?الموقف من الحضارة المدنية في الشعر الشعبي الحديث (3 - 8)?
لعل عواض العصيمي أول من يواجهنا من هؤلاء الشعراء، حيث نرى فيه الرغبة بالعودة إلى الماضي الذي وصفه بالبياض، من أجل الخلاص من أجواء هذا العالم:
يا موجة الما خذي زفراتي مناولة
ما أشد من ذا الجفاف إلا ذراع اخطبوط
وبيني وبينه حروب الساحل مداولة
أنا أقرب الموج للصحرا ورمل الشطوط
ما عندي إلا بياض أسلافي أزاوله
فالشاعر هنا يلمح من كلامه هذا أنه يصور الحضارة المدنية بذراع الأخطبوط المتداخلة والمتشابكة، كما أنه يرسم لنا هذا العالم بأنه أشبه ما يكون بالموج المتدافع، ورغم أنه يصور لنا بيئة البحر في الغالب هنا، غير أننا نلمس من خلال حنينه لأسلافه وإحساسه بأن الأمان لا يكون إلا في النقيض وهو الصحراء البدوية والأسلاف الغابرون، وعلى هذا نرسم هذا التصور، وهذا ما يكشف لنا إشكالية الموقف من العالم المقابل للصحراء وماضي الأسلاف، وهو واقع يتحكم فيه الموج الذي لا يعرف الرحمة ولا يؤمن بالظروف وهو أشبه ما يكون بالعجلة الاجتماعية أو الاقتصادية التي لا تعرف التوقف، كما أن هذا العالم عالم ملئ بالمشكلات والحروب والأزمات، ولديه قبضة حديدية قاسية مثل ذراع الأخطبوط، لهذا يريد الشاعر الشعور بلذة الأمان عن طريق الالتجاء للصحراء التي تشكل له العمق الجغرافي، متمسكاً بتقاليد الأجداد الذين يمثلون له العمق التاريخي الممتد في الزمن الماضي.
يختلف طلال حمزة عن زملائه الشعراء، وذلك حينما يوجد نوعاً من العلاقة الحميمية بينه وبين الرياض، حيث تعامل الشاعر من خلال نص «الرياض أجمل وأكمل» مع الرياض كأنثى وفي بعض الأحيان نظر إليها كفاتنة تبادله الحب، وتعامل معها كحبيبة:
وفي الرياض الليلة
إحساسي خرافي
كنت أحس ببرد لكن..
أشعر أني حيل دافي
فوجوده في الرياض منحه شعوراً آخر لا يمكن أن يتصوره وأعطاه رغبة في الانتشار والحب، وأن هذا الشعور أشبه ما يكون بالمشروب الذي يمنحه الدفء ومقاومة البرودة:
اعذريني
ما قدرت استوعبك
يا أحلى المدن
ولا تخيلتك كذا
مزيج من روعة وفن
اغفري جهلي..
دخيلك سامحيني
ويالله قومي صافحيني
يقف بين يدي هذه المدينة كالعاشق المتيم، يقدم لها قرابين الولاء والحب والإعجاب ويحثها بأن تعطف عليه وتسامحه وترضى عنه، لأنه لم يفهم هذا البهاء الذي سحره، ولم يقدر على الإحاطة به «ما قدرت استوعبك» معتبراً إياها «أحلى المدن» وأجمل البقاع، كما أنه يقدر لها بكل ذهول وخضوع أنه لم يتخيلها بهذه الروعة التي تداخل فيها جمال الروعة وإبداع الفن، لهذا يخاطبها بكل خضوع وهي جالسة أمامه كالملكة أو الأميرة المدللة في ملكوتها، إنه يطالبها بأن تغفر له جهله لأنه لم يوفها حقها من الاحترام ومن التقدير، ويتوسل إليها بأن تسامحه، مطالباً إياها بأن ترضى عنه وترتضيه حبيباً لها.
إن الشاعر طلال حمزة يختلف في هذا التعامل عن زملائه الشعراء الذين نظروا إلى المدينة نظرة ملؤها الريبة وعدم الثقة فيها، وأنها انتزعتهم من بداوتهم أو قرويتهم التي يرونها مطابقة للطيبة والنقاء.
إن طلال حمزة انتهج نهجاً آخر لم أره إلا معه، حيث كانت المدينة بالنسبة له عالماً طبيعيّاً ممتلئًا بالجمال والبهجة:
شفتك الليلة وديعة
طاهرة
تمتلي عفة وبياض
واحتضنتك...
... يالرياض
قد يشكل طلال حمزة في هذا الشأن ظاهرة بحد ذاته، حيث إنه لم يعكس لنا كما في هذا الكلام أي موقف متأزم من المدينة، إذ اندمج فيها وصار يتغنى بجمالها وطهرها وعفتها وبياضها الناصع، الأمر الذي دفعه في ما بعد إلى احتضانها رغبة منه بترجمة هذه المشاعر من كلام يقال إلى فعل يقوم به تحقيقاً لما قاله فيها، وهذه الحالة لم تكن مع الرياض فقط، بل كانت في نص آخر له عن جدة التي وصف أهلها بأنهم أفضل الناس وأن في جدة سحراً يشبه سحر بابل، وأنها مدينة ساحرة الجمال تفوق كل المدن، وهكذا من الأوصاف.
يا موجة الما خذي زفراتي مناولة
ما أشد من ذا الجفاف إلا ذراع اخطبوط
وبيني وبينه حروب الساحل مداولة
أنا أقرب الموج للصحرا ورمل الشطوط
ما عندي إلا بياض أسلافي أزاوله
فالشاعر هنا يلمح من كلامه هذا أنه يصور الحضارة المدنية بذراع الأخطبوط المتداخلة والمتشابكة، كما أنه يرسم لنا هذا العالم بأنه أشبه ما يكون بالموج المتدافع، ورغم أنه يصور لنا بيئة البحر في الغالب هنا، غير أننا نلمس من خلال حنينه لأسلافه وإحساسه بأن الأمان لا يكون إلا في النقيض وهو الصحراء البدوية والأسلاف الغابرون، وعلى هذا نرسم هذا التصور، وهذا ما يكشف لنا إشكالية الموقف من العالم المقابل للصحراء وماضي الأسلاف، وهو واقع يتحكم فيه الموج الذي لا يعرف الرحمة ولا يؤمن بالظروف وهو أشبه ما يكون بالعجلة الاجتماعية أو الاقتصادية التي لا تعرف التوقف، كما أن هذا العالم عالم ملئ بالمشكلات والحروب والأزمات، ولديه قبضة حديدية قاسية مثل ذراع الأخطبوط، لهذا يريد الشاعر الشعور بلذة الأمان عن طريق الالتجاء للصحراء التي تشكل له العمق الجغرافي، متمسكاً بتقاليد الأجداد الذين يمثلون له العمق التاريخي الممتد في الزمن الماضي.
يختلف طلال حمزة عن زملائه الشعراء، وذلك حينما يوجد نوعاً من العلاقة الحميمية بينه وبين الرياض، حيث تعامل الشاعر من خلال نص «الرياض أجمل وأكمل» مع الرياض كأنثى وفي بعض الأحيان نظر إليها كفاتنة تبادله الحب، وتعامل معها كحبيبة:
وفي الرياض الليلة
إحساسي خرافي
كنت أحس ببرد لكن..
أشعر أني حيل دافي
فوجوده في الرياض منحه شعوراً آخر لا يمكن أن يتصوره وأعطاه رغبة في الانتشار والحب، وأن هذا الشعور أشبه ما يكون بالمشروب الذي يمنحه الدفء ومقاومة البرودة:
اعذريني
ما قدرت استوعبك
يا أحلى المدن
ولا تخيلتك كذا
مزيج من روعة وفن
اغفري جهلي..
دخيلك سامحيني
ويالله قومي صافحيني
يقف بين يدي هذه المدينة كالعاشق المتيم، يقدم لها قرابين الولاء والحب والإعجاب ويحثها بأن تعطف عليه وتسامحه وترضى عنه، لأنه لم يفهم هذا البهاء الذي سحره، ولم يقدر على الإحاطة به «ما قدرت استوعبك» معتبراً إياها «أحلى المدن» وأجمل البقاع، كما أنه يقدر لها بكل ذهول وخضوع أنه لم يتخيلها بهذه الروعة التي تداخل فيها جمال الروعة وإبداع الفن، لهذا يخاطبها بكل خضوع وهي جالسة أمامه كالملكة أو الأميرة المدللة في ملكوتها، إنه يطالبها بأن تغفر له جهله لأنه لم يوفها حقها من الاحترام ومن التقدير، ويتوسل إليها بأن تسامحه، مطالباً إياها بأن ترضى عنه وترتضيه حبيباً لها.
إن الشاعر طلال حمزة يختلف في هذا التعامل عن زملائه الشعراء الذين نظروا إلى المدينة نظرة ملؤها الريبة وعدم الثقة فيها، وأنها انتزعتهم من بداوتهم أو قرويتهم التي يرونها مطابقة للطيبة والنقاء.
إن طلال حمزة انتهج نهجاً آخر لم أره إلا معه، حيث كانت المدينة بالنسبة له عالماً طبيعيّاً ممتلئًا بالجمال والبهجة:
شفتك الليلة وديعة
طاهرة
تمتلي عفة وبياض
واحتضنتك...
... يالرياض
قد يشكل طلال حمزة في هذا الشأن ظاهرة بحد ذاته، حيث إنه لم يعكس لنا كما في هذا الكلام أي موقف متأزم من المدينة، إذ اندمج فيها وصار يتغنى بجمالها وطهرها وعفتها وبياضها الناصع، الأمر الذي دفعه في ما بعد إلى احتضانها رغبة منه بترجمة هذه المشاعر من كلام يقال إلى فعل يقوم به تحقيقاً لما قاله فيها، وهذه الحالة لم تكن مع الرياض فقط، بل كانت في نص آخر له عن جدة التي وصف أهلها بأنهم أفضل الناس وأن في جدة سحراً يشبه سحر بابل، وأنها مدينة ساحرة الجمال تفوق كل المدن، وهكذا من الأوصاف.