الدين والوطن
لا شك أن المسلمين اليوم في حاجة لمن يصحِّح لهم كثيراً من المفاهيم الإنسانية التي مع الأيام جعلها الناسُ جزءا من الدين؛ وهذه المفاهيم المغلوطة لا تقل خطراً عن البِدَعِ التي نجتهد لمكافحتها، ونحن جميعاً شركاء في تكريس هذا الخطأ من علماء ومفكرين ومثقفين ومتخصصين، لدينا فهم أشبه بالمعكوس للعلاقة بين الدين والوطن، ومصدر المسلمين لفهم الأمور لا يمكن أخذه من فهمٍ موروث للعلماء ما دام هناك سيرة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - يمكن الاحتكام إليها، حين بنى النبيُ الكريم الوطنَ في يثرب كان الوطن لسكان المدينة المنورة وليس للمسلمين وحدهم، وقبول غالبية سكانها قدومَ النبيِّ الكريم إليها ليكون حاكماً ما هو إلاّ مثابة استفتاء أو انتخاب ناجح للقائد الجديد، ناهيك عن مبايعة المسلمين له على السمع والطاعة.
ولكن علينا أن نفرِّق بين بيعة المسلمين للنبي آنذاك فهي مبايعةُ قومٍ لنبيهم على الدين والإخلاص له ولدعوته ويكون الإسلام مرجعاً للمسلمين في كل شؤونهم، أما الجانب الآخر الذي يشترك فيه أهل المدينة جميعاً وهم المسلمون المهاجرون والأنصار مع ثلاث قبائل يهودية والمشركون لم يدخلوا الإسلام بعد، ولم يكن هناك إسلاميون! فقد اتفقوا يومها على ما عُرف بـ «الصحيفة» وكانت دستوراً لهم جميعاً مسلمين وغير مسلمين، هنا تكمن إشكالية فهمنا لارتباط الدين بالوطن؛ إن الوطن للجميع أما اعتناق الدين فهو حق شخصي وتعاليمه وأحكامه لا تُعمم على الناس بالإلزام، بل الذي يُعمم هو تطبيق القانون المدني، أما الدين فلَكُم دينُكم وليَ دين؛ فحين نسعى في بلاد الشرق لضخِّ الزخم الديني في كل تفصيلات القوانين التي تنظم العلاقة بين عموم المواطنين والوطن نكون قد صادرنا تلك «الصحيفة» التي علَّمَنا بها رسولُنا فلسفةَ العلاقات باحترام أُولئك الذين يقتسمون معنا الحب والوفاء والولاء للوطن، لقد فشلنا اليوم في الشرق بإدارة وتنظيم العلاقة بين الدين والوطن، ولا أدري هل سنُصحح مسارنا أم سنمضي بلا وعي إلى فشل جديد؟!
لَمْ يحكم النبيُ الكريم على اليهود بالجلاء عن المدينة أو بالقتل لأنهم يهود! بل لأنهم غدروا بالوطن وبميثاق الوطن وبدستور الوطن، لقد رأى النبيُ الكريم هُبَلَ واللات والعُزّى أصناماً حول الكعبة قبل الهجرة فلم تأخذه الحميَّة، وهو منزه عن ذلك، أن يُكسِّرها، وحين أزالها يوم فتح مكة من المسجد الحرام لَمْ يأمر بتفتيش البيوت لإخراج ما بقي منها، إن أساس الدولة التي قدَّمها الإسلامُ نموذجاً حقيقياً على الأرض وليس مجرد فقاعات صوتية، هو أساسٌ يستند إلى الحقوق المدنية ويرضى للآخرين من غير المسلمين ما رَضُوا لأنفسهم، لقد أخطأنا كثيراً بحق أوطاننا وتجاوزنا كثيراً في شؤون ديننا، فقبل أن نتجرَّأَ على الفتوى؛ وقبل أن نركض وراء هُبَل لنحطمها بعنف في الشوارع وفي المرافق وفي مناهجنا المدرسية علينا أن نحطم هُبَلَ في نفوسنا التي تُشَوِّهُ أفكارَنا، وحتى نُقنع الناس بكلامنا علينا أن نفرِّق بشكل واضح جداً بين الدين والوطن.
* شاعر وكاتب سوري
ولكن علينا أن نفرِّق بين بيعة المسلمين للنبي آنذاك فهي مبايعةُ قومٍ لنبيهم على الدين والإخلاص له ولدعوته ويكون الإسلام مرجعاً للمسلمين في كل شؤونهم، أما الجانب الآخر الذي يشترك فيه أهل المدينة جميعاً وهم المسلمون المهاجرون والأنصار مع ثلاث قبائل يهودية والمشركون لم يدخلوا الإسلام بعد، ولم يكن هناك إسلاميون! فقد اتفقوا يومها على ما عُرف بـ «الصحيفة» وكانت دستوراً لهم جميعاً مسلمين وغير مسلمين، هنا تكمن إشكالية فهمنا لارتباط الدين بالوطن؛ إن الوطن للجميع أما اعتناق الدين فهو حق شخصي وتعاليمه وأحكامه لا تُعمم على الناس بالإلزام، بل الذي يُعمم هو تطبيق القانون المدني، أما الدين فلَكُم دينُكم وليَ دين؛ فحين نسعى في بلاد الشرق لضخِّ الزخم الديني في كل تفصيلات القوانين التي تنظم العلاقة بين عموم المواطنين والوطن نكون قد صادرنا تلك «الصحيفة» التي علَّمَنا بها رسولُنا فلسفةَ العلاقات باحترام أُولئك الذين يقتسمون معنا الحب والوفاء والولاء للوطن، لقد فشلنا اليوم في الشرق بإدارة وتنظيم العلاقة بين الدين والوطن، ولا أدري هل سنُصحح مسارنا أم سنمضي بلا وعي إلى فشل جديد؟!
لَمْ يحكم النبيُ الكريم على اليهود بالجلاء عن المدينة أو بالقتل لأنهم يهود! بل لأنهم غدروا بالوطن وبميثاق الوطن وبدستور الوطن، لقد رأى النبيُ الكريم هُبَلَ واللات والعُزّى أصناماً حول الكعبة قبل الهجرة فلم تأخذه الحميَّة، وهو منزه عن ذلك، أن يُكسِّرها، وحين أزالها يوم فتح مكة من المسجد الحرام لَمْ يأمر بتفتيش البيوت لإخراج ما بقي منها، إن أساس الدولة التي قدَّمها الإسلامُ نموذجاً حقيقياً على الأرض وليس مجرد فقاعات صوتية، هو أساسٌ يستند إلى الحقوق المدنية ويرضى للآخرين من غير المسلمين ما رَضُوا لأنفسهم، لقد أخطأنا كثيراً بحق أوطاننا وتجاوزنا كثيراً في شؤون ديننا، فقبل أن نتجرَّأَ على الفتوى؛ وقبل أن نركض وراء هُبَل لنحطمها بعنف في الشوارع وفي المرافق وفي مناهجنا المدرسية علينا أن نحطم هُبَلَ في نفوسنا التي تُشَوِّهُ أفكارَنا، وحتى نُقنع الناس بكلامنا علينا أن نفرِّق بشكل واضح جداً بين الدين والوطن.
* شاعر وكاتب سوري