سخونة والتي أرهقت الإدارات المدرسية وجيوب المواطنين والوافدين.

ولعل انتشار الدروس الخصوصية هو دليل على استفحال هذا المرض العضال الذي لن نبرأ منه إلا بالكي وإعمال مبضع الجراح المحترف فيه، فكل الحلول والأدوية التي تم وصفها لم تسهم في التقليل من خطورة هذا المرض، وإن لم يتدارك المسؤولون في وزارة التربية الأمر فإن كل المنظومة التعليمية ستنهار وسيفقد المدرس آخر ما تبقى له من احترام وتقدير ويسقط جيل كامل من أبنائنا في وحل الجهل وحفر التخلف.

وبالتأكيد أن المسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة ومن دون هذا التعاون لن يكون هنالك نتائج مثمرة وستستمر الدروس الخصوصية تدمر أسس البناء التربوي حتى يتهاوى وستفقد مدارسنا قدرتها على خلق جيل يحمل هموم الوطن، هذا الجيل الذي نتحرق شوقا لأن يكون قادرا على نشل هذه الأمة مما هي فيه ويزيل ما علق عليها من أدران الهزائم المتتالية والخيبات المتتابعة وتداعي الأمم عليها رغم كثرتنا التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

ويعتبر المعلم هو الركن الركين وهو الجدار الاستنادي الذي تقوم عليه جل العملية التربوية، وعليه فإن الاعتناء بالمعلم وتقديره ووضعه في المقام الذي يستحقه ستكون الخطوة الأولى في عملية الإصلاح وترميم ما أفسدته النظم الإدارية المتعاقبة.

وأولى تلك الخطوات زيادة الدخل الشهري للمعلم بشكل يكفيه ذل الحاجة للدروس الخصوصية ووقوعه في شراك السعي خلف الطالب وأهله بحثا عما يسد رمقه، ناهيك عن قيامه بالتقصير بأداء واجباته المدرسية تجاه الطلبة وما ينجم عن ذلك من لجوء الطالب بشكل قسري للدروس الخصوصية لنستمر بالدوران في حلقة مفرغة دون حلول حقيقية.

لا تصلح الأمم إلا بصلاح التعليم ولا تنهض أبدا ما دام المعلم في آخر السلم الاجتماعي يعاني شظف العيش والجري خلف لقمة العيش الحلال وهذا والله لهو السبب الرئيس في ما نحن فيه اليوم.

ومن جانب آخر، قد يقول قائل إن العقد شريعة المتعاقدين وإن المدرس يتلقى أجره مقابل عمله وفق العقد الذي وقعه والذي يجب عليه الالتزام به أدبيا وأخلاقيا، وهذا المنطق سليم ولكن يعوزه قليل من الإدراك لنعرف أن رواتب المدرسين لم تتطور ولم تزد بالمستوى المطلوب بالرغم من فحش الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار في كافة مناحي الحياة مما جعل ما يتلقاه المدرس دراهم معدودة لا تفي بمتطلبات حياة كريمة له ولأسرته.

وبالرغم من كل العقبات التي تواجهها وزارة التربية في تأمين العملية التعليمية فإن جهود القائمين عليها تتطلب منا تقديم الشكر والثناء لكافة منتسبي الوزارة ابتداء من قمة الهرم وحتى قاعدته إيمانا بالقاعدة الذهبية الأزلية «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».

وختاما، هنيئا لنا ولكم بداية العام الدراسي الذي نسأل الله جلت قدرته أن يكون عاما مثمرا يحمل في طياته الخير والأمل بمستقبل أفضل لنا جميعا.. والحمد لله رب العالمين.

خواطر أب:

1. متى ستصبح الحقيبة المدرسية لأبنائنا الطلبة جزءا من الماضي مثلها مثل الطبشورة واللوح الأسود؟

2. ليتنا نكون كطلبة المدارس الصغار مقبلين على الحياة بفرحٍ وسعادة وصخبٍ جميل.

3. تفوقوا علينا بالقراءة والعلم فسبقناهم بالتغني بأمجاد الماضي... يتطورون كل يوم ونبكي نحن على ماضينا التليد.

4. إذا اجتمع العلم والتكنولوجيا والقراءة العامة في شخص واحد، فذلك هو الشخص المثقف العصري، وإذا غُلّفت كلها بالدين والتقوى فذلك هو الإنسان المثالي.

5. لا تُسرف على ابنك في ثلاثة أمور: الدلال والتواكل والخطأ من دون عقاب.

6. لا تبخل على ابنك في ثلاثة أمور: التعليم الجيد والغذاء الصحي الجيد والحذاء الجيد.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي