صدى
متلازمة الاحتراق النفسي وسلبيات العصر
هل تنذر تطورات الحياة العصرية بالخطر نظراً للمؤثرات السلبية على الحياة النفسية؟ تساؤلات يمكن التوقف عندها والتدقيق في حيثياتها قبل استفحال عناصر الانعكاسات الضارة على المجتمع بأسره، فمن نوبات الذعر إلى الإحباط ثم إلى الاحتراق ثالوث هذه العناوين باتت في حضرة المعنيين والمتخصصين لأن في وسط هذه الدائرة يبدو كأن البشرية تخوض معركة العصر ضد أنفسها باعتبارها مستمرة في سبيل تحقيق الذات.
إن العمل بجهد وطاقة من أجل إثبات الذات وإهمال الحاجات الشخصية والبطالة وعدم إعادة النظر في تقييم الأصدقاء والأسرة والهوايات، والانسحاب من الحياة الاجتماعية ليعم الفراغ الداخلي والضغوط التي يواجهها أي منا في العمل والحياة التي تعوق الأكثرية عن أداء وظائفها بشكل طبيعي، كلها عوامل تؤدي إلى تجاوز قدرة الشخص على التحمل، ويظهر وكأن كل طاقاته قد تلاشت أو استنفدت فيعاني بما يسمى بمتلازمة الاحتراق النفسي الذي يظهر على سلوكه وتصرفاته ويطلق عليه أيضاً متلازمة التوقف.
إن متلازمة التوقف أشد من متلازمة التوحد، فهي تبدأ كتعب وإرهاق وشعور بإجهاد عقلي وبرود وجداني، وينمو لديه مفهوم الذات والسلوك السلبيين تجاه الحياة والآخرين على حد سواء، وتنخفض معدلات فاعليته وأداؤه. ومن ثم استنفاد حيوي جسدياً وعاطفياً وبالتالي انخفاض في مستوى الطاقة، وتغيير السلوك الشخصي وتغيرات جسدية.
طبعاً... الفئة المرشحة للوقوع في براثن متلازمة الاحتراق النفسي هي التي تتسم أفرادها بالطموح العالي والدافع القوي لإنجاز الأشياء، والذين يهمهم الحصول على الثناء والتقدير حتى على حساب الحاجات الأساسية كالأكل والشرب والنوم، والذين يربطون الرضا عن الذات بالأداء المهني، ويكون اهتمامهم الوحيد هو عملهم، الذي يعتبرونه ملاذا وهروباً من جوانب الحياة الأخرى.
إن خطورة هذه الظاهرة كي لا نقول مرضاً، أشبه بإدمان المرء الكحول، لأن هذه الحالة تتطور وتتقدم مرحلياً. لأن الإنسان المصاب يحرق نفسه بإرادته، فبعد سنوات من الجهد والمعاناة والمتاعب يصل الشخص إلى مرحلة يشعر فيها أنه لم يعد بإمكانه فعل المزيد وأنه يفتقر إلى القوة في الحياة والرغبة في العمل ولا يريد التجاوب لذلك يجد الحل في الهروب من البيئة الاجتماعية ويعبر عنه بالموت النفسي البطيء.
تشير إحدى الدراسات الاجتماعية إن الاحتراق والضغط النفسيين يعبران عن إجهاد أو إنهاك نفسي وبدني، وإذا طال هذا الضغط فإنه يستنزف الفرد ويؤدي إلى انهيار في أداء وظائفه، أما الاحتراق النفسي فهو عرض طويل المدى يرتبط حدوثه بالضغوط النفسية، وعوامل أخرى وبذلك فإن الضغط النفسي يكون سبباً في الاحتراق النفسي إذا استمر.
لقد كان هذا المرض في السابق يصنف على أنه «متلازمة نفسية» خاصة بمهن قائمة على مساعدة الآخرين وبالمهن التي تتطلب التزامات كبيرة في العمل كالأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والمهن الطبية ولكن مع المعارف المتراكمة وسياق العصر المتسارع اتسعت مخاطر ظهور متلازمة الاحتراق النفسي على جموع الأفراد أياً كان نوع نشاطهم، وأصبح أي شخص لديه احتراق نفسي ولكن يكمن الفرق في الكم وليس في النوع، وبدرجات متفاوتة.
لابد أولاً من الاعتراف بالمشكلة لتجاوز المتلازمة، ولابد من معرفة الضغوطات التي يتعرض لها، وللتخفيف من هذه المشكلة يجب معرفة النفس وإقامة علاقات متوازنة مع الأسرة والأصدقاء، واستعادة التوازن الداخلي والتأمل بعيداً عن هموم الحياة.
إن علاجات اليوم تعتمد على روح الفرد وداخله، لذا لابد من العودة إلى الداخل لتصفية الحساب معه وكلما كان العلاج مبكراً كانت فترة العلاج أقصر، وطبعاً هذا النصح لا يعبر عن معالجة شاملة لأننا وفي مثل الظروف التي تمر بنا كشعوب لا يمكن القول إن الكلام النظري يداوي كل الحالات خصوصاً وأن الكم الهائل من القضايا المعقدة اليومية كرس مساحات كبرى للإشكاليات التي تقلل من أهمية استخدام الإرشادات النظرية بمعزل عن المساعدات الفعلية.
* كاتبة كويتية
[email protected]
انستغرام suhaila.g.h
تويتر suhailagh1
إن العمل بجهد وطاقة من أجل إثبات الذات وإهمال الحاجات الشخصية والبطالة وعدم إعادة النظر في تقييم الأصدقاء والأسرة والهوايات، والانسحاب من الحياة الاجتماعية ليعم الفراغ الداخلي والضغوط التي يواجهها أي منا في العمل والحياة التي تعوق الأكثرية عن أداء وظائفها بشكل طبيعي، كلها عوامل تؤدي إلى تجاوز قدرة الشخص على التحمل، ويظهر وكأن كل طاقاته قد تلاشت أو استنفدت فيعاني بما يسمى بمتلازمة الاحتراق النفسي الذي يظهر على سلوكه وتصرفاته ويطلق عليه أيضاً متلازمة التوقف.
إن متلازمة التوقف أشد من متلازمة التوحد، فهي تبدأ كتعب وإرهاق وشعور بإجهاد عقلي وبرود وجداني، وينمو لديه مفهوم الذات والسلوك السلبيين تجاه الحياة والآخرين على حد سواء، وتنخفض معدلات فاعليته وأداؤه. ومن ثم استنفاد حيوي جسدياً وعاطفياً وبالتالي انخفاض في مستوى الطاقة، وتغيير السلوك الشخصي وتغيرات جسدية.
طبعاً... الفئة المرشحة للوقوع في براثن متلازمة الاحتراق النفسي هي التي تتسم أفرادها بالطموح العالي والدافع القوي لإنجاز الأشياء، والذين يهمهم الحصول على الثناء والتقدير حتى على حساب الحاجات الأساسية كالأكل والشرب والنوم، والذين يربطون الرضا عن الذات بالأداء المهني، ويكون اهتمامهم الوحيد هو عملهم، الذي يعتبرونه ملاذا وهروباً من جوانب الحياة الأخرى.
إن خطورة هذه الظاهرة كي لا نقول مرضاً، أشبه بإدمان المرء الكحول، لأن هذه الحالة تتطور وتتقدم مرحلياً. لأن الإنسان المصاب يحرق نفسه بإرادته، فبعد سنوات من الجهد والمعاناة والمتاعب يصل الشخص إلى مرحلة يشعر فيها أنه لم يعد بإمكانه فعل المزيد وأنه يفتقر إلى القوة في الحياة والرغبة في العمل ولا يريد التجاوب لذلك يجد الحل في الهروب من البيئة الاجتماعية ويعبر عنه بالموت النفسي البطيء.
تشير إحدى الدراسات الاجتماعية إن الاحتراق والضغط النفسيين يعبران عن إجهاد أو إنهاك نفسي وبدني، وإذا طال هذا الضغط فإنه يستنزف الفرد ويؤدي إلى انهيار في أداء وظائفه، أما الاحتراق النفسي فهو عرض طويل المدى يرتبط حدوثه بالضغوط النفسية، وعوامل أخرى وبذلك فإن الضغط النفسي يكون سبباً في الاحتراق النفسي إذا استمر.
لقد كان هذا المرض في السابق يصنف على أنه «متلازمة نفسية» خاصة بمهن قائمة على مساعدة الآخرين وبالمهن التي تتطلب التزامات كبيرة في العمل كالأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والمهن الطبية ولكن مع المعارف المتراكمة وسياق العصر المتسارع اتسعت مخاطر ظهور متلازمة الاحتراق النفسي على جموع الأفراد أياً كان نوع نشاطهم، وأصبح أي شخص لديه احتراق نفسي ولكن يكمن الفرق في الكم وليس في النوع، وبدرجات متفاوتة.
لابد أولاً من الاعتراف بالمشكلة لتجاوز المتلازمة، ولابد من معرفة الضغوطات التي يتعرض لها، وللتخفيف من هذه المشكلة يجب معرفة النفس وإقامة علاقات متوازنة مع الأسرة والأصدقاء، واستعادة التوازن الداخلي والتأمل بعيداً عن هموم الحياة.
إن علاجات اليوم تعتمد على روح الفرد وداخله، لذا لابد من العودة إلى الداخل لتصفية الحساب معه وكلما كان العلاج مبكراً كانت فترة العلاج أقصر، وطبعاً هذا النصح لا يعبر عن معالجة شاملة لأننا وفي مثل الظروف التي تمر بنا كشعوب لا يمكن القول إن الكلام النظري يداوي كل الحالات خصوصاً وأن الكم الهائل من القضايا المعقدة اليومية كرس مساحات كبرى للإشكاليات التي تقلل من أهمية استخدام الإرشادات النظرية بمعزل عن المساعدات الفعلية.
* كاتبة كويتية
[email protected]
انستغرام suhaila.g.h
تويتر suhailagh1